كلما أطل علينا موسم الصيف ألا و أتمثل أمامي ذلك العنوان الصارخ و البسيط معا "موسم الهجرة إلى الشمال"...رواية لامعة جدا أنجبتها قريحة الأديب الطيب صالح ذات يوم . يروق لي حين تستعر هاجرة الصيف أن أطالع ذلك السفر السخي مثل سخاء كاتبه . عنوانه المثير دعوة في نظري إلى الحرية و الاستجمام و التخفف من أعباء الحياة المرهقة...في بلدتي المتوارية خجلا بين كثبان الرمل و صخب العواصف و لفح الشمس و لسع الهوام يصبح الصيف في هذه البقعة ذو مساغ مرير تتبرم منه الأنفس و لا تكاد المخلوقات تستريح من وطأته إلا مع طلائع شهر سبتمبر...يوميات الصيف هنا هي صفحات من الرتابة التي تثير السأم و الملال. و ما إن يستفيق شهر يوليو من السبات كما ينتفض البركان الخامد منذ قرون
حتى يفزع سكان بلدتي إلى الشمال طلبا للمصايف و التماسا للغابات و الجداول و الشواطئ...الشمال هو الرئة الوحيدة التي تحمل الأمل و الحياة إلى شرايين بلدتي. يقول لي جدي دائما أن الأسفار تجدد حياة البشر و تحمل إليهم دماء شابة و تمحو عن القلوب غبار الأيام المتشابهة...هذه الخواطر المتناثرة كانت تسبح في مخيلتي عندما كنت أرتب حقيبة السفر. مرهم حلاقة من الصنف –جيلات – و قميص أزرق اشتريته للتو و نعل جلدي يصلح للسير في يسر فوق رمال الشاطئ و تبان أصفر من خيوط القطن و جميع ما يلزمني لهذه الرحلة التي تنتشلني من ضجر الجنوب و قتامته إلى سحر الشمال و مباهجه...طن.طن.طن.طن. ضجت فجأة الساعة المتشبثة بالحائط في حذر كما يتشبث الوليد بصدر أمه الرءوم…أعلنت عقاربها تمام السابعة صباحا. ساعة واحدة فقط تفصلني عن موعد القطار...أعشق حد الجنون الركوب في أحشاء ذلك الحلزون المعدني. لم أكن أدري إن كان البشر يجدون تلك اللذة التي ألمسها حينما أسافر في القطار. من المؤكد أنني لا أنس مقولة جدي الخالدة " السفر بالقطار يختزل لك خريطة العالم في سويعات"...أزف إذن موعد الهجرة إلى الشمال و التحرر من ربقة الجنوب الخانقة. بعد لحظات سأفارق هذه الرمال الجاثمة فوق صدري على مدار السنة...سأطلق هذه الشمس المتوحشة التي توشك أن تستقر وسط خلاياي النخرة. أشعر أن هناك في الشمال تنتظرني شمس وادعة رقيقة كما الأنثى وسط المرج الخصيب...تبددت ساعات الترقب أخيرا. وجدتني في أحضان جغرافيا ساحرة تختلف أشد الاختلاف عن ملامح بلدتي... الهواء الرطيب أخذ يتمدد في جيوبي الأنفية برفق. زرقة السماء و زرقة البحر يتزاوجان في هدوء ليكون الوليد قصيدة متضمخة بالأزهار و الأحلام . تغنيها النوارس و الأطيار المهاجرة فقط في هذا الموعد الجميل من كل عام...شعرت على الفور أن جداولا من الدماء النقية تجتاح عروقي المتصلبة. كنت في نفر من الصحب و الخلان...من الرائع حقا أن يتشاطر الرفاق التذوق من هذه اللحظات الوادعة و التي لا تتاح للمرء ألا لماما. بسطنا متاعنا و أثاثنا على رمال الشاطئ الدافئة...شعور جذاب يسيطر على المرء حينما يثبت شمسية مترعة بشتى الألوان استعدادا للعوم. لا شيء كان يبعث السكينة في القلوب مثل هدير الأمواج التي تشبه أسراب من الحمام الداجن ...و لا شيء كان يتحف العيون مثل مشهد القوارب التي تتراقص في خيلاء فوق صفحة المياه الرائقة. مضى يوم و يوم . لقد كنا في غاية البهجة و الحبور...سعادة ينافسنا عنها الملوك ما وجدوا إلى ذلك سبيلا. سحر البحر و سحر الشمس و سحر المشاهد التي تختزنها الطبيعة ...عند الظهيرة آثرت السماء الصافية أن تبدل أرديتها الزرقاء و آثر الموج أن يبدل لغته الحانية الوديعة. غزت السحب الكثيفة كبد السماء دون سابق إنذار...اتشحت بلون رمادي يبعث على الخوف و الفرق. البحر الذي كان للتو وادعا و أليفا كشر عن أنيابه الخادعة و اتخذ من الأمواج المتلاطمة مشهدا مرعبا حقا...في هذه اللحظات الحرجة تحركت آلة الريح لتزيد من حدة المأساة. عاصفة هوجاء امتزجت بالمطر و البروق تغزو المكان في عنف...فزع رواد الشاطئي و هرعوا إلى الفرار ملتاعين و غير مصدقين هل هم في الواقع أم هي سنة من النوم؟؟ و في لمحة بصر ارتفع هناك في الأفق موج كما الجبال الشاهقة...زحف صوبنا مسرعا . التهم تلك الأمواج الصغيرة المتدافعة أمامه و سرعان ما ابتلع ذلك الشاطئ الآمن ...أحاله في لحظة قصيرة إلى بحيرة عائمة مزقت شملنا شر ممزق...



