كان جدي رجلا عبوسا غير مفراح، لا يجيد المزاح و لا يستسيغه، لا نرى أسنانه إلا في حالات نادرة ندرة المياه في الصحراء القاحلة. وهبه الله نعمة الصحة فلم أعقله إلا معافى يذهب إلى السوق الأسبوعية على بغلته، يركبها بوثبة واحدة تداري في خفتها وثباتنا نحن الصبيان.

كان جدي رجلا قويا، يحسب له ألف حساب في الخارج بين رجال القرية، وفي الداخل بين أبنائه و زوجاته الثلاث.  لا يأمر أحد أبنائه بشيء إلا و هب لتنفيذه دون مناقشة أو مماطلة تعود عليه حتما بعقاب قاس ربما لن يستطيع احتماله. وحتى عندما كبر أبناؤه و تزوجوا ما زال جدي صاحب الحل و العقد، لا يقومون بشيء إلا

بأمر أو ربما بإقرار منه.

كنت صبيا صغيرا ألعب و أنا أشاهد ذلك، و أقر لجدي بقوة الشخصية إذ اضطر الجميع إلى احترامه أو الخوف منه. أصبح جدي شيخ القرية و حكيمها لا يمر أمر إلا من خلال مشورته و نصحه واقتراحاته.

أعجفت السنوات ومر الناس بأسوإ الظروف لأنهم لم يكنزوا قمحا ولم يخزنوا شعيرا و لا ذرة، بل أسرفوا في الأكل حتى أتوا على كل شيء و هم لا يفكرون لغدهم بل لساعتهم فحسب.

جدي كان منفردا بحكمته و حصافته، أقفل على الطعام و خزن الحبوب و أقتر علينا حتى يقتصد و هو يقول:التدبير نصف المعيشة يا أولاد.

 لامه على ذلك، في أول الأمر، أعمامي و شدوا عليه عله يلين، لكن أكبرهم وهو أبي نهرهم وصدهم وأغلظ عليهم فما كان منهم إلا أن تراجعوا مستسلمين.

عندما أعلن الجوع عن نفسه، فرغت طرقات القرية من ناسها و هم خارجون منها يبحثون عن لقمة يسدون بها الرمق. عندما أعلن الجوع عن نفسه، ماتت الحيوانات وأكل البشر البعض منها و اشتدت الحرارة على الناس فازداد الأمر سوءا ثم ما لبث أن قال قائل:

-ارجعوا إلى أنفسكم، هل من رجل ينقذنا؟

فهتفت أصوات:-الشيخ مبارك لها، لم لا نعود إليه. فعادوا إليه.

في ذلك اليوم أبانت حكمة جدي عن نفسها، صقلتها الأيام و السنون،دارت الرؤوس نحو الطعام الذي أخرجه جدي من المخزن خاصتنا لتوزيعه، لم يستمع لحديثه أحد، تطلع الجميع نحو الطعام طيلة مدة كلامه. 

وزع الطعام على الأهالي بإنصاف مثير للإعجاب، وتفرق أهل القرية و هم راضون يدعون لجدي بأفضل الدعوات وفيما مضى يطلقون ألسنتهم بالسوء، ويتناجون بينهم :ما أبخله

في ذلك اليوم عرف الناس قدر جدي، فازداد احترامهم له، وازداد هيبة بين أولاده، وعرفوا أن بعض الشر المقصود منه خير لا يضر، وأن النار كما تحرق تنضج.

مخزننا كبير قد استطاع الشيخ ملأه، قمح و شعير، تمر و ذرة، صبار و تين مجففان، زيت زيتون و أركان، مجموع أطعمة كثيرة و قدور من سمن و عسل..

العام الموالي كان أكرم من أخيه الذي ولى بجوعه، جمع فيه الناس بعض الغلة وقطفوا و جنوا. رحبوا بجدي كأمين على المخزن الذي بنوه خصيصا للادخار و أسموه "أڭادير".

كان هذا المخزن شاسعا مبنيا بالطين المخمر المخلوط بالتبن، مسقفا بجذوع أشجار الأركان، وضع تصميمه رجل هرم شاخ عقله في تصاميم البناء. سقف البناء كان مكونا من سبعة عشر جذعا بينها جذع عملاق وضع في الوسط ، وفيما بين الجذوع تم ترصيص أغصان مقلمة بدقة حشر في الفراغات بينها  جير بعناية بالغة.

على العموم كان البناء متينا لو أضفنا أن المصمم أقام ثلاث سواري "إشوماش" لحمل ثقل الجذوع.

كان المصمم ذكيا حقا عندما وضع سبعة عشر جذعا بعدد أولياء أمور الأسر الموجودة بالدوار، ويقصد طبعا بالجذع العملاق جدي كما أدركت فيما بعد. 

توالت الأيام، وانقضت الليالي و مفاتيح المخزن بين يدي جدي يدير كل شيء بنفسه و لا يوكل أحدا و لا يرضى بمناقشته و خصوصا من أبنائه و أحفاده.

عند مرور عام أو يزيد، نقصت المدخرات و تلاشى حلم الأهالي و صبرهم على الجوع، و لكن جدي كان قديرا على حل مثل هذه المستعصيات، فهدأ من روعهم و طمأن قلوبهم بأن زمن الجوع قد ولى و أن تدبير الموارد يدفع المشاكل الشوارد.

ويوم خميس كان عطلة، دخلت عدوا إلى المخزن، أنا و ابن عم لي، كنا نتعادى كالغزلان سرح بصري فجأة نحو السقف فرأيت شقا طويلا في أكبر الجذوع و أضخمها. قلت لأبي إن الجذع العملاق تصدع و إن مخزن الأهالي في خطر، فزفر زفرة ثم نقرني فوق رأسي نقرة و زأر:

-اذهب لتلعب.

ولكنه أخذ قولي على محمل الجد فرأيته يدخل إلى المخزن، وبرهة يخرج ثم يبحث عن أبيه ليخبره، فرأيت أن أراقبه وهو يحدث أباه، فاختفيت وراء سدرة و أنا أستمع إلى كلامه و عيناه تقبلان الأرض و جدي يستمع حتى انتهى فقال له جدي:

-وأنت يا ولدي طفل   وأنت يا ولدي غر

 ليس لقولك وزن       لا يقوم لمثلك أمر

فانبسطت أساريري و قد أجيب أبي بنفس ما أجابني به، فانشرح صدري بعدما أوغره بشديد لفظه.

صان جدي المخزن خير صيانة و زاد للجذع الذي تصدع سارية في الجهة الأخرى وقام الناس بالمساعدة في القيام بذلك، ولكن الشيء المخيف أن المخزون بدأ ينفذ والسماء قد أقترت ولم تتلبد منذ زمن والصيف على المشارف والناس ما بين شاب و شيخ و امرأة مهمومون يداومون التفكير في المخمصة التي أصابتهم قبل أعوام وأمعاءهم في هيجان يخيف المارة من انس وحيوان.

مرض جدي مرضا لم يمرض قبله مثله، وقمنا بتمريضه كل حسب جهده، فهو لم يزر في حياته من قبل طبيبا، يداوي نفسه بالأعشاب وهو مستميت في صدنا عن الطبيب ما أمكنه، والآن و هو طريح الفراش أرادوا إحضار الطبيب فمنعهم وقال:

إن الطبيب بطبه و دوائه   لا يستطيع دفع مقدور القضا

ثم نادي على أولاده، فتجمعوا و تحلقوا من حوله، فأوصى بعضهم ببعض وأعطى المفاتيح لأبي وقال له:

-إن الحياة يا ولدي قطار  فها قد لحقت محطتي

فبكى الجمع بكاء مريرا على إثر قوله، وأقبلوا علية يلثمون يديه و رأسه.ثم نادى علي من دونهم جميعا فجئته أسرع من كلماته فقبلني بين عيني وقال:

-قل للحساد إن مباركا حي       وإن   طالت  غيبته  تحت  الأدم

يموت  عقيم  لم  يلد   أحدا       فينسى ولا يأتي  ذكره  على  فم

ومن مات وخلى بعده ولدا        كمن يمشي بين الأحياء على قدم

 

زاد النشيج بعد أقواله تلك وقد عرفوا أنه يودعنا بكلامه الموزون، و قد شحبت ملامحه واغبرت سحنته، ثم ما لبث أن طلب منا تركه وحيدا ليستريح فتركناه.

في الصباح الباكر استيقظت على صراخ و عويل، و هرج ومرج، فاستطلعت الأمر فوجدتهم قد أغلقوا غرفة جدي والناس ما بين خارج و داخل والكل يحوقل و يتحسر وأنا واقف لا أدري ما الحدث فسألت أمي فنهرتني وصرخت بي..  

استنجدت بأبي فوجدت الناس يصافحونه ويضمونه، فدخلت بينهم فنظرت إلى وجهه، فرأيت عبرات قد رقرقت في عينيه، فاستغربت و اندهشت. أبي الذي أعده كالصفوان صلابة قد بكى. انبجست من عيونه دموع ليست كالدموع، أحرقت وجنتيه وتركت الآثار.أردت أن أسأله ولكني ما استطعت إليه وصولا، التف من حوله كل من أعرف من رجال القرية يقولون كلاما من قبيل: -البركة في راسكم..

كلام لم أعرف له معنى ، ولم أدرك ما يحدث إلا في اليوم الموالي وأنا ابحث عن جدي في كل الأركان و اصرخ باسمه. أخبروني أنه قد ذهب إلى الله، فسألت إن كان الله أهم منا نحن أولاده؟ فأجابني أبي بنعم وقال إنه لن يعود أبد الدهر.

بكيت طويلا، حاولوا إسكاتي بكل الطرق دون فائدة تذكر فتركوني أبكي وحيدا مبللا المكان الذي احتللته

وسط الحقل. مرارة فراق جدي لا تزال بحلقي حتى بعد أن انقطع بكائي فلزمت الصمت و الوحدة لأيام وأضربت عن اللعب حتى خشيت علي أمي.. 

 

شيئا فشيئا تعود الحياة إلى بيتنا بعد موت جدي، لم يستطع أحد نسيانه و قد مرت خمسة عشر يوما، ولكنهم تناسوا فعادت المياه لمجاريها.أصبح أبي القيم على المخزن، يتصرف بروية وحكمة –ربما- مصطنعة يرجع إليه الناس كما كانوا يرجعون لجدي في مسائلهم. ومرة أخرى يزداد الصدع في الجذع الأكبر، ومرة أخرى لفتت انتباهه إليه فلم ينبس، وتركني غير عابئ بما اسرده، وهو الآن سيد القرية و كبيرها ومخزون محاصيلهم بين يديه، لن يعبأ قط بما يقوله غلام حتى و لو كان ابنه..

ازداد الصدع تصدعا وأبي لا يريد سماعا، فأخبرت أعمامي فأبوا أن يخبروه أو أن يقوموا بشيء محسوس خاصة وأن أمر المخزن لا يهمهم فعمدت للسكوت مؤقتا.

تشققت جذوع أخرى للثقل الذي أصبحت تحمله وظهرت تصدعات في السواري فأخبرت أهل القرية أن الجذوع تشققت وأن ما يحصنون في خطر فقالوا أأنت أفقه من أبيك؟ ثم رموني بالكذب وقالوا اذهب لتلعب، فذهبت ألعب.

وأنا منغمس في اللعب و الكذب، وهم جادون صادقون وقع ما كنت أحذرهم منه، سقط المخزن وتلف المحصول وأبي قائل لا يدري، وأهل القرية يعملون أو يلعبون..

 

 

 

                                                                            إبراهيم البوزنداكي

 

                                                                                      أولاد تايمة  

                                                                                                                                                                                               المغرب