السيد بابا بين السافانا والمستنقع البحرى

إيرنست همنجواى

          الكاتب الأمريكى الكبير عاد إلى إيطاليا وبالتحديد فينيسيا فى أوائل الخمسينات .  أقام إيرنست فى حجرة بفندق تشيبريانى دى توريتشللو ، وقد كتب حكاية  " عبر النهر وبين الاشجار " .

 السيد بابا كان قد ذهب للصيد فى إفريقيا ثم عاد الى توريتشللو. أخذ هيمنجواى حكايته تلك التى نترجمها لكم فيما بعد من إفريقيا وفينيسبا والتى نشرت  بمجلة الإبوكا الايطالية عام 1950م .

 

السيد بابا بين السافنا والمستنقع البحرى

ترجمها عن الإيطالية

عدلى عبد السلام

أحد الأسود كان يعيش ذات مرة فى إفريقيا مع كل الأسود الآخرين .

 الأسود الآخرون كانوا جميعهم أشرارا ، فقد كانوا يلتهمون كل يوم الحمير الوحشية والقطط وكل أنواع الظباء . كانوا يأكلون أيضا فى بعض الأحيان  من بنى الإنسان . كانوا  يأكلون السواحيليون ، والاومبوليون ، والوانديروبيون ، وقد كانوا قبل كل شىء يذهبون بشراهة مستهدفين تجار الجملة من الهندوس .

 جميع التجار من الهندوس من الحجم السمين وذات مذاق خاص فى حلق

الأسد . لكن الأسد الذى كنا نحبه كثيرا لأنه كان طيبا جدا ، كان لديه أجنحة

على ظهره . كل الأسود الأخرى كانت تسخر منه :

" إنظروا اليه وهو بهذه الأجنحة الموجودة على ظهره " كانوا يقولون ذلك ثم ينفجرون  بالضحك " .

"إنظروا إلى ما يأكله "  كانوا يقولون ذلك لأن الأسد الطيب كان يأكل المكرونه فقط ، ويهرب منهم ، فقد كان طيبا جدا .

الأسود الشريرة كانت تنفجر ضاحكة ثم تأكل هندوسى آخر، وزوجاتهم كانت تشرب منه الدماء .  يلعقنه باللسان مثل القطط السمان .

كانوا يتوقفون فقط للصراخ أو للزئير ضاحكين من جديدعلى الأسد الطيب ، وليقهقهون على أجنحته . حقيقة كانوا أسودا أشرارا جدا وسافلين .

لكن الأسد الطيب كان يجلس ، وقد طوى أجنحته فوق ظهره ، وكان يطلب بلطف أن يخدموه بتقديم أحد السود أو الامريكيين وعلى عكسهم كان يشرب فقط دماء التجار من الهندوس .  

 

رفض أن يأكل فى أحد الأيام ثمانية رؤوس من ماشية المزارع الكبيرة وأكل فقط قليلا من مكرونة ( تالياتللى ) وشرب كوبا من الطماطم .

أثار هذا غضب الأسود الأشرار ولبؤة من إناثهم ،  كانت أكثرهن شرا لم تنجح فى إمتصاص دماء التجار الهندوس بسبب الشوارب على الرغم من أنها قد قامت بحك وجهها فى الأعشاب قائلة : " لكن من تكون حتى تعتقد أنك  أحسن منا ؟ من أين يجىء أسد ياكل المكرونة غيرك ؟ ماذا تفعل هنا بيننا ؟  كل هذا وهى تصرخ ، ويسقط الآخرون على الأرض من الضحكات .

" إن أبى يسكن فى إحدى المدن حيث يقف منتصبا تحت برج الساعة خافضا من نظراته وهو ينظر للآلاف من الحمام الذي كان جميعه  من رعاياه .   كانو عندما يطيرون يصدرون ضجة تشبه صوت جريان أحد الانهار.

يوجد كثير من القصور التى  يقف أمامها أربعة أحصنة من البرونز ، وجميعها رافعة رجلا فى الهواء لأنهم يخشونه فى مدينة أبى ألتى لا مثيل لها فى كل إفريقيا .

 فى مدينة أبى يسيرون على أرجلهم ، أو فى زورق ، ولا يوجد حصان حقيقى يخترق المدينة خوفا من أبى . "

 " إن والدك كان خنزيرا كبيرا " قالت ذلك اللبؤة الشريرة وهى تلعق شواربها.

قال أحد الأسود الشريرة  : " أنت كاذب فلا توجد مدينة مماثلة " .

قال أسد آخر شرير جدا : " أرسل لى قطعة أخرى من التاجر الهندوسى .

 إن لحم المزارع  ما زال  طازجا جدا " .

قالت أكثر اللبؤات شرا : " لست إلا كاذبا قذرا وإبن خنزير كبير . كما أننى الآن أفكر فى قتلك وأكلك  بالأجنحة  وكل شىء .

فوجىء بشدة الأسد الطيب بذلك ،لأنه رأى أعين اللبؤة الصفراء وذيلها يتحرك هنا وهناك ، والدماء تسيل على شواربها ، وأحس منها  برائحة تبين كم كانت هى شريرة جدا لأنها لم تغسل فى حياتها أسنانها أبدا . على العكس كان لديها تحت مخالبها شرائح لحم قديمة من أحد التجار الهندوس .

قال الأسد الطيب : " لن تقتلينى .  إن أبى أحد الأسود النبلاء يقدم الجميع له الإحترام ، ثم إن كل شىء قلته لك حقيقى . "

فى هذه اللحظة قفزت نحوه اللبؤة الشريرة . لكنه طار فى الهواء بأجنحته وقام بلفة فوق مجموعة الأسود الأشرار الذين كانوا  يحدقون فيه وهم يزأرون .

قال لنفسه وهو فى الجو : " يالهم من برابرة هذه الأسود " .

حلق طائرا مرة أخرى حتى جعلهم يزأرون بشدة . هبط على الأرض بعد ذلك فوقهم حتى ينظر فى عينى اللبؤة الشريرة التى رفعت أرجلها الخلفية محاولة حجزه .  لكنها لم تنجح فى الإمساك به بمخالبها .

Adios " " وداعا   قال ذلك لأنه يتكلم الأسبانية بطلاقة فهو أسد ذو ثقافة راسخة  " ، و صرخ فيهم بفرنسيته التى لا يخطىء فيها  : Au revoir  الى اللقاء  ،  فزأر الجميع بنغمة ولهجة الاسود الافريقية .  

حينئذ طار الى فينيسيا بعد أن حلق باشكال دائرية فى إرتفاع دائم . هبط الى الارض فى piazza  بياتزا           والجميع يغنى عند رؤيته .

 طار لمدة دقيقة ليقبل والده على خديه الاثنين ،  وراى الأحصنة التى ترفع رجلا واحدة دائما ، والبازيليكا الكاتدرائية القديمة   ( Basilica ) التى كانت تبدو جميلة جدا ، وكانها مغسولة بالصابون .  الناقوس فى مكانه والحمام يصلح أعشاشه فى المساء .

قال والده " : كيف بدت لك إفريقيا ؟  

أجاب الأسد الطيب : : " بربرية جدا يا بابا "

قال والده : نحن على الأقل لدينا الضوء الليلى .

أجاب الأسد الطيب كإبن محترم كما يجب  : " هذا هو ما أراه .

" ان عينى متعبتان قليلا ". هذا ما إعترف به له الوالد .  " والآن الى أى مكان تفكر فى الذهاب إليه يابنى ؟ " .

أجاب الأسد الطيب : " الى ( بار ) هارى " .

 قال الوالد : " تحياتى الى تشيبريانى ، وقل له أنه سيمر عليك فى أحد الأيام ليسدد دينه ، ويصفى الحساب .

قال الأسد الطيب : " حسنا يا والدى " ثم نزل ببطء الى الأرض متجها نحو (بار) هارى سائرا على رجليه الأربع .

لم يتغير شىء عند تشيبريانى . كل الأصدقاء كانوا  موجودين .

لكنه هو الذى تغير قليلا لأنه كان فى إفريقيا ، وقد غيرته إفريقيا .

سأله تشيبريانى : " سيدى البارون . هل تطلب واحدا من السود ؟ " .

لكن الأسد الطيب كان قد جاء طائرا فى التو من إفريقيا البعيدة ، وقد غيرته إفريقيا .

" ألا يوجد عندكم بعض شرائح من لحم الهندوس ؟ " هكذا طلب من تشيبريانى .

" كلا لكنى أستطيع تدبير ذلك الأمر لك ".

" إذن ، أحضر لى كأسا من المارتينى صاف تماما (secco   ) ، وأضاف " مع كأس من جن جوردونى "  بينما أنتظر .

قال تشيبريانى : " حسنا جدا .. حالا . " .

         نظر الأسد حوله . رأى وجوه جميع أولئك الناس اللطاف ، وفهم أنه قد عاد

         الى وطنه لكن بعد سياحته فى أنحاء العالم ، فشعر بمنتهى الرضا.

 

 

ترجمت فى الجمعة

 24 أكتوبر 2008

ِِِِ