رائعة القوام ، بديعة الحسن ، مكتملة الانوثة، هيئتها حكاية فتنة ، فاقت اترابها من مضيفات الطائرة غنجا ودلالا . وقفت تستقبل مسافري درجة رجال الاعمال ، ابتسامة مشرقة آسرة ، كلمات ترحيب دافئة ، نبرة صوت مغرية عابثة.

 دخل الطائرة ابرز لها بطاقة صعوده ، رحبت به واجلسته في مقعده ، كان في العقد الثالث من عمره ، مظاهر الغنى بادية عليه ، فقلم جيبه يحمل اسما وشعارا جد شهير، وهذا حال ساعته وحقيبته وكذا سترته والقميص . وهي جد خبيرة بكل زينة وملبوس . قدمت له بلطف وطلاقة وجه ضيافة درجة الاعمال وصحيفة وسألته ان

كان يطلب شيئا آخر، همهم مبتسما وبوقار ان شكرا لا حاجة لي بشيء.

اقلعت الطائرة والمضيفة الحسناء لما تزل تنظر اليه بين الفينة والاخرى، حتى كان موعد تقديم وجبة الاكل اقتربت منه وسألته عما اختار من اصناف الطعام ،اجابها ان شكرا لا اريد شيئا ، فسألته ان كان يرغب بوجبة ذات مواصفات خاصة ، فاجابها بالنفي ، فسألته ان كان يرغب في صنف من الشراب ، عندها اجابها بصوت حاد النبرة اني صائم . تبسمت له وتابعة تقديم الوجبات لباقي الركاب.

حدثتها نفسها - وقد خبرت من مهنتها الكثير من اصناف الرجال- : ( يا سعد من تزوجت بهذا الرجل ، فان ما يمتلكه مثله هو كل ما تبحث عنه المرأة في دنياها وبه تحلم ، فاسم عائلته المدون على بطاقة الصعود مشهور معروف ، ووضعه المالي تشي مظاره بغنا ويسر حال ، واختيار صحيفة انجليزية اللغة تعني انه مثقف متعلم ، وهو صائم يوم الخميس ما يعني انه من عائلة محافظة ، ما يعني انه يقدم بيته واسرته على كل ما سواها، وهو مخلص لزوجته لا يخونها لا بالنظرة ولا بأكثر من ذلك ولا اقل ، و يعني انه متسامح مع اهله محب لهم ، ويعني انه ممن يحب الخير لمن حوله ، بالتاكيد هو ينفق من ماله على المحتاجين يلتمس الاجر...، شردت في امانيها تنسج له منها صفات الخير و مآثر الفرسان ،...و تابعت ظنونها فيه: ( فمثل هذا الصنف من الرجال حملة خير لكل من حولهم يبدؤن بالاقربين ولا يزالون يعطون من انفسهم لكل من مر عليهم او مروا عليه يتصدقون ولو بالبسمة والكلمة الطيبة ، مع مثل هذا الرجل السعادة كلها ، لا تعب ولا نصب على المرأة لا في دنياها ولا في اخراها ، فهو نعم العون على صلاح ، ونعم العون على نوائب الدهر ). ومضت المضيفة تتجول في الطائرة وكلما سنحت لها الفرصة عادت تنظر اليه و ترسم له صورة تنسب اليه فيها من صفات الرجولة والمروئة ما يسعفها به خيالها.

كان الوسيم ابن الثلاثين بين الفينة والاخرى يرفع نظره من على الجريدة ويرقب ما حوله ، فتأكد له ان المضيفة ترصده بعينها ،اشاح بوجهه عنها متعجبا لجرائتها ! ... حدث نفسه : ( ما اظن هذه المضيفة الا صنيعة ابليس ورسول فتنته الي ، بها يستدرجني و بها يمتحنني . هذه والله خضراء الدمن، مظهرها اخاذ وباطنها سيء... اين اهلوها من مظهرها ومخبرها ؟ الا تخجل من نفسها ! الم يربها اهلوها على العفة وحسن الخلق ! اني محظوظ انها ليست من قريباتي ، لو كانت من قريباتي لقومتها ومنعتها ان تكون العوبة شيطان تقضي في الناس بامره ووحيه . هي ومثيلاتها حطب جهنم ، هن ...) قطع صوت هامس رقيق حبل محاكمته للمضيفة: ( سيدي تفضل حان موعد الافطار ، وارجوك ان تدعو لي ، فدعاء الصائمين الاتقياء مثلك يا سيدي مجاب ) ودفعت المضيفة الحسناء اليه بالماء ليفطر والطعام ليأكل.

تلعثم التقي ابن الثلاثين واطرق خجلا من سوء ظنه بها ، وحسن ظنها به .