رسالةٌٌٌ... لنْ تقرَأَهَا أمُّي
قصة قصيرة
محمد العربي الوالي
أعرف أنك تكرهين... المقدمات ..كما تكرهين النفاق..
ولذا سأدخل الموضوع من غير مقدمة...
وإن كنت أعرفك عصية، شرسة، يتعذر إقناعك...
وجهك- يا أمي - يطاردني..يحاصرني ويذبحني آلاف المرات..في اللحظة الواحد.
صعب يا أمي أن يفهم الناس ما آتيه من تصرفات..ويستحيل عليهم تخيل الطفولة التي
تسكنني، والحنين القاتل الذي يتملكني في العود إليك إلى صدرك...
متعب أنا- يا أمي وخائف وبائس...
منذ سنوات عدة، وقبل أن نفترق، قبل أن يذهب كل منا في سبيله...وأنا أود أن أجلس
وأتحدث إليك لعلنا نجد حلا وسطا...نقطة تقاطع أو حدَّ تقـارب...
ولكنََِك كنِت...
ولكنني كنتُ...
وخضعتُ أول الأمر...وثانيه...وثالثه...وتوالت نكساتي ..من غير أن أدخل المعركة...
كان حبّي الشديدُ لك...يقيّدني...يحيلني إلـى بهيمة ترسف في أغلال سجن رهيب...رهيب..
كنت أنوي...بل أريد أن أقـول لك...إنني رجـل!وإنني!.
لكن مواقفك التي تتمسكين بها مهما كانت ضحايــا طغيانها...تحيلني...
إلى صخرة...تتـلذّذ، متألّمة بعبوديتها وسكونها!
وتوالت الحرائق... التي تشعلينها...تغزو جسمي ونفسي..
وأنت مزهـــوة بانتصاراتك...غير عابئة. بما يحدث لي...
وكنت آنذاك أقرأ التمرّد والإلحاد والعبثية عند كامي، وسار تر، وسيمون دي بفوار...وكنت
أواجه الحوادث بنفس لا مبالية...لا مهتمة...وكأنها لا تعنيني...
وهذا لا يعني... أنه لم يكن لي رأي... فيما يجري...
إمام المسجد كان يردد " الجنة تحت أقدام الأمهات"...
وأنا كنت مسكونا ببطولات وقصص الملحد ين...وأنت توجهين السفينة والرياح حيثما
شئت...
وأنا في صراع داخلي مرير بين إ رضائك، وإرضاء الإمام، واستجابة لما أجده في الكتب
التي أطالعها...
وبين شتى المواقف... لا موقف لي...
أتـلقى الطعنات...وأصبر صبر أيوب...
وأذهب إلى السياب لأبكي...في شعره...أتخيلني مومسه العمياء...وقد تداول على جسدها
المنهوك، وروحها الملوثة.... زوار الليل في ليلـــها الأبدي...
وأنت... تتلذذين.... وتزدادين شموخا...أ مــا م نساء القرية...
ويوم سألت أبي.الحاضر الغائب رأيه.فيما يحدث.لي.وله.معا...
جاءني صوته ضعيفا باهتا...لا لون .. له.. و..لا طعم ...
" هذه أمك وأنت ابنها."
وغاب عن هذه الدنيا،كالمسافر المتسرع...الفار إلى عالم أكثر هدوءا وسعة...!
وأنت تذكرين أنني لم أبك موته.كما لم تفعليه أنت..لأنني لم أشعر يوما بوجوده.
لقد كنت الكل... كل الوجود...
وأبي لم يكن شيئا...من الوجود..
قد تعجبين لما أكتبه اليوم إليك...ولما أشيعه في الناس عنك...
قد ترين فيما تخطه أصابعي عقوقا. ...يدعّني إلى جهنم دعاًً...وأنت التي بعت البرنس الوحيد
الذي كان لأبي، لتدفعي ثمن كتبـي المدرسية...وما إن انقضى شتاء تلك السنة...حتى ترك
أبي مسلول الصدر...
أذكر... كل ذلك..يا أمي...
وأذكر كيف كنت تحملينني على ظهرك..أيام الثلج والمطر خوفا علي من الوادي الذي كان
يفصل قريتنا عن المدرسة...أذكر حفيف وقع قدميك الحافيتــين وهما تغو صان في الثلج
والوحل دون تذمّر...أو تشٍك...
نعم..لقد كنتِ كل شيء...أما أبـــي... فما كنت تريدينه.. أن يكون شيئا...
كان غارقا في كتب الأذكار والأدعية...وصلواته التي لم تنتهي إلا بموتـه...
وكنت غارقة في واقع الحياة بكل شروره وآثامه...
وأحسست وأنا الطفل أنك.تتعمدين تغييب أبي عني. أو إبعادي عنه...لم أكن أفهم...ولم أجد
من أستفتيه في الأمر...وكان قلبي يدمي لما يحدث في البيت...
وجاء دوري..
ما إن بدا بعض الزغب يطفو عل وجهي، حتى شرعت في تنفيذ مخططاتك الواحد تلو
الآخر...وما كدت أتجاوز سن المراهق...حتى غدا مظهري مظهر شيخ طاعن في
السن...ووشحت وجهي ملامح معمِّر نكس في الخلق...لا يعلم بعد علمك شيئا...
كنت كائنا مهموم القلب، معتل النفس، مشتت العقل...وأنت مزهوة كعهدي بك بما تدبرين
وتنفذين...
حتى يوم دخلت عليك، وقد لففت جسمك كله في لحاف أسود قاتم وكأنك في حداد...
كان الخبر قد سٌِرب إليك.منذ مدة..وما أظنك كنت تصدقين..
أن المخلوق الذي عجنته بيديك، ونفخت فيه من روحك، يستطيع تغيير شكله...شعرت أنك
بدأت تعرضين عني وتميلين بكل جفاء...
أذكر يومها أنني وقفت أمامك...ثم جثوت على ركبتي استعطفك...ودموعي الحيرى الغزيرة
تنساب على و جنتي المحدودبتين...
كنت يومها..أريد أن تزيحي اللحاف الأسود الذي تدثرت به عن رأسك،أن تنظري إلى ابنك
المنهار المحطم..ابنك الرماد الذي يبحث عمن ينفث فيه..لعل بقية جمر تعيد إليه الحياة...
ولكنك بخلت علي بالنظر، كما بخلت علي بالصوت...كأنما كنت أنادي ميتا...
وخرجت وحيدا...
وبقيتْ خطيبتي ذلك المساء الداكن الممطر، تقلب يديها وتضرب كفا بكف...
عواطفي المريضة تجمدت...
وشعرت هي بالخزي...فتلبد وجهها، وغارت عيناها...كأنما كانت تجهز للدفن...وحضرنا حفلا مأتما...
وتعالت الأصوات...بعد أن كانت همسا أو نجوى...
" إنها ترفضها!."
" أمه ناقمة على هذا الزواج !."
" سمعت أنها نذرت للولي " أبوختالة" كبشا إن نزلت بهما مصيبة!"
أرأيت يا أمي عريسا يتحدث الحاضرون حفله ليلة زفافــه
عن مصيبة،عن صاعقة،عن موت، وعن حريق، وعن عقم وعما لايمكن لذاكرة ابنك الحساس
جدا أن تنساه أبدا.!
ربما تفهمت عدم بكائك يوم موت أبي..
ربما تفهمت عدم قلقك علي وأنت تدفعين بي كل سنة إلى المحاكم، وأعود إليك برضيع بين
يدي.. لأنك ترين أنني أكبر من الخضوع لابنة أنثى، وأنت على قيد الحياة.
غير أنني لم أفهم وإن حاولت تماديك في سياسة " معزة ولو طارت.""" !!.
هل تعلمين يا أمي...أنني الآن وإن كنت أذكر بعض أسماء أبنائي، لا أتذكر أسماء أمهاتهم
وأنسابهن...
بالمناسبة.. لي صديق كلما التقينا سألني " كيف حالة الشركة المتعددة الجنسيات ،التي
صرتها...والتي لا تملك سهما فيها..!"
وأنتِ اليوم كما كنتِ دائما وأبدا لا تزالين الأم الغاضبة.التي تلتمس عون الآلهة، وتستخر قدرة
الجن والعفاريت لتنزل بي العقوبة التي قد تطفئ من غلها..وتعيد لها كرامتها ا لمستباحة..
ما تزالين تطرقين باب كل ساحر لعله يفلح بتعويذة منه في التفريق بيني وبين المغضوب
عليها " فضالة الرجال" التي تزوجتها، والتي حولتها بأوهامي وشذوذي الموروثة عنك
إلى عجوز بعد ليلة دخولي بها.
وأنا يا أمي حتى الآن لم أع سبب سخطك المستمر علينا...
لقد تناسينا ما فعلته بنا...تأسيا بأقوال الصالحين...تناسينا أنك صانعة مأساتنا...
وجئنا نلهث يوم مرضت...وكنا أول وآخر من وقف يدعمك ويواسيك...
ولكنك...وما إن تماثلت للشفاء، وخرجت من الغيبوبة، حتى عادت إليك دوامة الغضب...
لقد امتلكني شعور بالمهانة، وخجلت من زوجتي يوم أخرجناك من المستشفى،وجاءت لتعودك، فاستقبلتها ببرودة قاسية ومدمرة
أفهمتنا أن حضورنا غير مرحب به..
وخرجنا من عندك...خائبين...يائسين...
لماذا.. أتيت كل ما أتيت...وما تزالين...؟
ما الذي جعلك شبيهة بنهر تجمد إلى الأبد...رغم تعاقب الفصول.!!
كلّ ما في هذا الكون متغير متحول لا يثبت على حال...حتى فرعون عندما أدركه الغرق،
قال: آمنت برب موسى وهارون...إلا أنت...فلقد بقيت أنت...!
أأنا مذنب استحق غضب الرب لأنني تفاديت طعنة أخرى وجهتها إلي وكنت أراها القاضية.؟
أأنا العاق الذي يستحق الهجران لأنني تجرأ ت مرة واحدة في حياتي وهمست في أذنك: لا يا
أمي.! كفى..!لا أريد أن تجري بي تجربة أخرى!!
رفضت أن أكون فأر اختبار للمرة الألف...
لقد شرّحتني بما فيه الكفاية...ولم أعد فأرا صالحا...حتى تطبقي عليه قناعاتك...
والرمق الأخير من نفََسي المتهاوي كان كلمة: لا أريد..!
أهذا الذي يزلزل كيان أمي...ويحزنها ...ويحمله على دفن ابنها إلى الجحيم..!
لقد جعلت من زواجي قضية شائكة..معقدة...قضيتك التي من أجلها تعيشين، وعليه تموتين...!
أكل هذه المآسي التي صنعتها بي...ولم يرف لك جفن...كما لم يحن لك قلب..؟
أما شعرت يوما بذنب.؟
أنت تقولين أنني اخترت غيرك... ولم أخترك..!
وأنني وقفت في صف الغريم... لصفك...!
وأنا يا أمي ما عرفت يوما صفك.فأنت من من النقيض إلى النقيض ترحلين..
قبل أن أقوم من مقامي...!
تستقبلين زوجة ابنك بالأحضان والزغاريد صباحا، وما إن يأتي المساء، حتى يمتلكك هوس
الأيمان، وتقسمين بأنها طالق ثلاثا...وأنها محرمة علي وعلى دارك...وأنا صامت...!
إذا كنت يا أمي مزودة بطاقات تؤهلك للصمود والقفز والوثب، ولتطبيق كل الأحكام الفقهية
مكاني...فأنا إنسان بائس...ضعيف...جبان...حسب ما ترين..!.
ما يحزنني يا أمي أكثر ليس افتقادك...
ما يملؤني ألما...هو أنني أضعت نفسي...وامتدت النار التي التهبت بأطرافي لتأتي على كل
من يقف بجانبي أو يحاول الاقتراب مني...!
يوم " كسرت عصا الطاعة" كما تقولين عني...ظننت أنني أنجو منك ومن عوالمك..
ولكنني أزداد كل يوم يقينا بأنني فقدت من أحببت...كما فقدتك...وأنا اليوم أعيش من غير
هوية...
وكثيرا ما أردد بداخلي: " ليتني بقيت معك...لو أن الأقدار تعيدني إلى رحمك
لأبعث من جديد، لعلك تكونين أما أرحم وأرأف بي...
ليتني بقيت معك..!
كان الناس على الأقل فلتوا من نحسي ومن شروري..!
لو بقيت معك لاحترقنا معا... بنارنا وحدنا...واستراح جميع الخلق..منا !
محمد العربي الوالي
رأس الواي الجزائر