اللافتة كانت تتصدر حائط القاعة في إصرار...بخط كوفي أنيق كتب عليها أحدهم تلك العبارة الشهيرة " يوم الامتحان يكرم المرء أو يهان". شيئا واحدا كان يفسد رونق اللافتة و بهاءها...بقع سوداء كثيفة عالقة في كل جانب من جوانب تلك اللافتة ربما كانت مخلفات الذباب و البعوض أو شيء من هذا القبيل. يوشك المرء بأنامله أن يتلمس الصمت الذي يبسط جناحه على هذه القاعة الفسيحة المترعة بعشرات المرشحين لنيل الشهادة وجلهم من الشباب. المراقبون الثلاثة كانت أعينهم تترصد أي حركة تصدر عن الحضور...أحد المراقبين ذو بطن عظيمة و شارب كثيف يستطيع أن يحمل صقرا بكامله. الرجل كان حاد البصر و متجهم الملامح...يصيح دون سابق إنذار و تنتفخ أوداجه قائلا- أي حركة هي محاولة يائسة للغش تؤدي بصاحبها إلى الإقصاء من الامتحان إلى الأبد- كان يبث الرعب بين المرشحين بذلك الزئير الذي
ينبعث من رئتيه ...لقد كان الجميع يعلم عين اليقين أن نتيجة هذا الامتحان المصيري ستقذف به إلى أبواب الجامعة أو إلى باب من أبواب التسكع و البطالة...خالد كان يعي كل الوعي ذلك المصير. انه فتى طموح يسعى إلى تغيير مجرى حياته من واقع بائس إلى واقع مشرق لا تغيب عنه الشمس ...يجتهد للظفر بتلك الشهادة التي ستكون بمثابة مفتاح الخلاص. انه في جوف القاعة هناك منكب على أوراقه و أقلامه و مساطره لا يكاد يرفع رأسه إلا ليلتقط نفسا أو ليسترسل في فسحة من التأمل . تقصر حينا و تطول أحيانا...إن قسماته الوادعة تبدوا أكثر وسامة عند لحظات التأمل و الشرود. أنامله الناحلة تمسك القلم في حزم و رجاء...كان يشعر بأن الشهادة هناك على مرمى حجر. تنتظره على أحر من الجمر مثلما تنتظر الغادة الحبيب الغائب ...المروحة المتشبثة بالسقف كانت ترسل هواء ساخنا و مملا . تخالجه من حين لآخر رائحة العرق المتسللة من الأجساد...دوران المروحة البطيء كان يوحي لخالد بمراوح الدون كيشوت التي كانت تبدوا للرجل كما العمالقة التي تود مهاجمته بأذرعها الطويلة – إياك أن تلتفت للوراء يا هذا – زمجر مجددا صاحب البطن العظيمة منذرا أحدهم. لقد كان صدى صوته يملأ المكان ارتياعا و رهبة...على النقيض تماما كان صاحباه أكثر هدوءا و أكثر لطفا. لم يكن خالد يحفل بالمراقب و لا بصوته المتشنج لأنه مستغرق في حل طلاسم و ألغاز تلك المسألة المستلقية أمام ناظريه تنتظر منه أن يفتح أسوارها و يسبر أغوارها...الأمر الوحيد الذي كان يتبرم منه المرشحون هو هذه النوافذ الضيقة التي تنفر من ضيقها حتى العصافير. إن المروحة اليتيمة تواصل دورانها السرمدي دون كلل أو ملل...إنها الشيء المتحرك الأوحد وسط هذا المكان الصامت مثل صمت المقابر. هنا يرقد الهدوء و تعشش السكينة ما لم يكدر صفوها زئير ذاك المراقب ذو الشارب الرهيب. تنسلخ الدقائق و تتصرم اللحظات من عمر الامتحان في أناة....عدد المرشحين يتقلص في بطء. لكن خالدا لا يتعجل الأمور . انه قابع إلى طاولته و لا يكترث بتلك الساعة المعلقة هناك عند المدخل...ما كان يثير فيه شيئا من ضجر هو هذه الجدران القاتمة التي لم تتذوق طعم الطلاء منذ عقود. كل ما يتخيله المرء مسجل و مرسوم فوق هذه الحوائط العتيقة...قلب عملاق هنا يخترقه سهم غاضب .إلى جواره صليب معقوف هو شعار النازية. على الجدار المقابل خلف المراقب ذو البطن العظيمة كلمات تحث على الثورة و عدم الرضوخ للدكتاتوريين...أما فوق ذلك الحائط كتب أحدهم نصوصا من أفكار كارل ماركس متداخلة مع كلمات بذيئة يندى لها الجبين...بصر خالد كان يتقلب ساهما وسط هذا المهرجان. الفتى لم تكن له ميول سياسية قط. لا تستهويه السياسة و لا يطمئن إلى أهل السياسة...لا هو من أهل اليمين و لا من أهل اليسار و لا من أهل الوسط. كان يعلم جيدا أن السياسة هي إجادة الكذب و الالتواء و هما الصفتان التي كان ينفر منهما أشد النفور...وقف رجل تبدو عليه ملامح كبار القوم . مرتب الثياب و أنيق الطلعة. هرع إليه أحد المراقبين و همس في أذنه في أدب بالغ – سيدي المأمور الامتحان يمضي في خطه المرسوم و المرشحون في أتم الاطمئنان و الدعة- ابتسم الرجل و غادر المكان و سرعان ما صرخ الجرس ليبدد الصمت إلى الأبد معلنا نهاية الامتحان ...ظهر المأمور مجددا ليلقي بهذا الأمر على الجميع- يجب على كل المرشحين الذين أنهوا الامتحان أن يلتحقوا على الفور بزنزاناتهم-



