من الذاكرة
خضرا يا بلادي خضرا
كان وديع الصافي يقولها مضطراً عبر تلفاز ٍ أبيض وأسود ما عرف
الخضار يوماً.
ضباب سجائر ملفوفة على عجل يعتق جدران غرفتنا،
وأصوات لاعبي الورق تزعج أمي و كعادتها تبتسم بحبور عندما ينهي
أبي طقس الواحد والأربعين برمي الورق في وجه شريكه الذي لا يفكر
إلا في( تنينته ) ثم يقسم أبي بأولاده أنه لن يتخذ هذا الأناني شريكاً
له ما دام حياً.
يضحك الجميع وينكث أبي بعهده في اليوم التالي.
أختي تخبؤ رسائلاً نجهل مصدرها في كتاب النحو وتخبؤ كتاب النحو.
ردفي جارتي المتزوجة حديثاً لا يفارقان مخيلتي، أفكر ملياً بالزواج ..
فيوقظني بكاء أخي بعد صفعة استقرت على خده إثر وشاية من أخ
آخر أقسم أنه رآه يدخن على سطح البيت.
بطانيات خشنة ٌ عليها صورة خروف تحتوينا إثر قرارٍ تتخذه مدفأةٌٌ
تقعي في ركن الغرفة بعد أن استسلمت لقدرها المازوتي.
أمي تجهد نفسها في سد ثقب ٍ في إحدى النوافذ، وتعيد محاولاتها لإقناع
إخوتي الصغار أن العواء مصدره الريح وليس الذئاب..
يأمرنا أبي بالتزام الصمت عندما يقرع جارنا أبو هيثم الباب ونحن على
سذاجتنا لا نجهل السبب ويغمرنا إحساس بالمسؤولية فقد حان الوقت
لتسديد إيجار البيت، وكم كان الفخر يغمر أبي عندما نصمت بعد أي
قرع على الباب لأشخاص آخرين نكرههم كما نكره أبا هيثم ونبكي
عندما يسبون أبانا ونضحك حين يملون من الشتم وقرع الباب
ويندحرون خائبين .
كل ما تبقى من أمي
طبق من القش، وبيض مقلي، وصحن زيتون،
وكذبات بريئة ترويها أمي على شكل حكمة يومية
أشدها قابلية للتصديق تلك التي تقول( إن الله يحب الفقراء).
وأبي تحول إلى صورة تسكن الجدار
وعلبة معدنية للتبغ ترقد تحت الصورة بسلام.
بشار سليمان