صدح الأذان من قمة  المنارة...دخل موعد صلاة الفجر. وحده صوت الشيخ محمود يستطيع أن ينتشل قلوب الناس من لذة النوم...صوته يسلخ الصمت من أحشاء هذا الحي الشعبي العريق. آلاف البشر يقطنون هنا في ألفة وجوار جميلين. فرحهم واحد و همهم واحد أيضا...المنازل و الدور متراصة كما الحشائش. لا يمضي يوم إلا و تنبت دار هنا و يرتفع جدار هناك...فرغ الشيخ من الأذان الوادع الشجي.إلى الأبد يطرب الأسماع و تأنس له الأنفس...هذه المنارة الفخمة ارتفعت تحت أنظار الرجل. شهد ساعة ولادتها الأولى و حضر حفر قواعدها الراسخة. لقد وضع

بيديه لبنتها الأولى...كان قبل ذلك يؤذن من على سطح المسجد لا يحفل بعضات الشتاء و لا بحر الصيف. وهب حنجرته الذهبية لذلك المسعى النبيل...في عقده الخامس لا يزال صوته يلامس شغاف القلوب كلما حان موعد الأذان...كانت حنجرته بمثابة المزامير الصادحة في كل الآفاق. في هذه اللحظة بدأت خيوط الشمس تعانق الأمكنة و الأشياء ...معها انطلقت رائحة الرغيف الطازج و رائحة القهوة تملآن الأزقة و الدروب لتتيح المجال لولادة يوم جديد من عمر هذا الحي العتيق...مد محمود أصابعه الناحلة ليلتقط حبة من الزيتون من الطبق الذي وضعته أمامه أخته أمينة. التهم لقيمات في نهم بالغ ثم استأذن في الصعود إلى السطح...كان ذلك دأبه إذا أراد أن يخلو إلى كأس من الشاي. على السطح الهواء صاف و رائق...هدوء الصباح لا زال مخيما هنا. افترش صاحبنا السطح و التفت حوله في حذر. أخرج علبة – المارلبورو- اقتلع سيجارة و راح يدخن في شرود...لا أحد في العالم يعلم أن الرجل في زمرة المدخنين. الحق أن محمود كان يحتاط كي لا يطلع أحد على صنيعه. و الحق أيضا أن الرجل لم يكن ليزيد عن سيجارة واحدة في اليوم...انه يستاء بشدة حين يشعل تلك السيجارة. لم يكن قط راضيا عن نفسه و هو يقارف  هذه الخطيئة – السبب كله يعود إلى هناء سامحها الله – تمتم في هدوء و قد انقبضت عضلات وجهه من التأثر...منذ سنوات موغلة في الطول و قع صاحبنا في غرام تلك المرأة. تواعدا سرا على الزواج ...لكن صاحبته خذلته و استسلمت لسطوة المال و آثرت عليه شيخا من التجار و رحلا إلى بلاد بعيدة. حينها صعق محمود لتلك الطعنة التي أصابته في الظهر...لم يجد ملاذا إلا السجائر يطفئ بها لوعة فراق الأحبة. لقد حذف من قاموسه كلمة –أنثى- أصبحت في نظره رمزا للكيد و الخذلان . الأنثى الوحيدة التي كان يبرها و يؤثرها على نفسه هي شقيقته أمينة...و سرعان ما انقطع للمسجد و الأذان يهبهما كل جهده و تفكيره و لكنه فشل الفشل الذريع في طلاق تلك السجائر البغيضة...فرغ صاحبنا من سيجارته بعد لأي. قام من جلسته. ..لكن؟؟؟ -أووووووووووووووووووووووووه- شده هناك منظر من السطح المجاور. هتف دون شعور منه – يا للروعة- لكنه سرعان ما زجر نفسه و غض الطرف...لكن النفس تنازعه ليعاود اختلاس المشهد تلو المشهد...ساق أنثى غاية في الرشاقة و الجمال ممدة على السطح تلتهمها أشعة الشمس في شوق كبير. كانت تلك الأنثى في غفلة من أمرها و هي تغسل كومة من الثياب...لم تكن تدري أن عينا ترمقها هناك في الجوار...لكن صوتا من جوف صاحبنا يزجره قائلا – ما كان ينبغي لك أن تسترق النظر إلى تلك الساق أيها الشيخ الوقور. هذا صنيع المراهقين و الهمل- و سرعان ما يقاطعه نداء الغريزة ملحا – لست إلا بشرا و يحق لي أن أنشد سعادتي مع امرأة أسكن إليها و تسكن إلي- ...لم يشعر محمود كيف التهمت قدماه أدراج السلم نزولا و ليلقي على شقيقته هذا الخطاب – أختاه أريد أن أتزوج- صاحت المرأة فرحا إذ لم تصدق  أن شقيقها عاد ليفكر في النساء من جديد – خبر سعيد يا أخي و من هي صاحبة الحظ؟؟؟- قص صاحبنا الرواية كاملة...قالت أمينة – هم جيراننا الجدد في الشارع الآخر و ليس هناك بد من التقصي عن الفتاة-

مضى يوم و يوم  كأنهما الدهر. عند المساء و في جلسة الشاي كانت أمينة تقرأ هذا التقرير الشفهي على محمود و عيناها النجلاوان تستطلعان انفعالات شقيقها- اسمها أمل. العمر عشرون عاما...معلمة في الابتدائي منذ أسابيع فقط. والدتها تدعى هناء زوج حسان التاجر المرموق. سكنوا بجوارنا فقط منذ شهر-

لم يكد حديث أمينة  يكتمل حتى أطرق محمود إلى الأرض  و تفصد جبينه عرقا و اعتلت محياه  صفرة الأموات