لم يعد يهتم بالحياة , على الرغم من أنهُ مازال حياً !
وزنهُ مازال في تصاعد ، حتى أنهُ قد تجاوز المائة وعشر كيلو غرام ، حركته قليلة جداً وتكاد تكون معدومة ، شراهته للتدخين ازدادت حتى وصل عدد السجائر التي يدخنها يومياً حوالي ستين سيجارة ، إذ قبل أن تنطفئ السيجارة التي بين أصابعه ، حتى يشعل السيجارة الجديدة ، سعالهُ أصبحَ حاداً جداً وقوياً ، كسعال كلب عجوز خارج للتو من بركة ماء متجمدة في شتاء قارص ، بينما شهيتهُ للأكل أصبحت مفرطة في كثير من الأحيان ، وشحيحة في أحيان أخرى ( خاصة عندما ينسى نفسه وهو أمام مكائن لعب القمار
الأوتوماتيكية ) ! .
لم يعد عماد كما أعتاد دائماً أن يحضر قداس يوم الأحد في الكنيسة التي لا تبعد عن داره سوى ثلاثمائة متر فقط ، على عكس زوجته ليلى التي واصلت وبكل مثابرة ورغبة على زيارة الكنيسة ، بينما انقطاع زوجها من الحضور لقداس يوم الأحد آذاها جداً وجعلها تدعوا الرب باستمرار على أن يجعل من روح زوجها أكثر رغبة وحباً للرب ، حيث اعتادت في الأونة الأخيرة أن تردد في سرها المقولة ذاتها :
( إن لم يستطع الإنسان أن يحب الرب ، فليخافه إذن ) !.
لا يعلم ولا يستطيع تحديد الأسباب التي أدت به إلى كل تلك التغيرات الطارئة والمفاجئة والتي لازمت حياته التي يعيشها غريباً ، بعيداً عن وطنه في أوروبا ، حتى أنهُ تعود الذهاب في الأيام الأخيرة وبإصرار لا يعرفهُ سوى من يريد الموت في وطنه من بعد غربة ! ، إلى حانة لا يسكنها سوى أشباح الليل والذين لا يفقهون من الحياة سوى ظلها ( الإدمان ، وأسوء أنواعه هي المخدرات ولعب القمار ) ، إذ كان ينسى نفسه عندما يستمر في اللعب ، وكل خسارة كانت من سوء حظه تضيف لهُ أمل جديد وكبير وبوعده بفوزٍ قادم ( وهذا هو سر تلك اللعبة اللعينة ، أو في الحقيقة هي أساس وسر كل إدمان ، إذ تراه يوعد الإنسان بالمتعة المنتظرة أو بلحظة الفوز أو بالتتويج ملكاً من بعد عبودية ) ، وهذا ما حصل بالذات مع عماد في غربه أقعدته من بعد وقوف ، وأعجزته عن الإبداع من بعد رحلة فن غادرها دون رجعة ، وإنجازات وتفوق دراسي وعلمي ، كلها أصبحت مجرد شهادات معلقة على جدران غرفة الضيوف في داره ، كطيور محنطة ، فارقتها الحياة منذ زمن بعيد ، صماء ، لا تعبر إلا على الصمت والسكون والحياد المطلق .
عندما كان عماد يعود لداره من بعد متاهاتهِ الليلية تلك ، يكون محطم نفسياً ومتعب ٌ جداً ورئتاه بالكاد تنطق بالشهيق والزفير !.
بينما منامهُ المتقطع أصبحَ من أكثر الأمور تعقيداً في حياته وحياة زوجته ، فالصراخ الليلي المرعب باتَ عادة وليس مرض ! ، والكوابيس التي يحلم بها باتت جحيمٌ لا يطاق وكأنهُ يود الموت في كل حلم يراه ! ، وشخيرهُ العالي والمستمر والمزعج وكأنهُ صفارة قطار مازال محركهُ يعمل على موقدٍ من فحم ، وبسبب سعاله الذي ما أن يتوقف ليرد أنفاسه حتى يبدأ من جديد .
أهمل عماد كل شيء ، حتى في اختيار ملبسه ، فبدأ يلبس ما تراه عينه فقط ! ، وشعر رأسه أصبح ينمو كما يشاء وأكثر تجعداً من ذو قبل، أما حلاقة ذقنه فباتت من الأمور التي يتركها للزمن وهو الكفيل بحلها ، وكأنهُ يقول لابد لليل أن ينجلي ولابد من النهار أن يصبح !.
أولادهِ الأربعة لم يعد يسال عنهم كما تعود سابقاً ، وصغيرته الجميلة الدلوعة لم يعد يعتني بها هي الأخرى ، حتى أنه تجاهل كلام زوجته مرةً عندما حاولت أن تقول لهُ بأن أبنتهما سالي لها علاقة بشاب ألماني ، وقد باتت سالي تقضي معظم وقتها معه ، حتى تعودت في الأيام الأخير أن تبقى بصحبته لأوقات متأخرة من الليل ، وبدأت ليلى تنتحب وبصوت يرتجف تقول له بأن سالي قد قررت الزواج منه ، وأنت وكأنك لست هنا ؟!.
نظر عماد إلى زوجته نظرة معبرة ، متأملة وكأنهُ يود رسمها ، وطال النظر إليها بسكون عميق وبصمت يكاد يكون صمت قاع بئرٍ عميق ، ثم رد عليها قائلاً : وما الضرر في ذلك ؟! ، هي حرة فيما تفعلهُ ، ألم أتزوجكِ بمحض إرادتي ؟! ، فلماذا تطلبين من سالي أن تفعل العكس وهو الصحيح ؟!.
لم تتوقع ليلى ردود فعل زوجها بأن تكون هكذا ، فقالت لهُ : لم أعد أفهمك يا عماد .
رد عليها عماد بذات الصمت القاتل وهو يهمس في قلبه : أنا كذلك لم أعد أفهم نفسي ، فأجد نفسي في أحيان كثيرة وكأني وترٌ سابع في كيتاره !.
بينما أخذت ليلى على عاتقها دور الأم والأب في البيت ، نظراً للفراغ الذي خلفهُ زوجها من جراء تلك التصرفات الغريبة ، وفي سرها كانت دائماً تقول: ( ما يضمره قلبي من حب له ، يجعلني أعاني وأتحمل في نفس الوقت ، على أمل أن يصلح من حاله في القريب العاجل أو تحت ظروف قد تكون خارج نطاق تصرفي ووعيهُ ) ... آمين .
في حين كانت ليلى تذهب للتسوق ، تأخذ معها تلك العربة اليدوية ذات العجلتين ، وبصعوبة بالغة تجرها وهي عائدة إلى البيت من بعد رحلة تسوق ، بينما إذا أزداد تساقط الثلج ، يكون عليها الأمر أكثر سوءاً وقسوة .
لم يعد ضغط الدم عندها كما كان منتظماً ، وبدأت نسبة السكر في الدم تزداد وتنخفض ، مما سببت لها تلك التغيرات الصحية الطارئة أرقاً وجهداً أضافياً عليها تحملهُ ، لذلك لم تعد ليلى تلك الوادعة الهادئة الرقيقة المسالمة ، فقد غادرها ذلك الميل للدعة والسكون ، وباتت مرهقة وعصبية المزاج وقلقة لا يهدأ لها بال وكأنها أصبحت تعيش بأعصاب صياد ينتظر فريسته !.
وفي إحدى الأيام الممطرة من صباح مدينة برلين الألمانية المزدحمة بالسكان والبضائع والسيارات والمارة المتجولون وعلى ناصية الشارع المطل على بناية بلدية برلين كانَ متجر عماد بلون خشبةُ الأسود والزجاج المائل إلى الاصفرار من جراء الأتربة المتراكمة عليها ، يبيع فيه التحف القديمة وبكل أشكالها وأنواعها والمصنوعة من الفضة الخالصة ، المهنة التي توارثها عن أبيه الذي كان يملك أحد أفضل محلات التحف الفضية في شارع النهر آنذاك ، الشارع الأكثر شهرة في بغداد .
جاءَ عماد في ذلك الصباح الممطر والبارد وجسمه يزحف خلف ساقاه من جراء إرهاق الأمس وتعبه ، ففتح متجره بقوه متراخية ، وكأنهُ يحاول فتح خزانة بنك بعد أن سطا عليه وبإحساس منطفئ وكأن الحياة قد تخلت عنه للتو وللحظه !.
جلسَ عماد على كرسيه الجلدي الكبير والوحيد في المتجر وراء طاولة شبة مستديرة يخدم الزبائن من خلفها وسيجارته في فمه يرفض التخلي عنها ، وكأنه منها يتنفس ، بضاعتهُ يعلوها الغبار والصدأ وكأنها فعلاً قد صنعت قبلَ عصور التأريخ !.
لم يكن يفكر بشيء سوى النظر إلى الساعة القديمة والمعلقة على الحائط الجانبي منهُ ، وكأنه يستعجل الوقت كي يذهب في استراحة الغداء إلى تلك الحانة التي لم يعد يزورها ليلاً فقط ، بل نهاراً أيضاً ، وعندما كانَ ينسى نفسه هناك ، يتأخر حتى بفتح متجرهِ وحسب لائحة الأوقات المعلقة على واجهة المتجر ، حتى باتَ حراً ، يفتح ويغلق متجره كما يشاء أو كما تتطلب الرغبة والميول والإرادة والحاجة لذلك !.
أثناء جلوسه المنيع ، والغوص في أحلامه المترامية الأطراف ، وهو يكاد يكون غارقاً في سبات أبدي ، رنَ جرس الهاتف ، لكنَ عماد تململ ، وقال هذا ليسَ وقته ! .
جرس الهاتف يرنُ مصراً .
نظرَ عماد إلى الهاتف المقابل لهُ والذي لا يبعد عن يده سوى ثلاثينَ سنتيمتراً فقط بريبة وكأنهُ ينظر إلى قنبلة موقوتة لا يريد لمسها أو أن يقترب منها ، ولكن إصرار جرس الهاتف على الإزعاج جعلهُ في نهاية المطاف يذعن له عنوةً ، عندها رفعَ عماد السماعة دونَ أن ينهض ليرد : من هناك ( بجفاء ) ؟
المتصل : صباح الخير يا سيدي ، أنا سيد موللر ، ولدي عندك ساعة فضية لتنظيفها ، هل انتهيت من عملك ، ومتى يمكن لي أن أستردها ؟
عماد : نعم ، أنا أنهيت عملي ، ويمكن لك أن تأتي حالاً كي تستردها .
موللر : شكراً لكَ يا سيدي ، وسأكون بعد عشر دقائق تقريباً عندك ، إلى اللقاء .
تنفس عماد الصعداء وقالَ في سره : لقد ضمنتُ أيراد اللعبة لنهار اليوم ، وهذا سيجلب لي السعد بالتأكيد !.
فتح باب المتجر ، ليدخل ثلاثة شباب يتكلمون اللغة الألمانية باعوجاج واضح ، وتدل هيئتهم على أنهم من دول أوروبا الشرقية ، وعلى أقرب الاحتمالات من رومانيا ، أثنين منهم توجهوا إلى عماد ليكونا متقابلين ولا يفصل بينهما سوى الطاولة الشبة مستديرة ، أحدهم كانَ أحولاً وأقراص عينيه متنافرتين عن بعض ، وكأنهما قرصين مغناطيسيين أقطابهما متشابهة ! . وهذا المنظر جعلَ عماد يضحك دونَ إرادة منهُ ، وحاولَ أن يمسك نفسه ، لكن دونَ جدوى ، مما أثارَ كبرياء وحفيظة الزبون فسألهُ بامتعاض :
عن ماذا تضحك ؟
أجابهُ عماد خجلاً ، مرتبكاً ( متلافياً النظر أليه ) : أنا آسف ، الموضوع لا يخصك تماماً ، ولكنني تذكرتُ شيئاً قد حصلَ لي وأنا متوجه لمتجري ، جعلني أضحك منهُ ، ومعَ ذلك أعتذر مجدداً منكم .
بينما بقي الشخص الثالث وهو أكثرهم صحة وقوة وشباب مواجهاً لهم ومعطياً ظهرهُ للباب ، وبذلك فهو لم يكن يسمح بعد حتى من دخول الضوء إلى المتجر ، لقد كانت ثيابهم مازالت مبتلة وتمطر قطرات من الماء داخل المتجر ، وبينما كانَ المتجر من الصغر بحيث لا يمكن أن يستوعب أكثر من ذلك العدد ، بالإضافة إلى الدخان المتصاعد من سجائر عماد المتواصلة ورائحة الملابس المبتلة ، أصبحَ جو المتجر خانقٌ جداً مما جعلَ التنفس أمنية لا يمكن بلوغها ، وبات الجميع وكأنهم مصابون بالربو !.
سألَ أحدهم عماد : ناولني هذه التحفة التي وراءك من فضلك .
نهضَ عماد متثاقلاً وبكسلٌ شديد ، وكأنهُ نهضَ من النوم تواً ، خذ هذه هي ، سألهُ الآخر من فضلك ناولني تلك التي في نهاية الرف ، عماد : تلك ؟
الزبون : نعم تلك .
يجلبها لهُ عماد بهمة أفضل قليلاً من السابق ، عندها سألهُ أحدهم : هل تستطيع أن تعمل لنا تخفيضٌ جيد ، فنحنُ مستعدون لشراء القطعتين معاً ؟
لم يصدق عماد ما سمع ! .
فهو بانتظار رزق من زبون سيأتي حالاً ليسترد ساعته ، وهذان يريدان قطعتين من التحف في آنٍ واحد !! . وبعد برهة من الزمن رد عماد عليه فقال :
نعم يمكن لي أن أعمل لكم تخفيضاً جيداً .... وقبلَ أن يكمل جملته تلقى من أحدهم وهو المواجه لهُ تماماً ضربة على وجه بمقبض من حديد ، عندها لم يشعر عماد بشيء .... وسقطَ على الأرض سابحاً بدمائهِ الغزيرة .
عندها بدأت السرقة الخاطفة والسريعة وكأنهم في ميدان حرب وجاءهم الأمر بالتقدم ! ، أحدهم أحكمَ باب المتجر فقفلهُ بالمفاتيح التي كانت على الطاولة ، والآخر كانَ منشغلاً بضرب عماد وهو مستلقي على الأرض ويقول لهُ بصوت جهوري غير متردد وغير خائف : أنك ستموت وأنا منْ يقرر ذلك ، وكأنهُ فرعون عندما قالَ لشعبه أنا ألهكم الأعلى وأنا منْ يقرر شؤونكم ! ، بينما كانَ الشخص الثالث هو من يسرق التحف ويضعها في كيس أعُد لهذا الغرض ...... .
في هذه الأثناء حضرَ سيد موللر ليأخذ ساعته ، لكنهُ تفاجأ من أن المتجر كانَ مغلقاً من الداخل ، على الرغم من وجود شخص يقف حائلاً بينه وبين داخل المتجر ، عندها طرقَ على زجاج الباب ليلفت انتباه الشخص الواقف خلف الباب وكأنهُ تمثالٌ كبير وضخم من الحجر . ألتفتَ عليه السارق وهو يؤشر لهُ ويقول : المتجر مغلق.
لكنَ سيد موللر ردَ عليه وبصوت عالي من الخارج وأشار بيده على أنهُ أتصل بصاحب المتجر قبلَ قليل وهو الذي قالَ : يمكن لي الحضور ، وها أنا هنا ( تماماً ككل ألماني حينَ يفكر ، فهو لا يعرفُ إلا ما هو أمامه ويصدق كل شيء ) !.
عندها فقط ، شعروا السارقون بالحرج والخوف من جراء الموقف الحالي المتأزم ، رجلٌ غارقٌ في دمه ، وأخر خارج المتجر ينتظر على الباب ، وهم يسرقون بلا تردد ولا ترمشُ لهم عين كما يقول العرب !.
عندها فتحوا باب المتجر ليهربوا بسرعة ، تكاد تفوق سرعة هروب الأرانب عندما يشعرون بالخوف أو أكثر مهارة من اختفاء السناجب وفي فمهم جوز !.
لم يكن رد فعل سيد موللر سريعاً ، فالمفاجئة أربكتهُ إلى حد السهو ، ولكن ما أن وعى على نفسه ، حتى تذكر صاحب المتجر وما آل له وضعه ، عندها فقط ومن هاتفه المحمول أتصلَ بالشرطة وهو شديد الارتباك ، وفي هذه الأثناء خرجَ عماد زاحفاً إلى ناصية الشارع وهو غارقُ في دماءه ويصيحُ بصوت موجع ومتقطع .... النجدة .... المساعدة .... .
هرعَ سيد موللر إلى المطعم الذي بجوار متجر عماد يجلبُ منهم ماءاً كي يغسل وجه عماد من الدماء التي بدأت تنفر من وجهه بغزارة ، وقد كانَ تصرف سيد موللر هذا ( ومن دونَ أن يعلم ) بأنه هو الذي أنقذَ عماد من الموت المحقق ، بعد أن صعبَ عليه التنفس وبدأت حالة الاختناق واضحة من جراء دخول الدماء قصباته الهوائية .
بعدَ أقل من ثلاث دقائق كانت سيارة الإسعاف هناك والفريق الطبي المرافق بدأ عمله كي يسعف ويضمد جراحة وعلى السرعة حملوه إلى داخل السيارة متوجهين إلى المستشفى ، معَ وجود ضابط من الشرطة يستجوبه بكل هدوء وراحة بال ، وكأنهُ يتناول غداءه ، وليسَ في حالة استجواب شخص مشرف على الموت ! ، أرجو منك يا سيد أن تخبرني عن أوصاف السارقين كي نستطيع القبض عليهم قبلَ أن يكونوا في مكان يصعبُ علينا اللحاق بهم ؟ .
عماد ( وهو يئن ) : لقد كانوا ثلاثة ، ولغتهم الألمانية ليست جيدة ، وأحدهم كانَ أحول ، وتذكرَ ضحكهُ قبلَ قليل ، ولكنهُ الآن في حالة لا تسمح لهُ بأن يفعل أي شيء !.
الضابط : سيكونون بعد قليل في قبضتنا لا تقلق ، ولكن هل لي أن أحصل على رقم هاتف زوجتك كي نبلغها بما حصل ؟
عماد : نعم بالتأكيد ، فأنا بحاجة ماسة لها ، أرجوك أبلغها وقل لها بأني سأموت ، وعليها أن تحضر إلى المستشفى حالاً !.
أتصل الضابط المرافق لهُ بزملائه لملاحقة الجناة ، وأتصلَ كذلك بزوجته .
مكثَ عماد في غرفة العمليات ثماني ساعات متواصلة ، مما أتلفَ أعصاب عائلته التي كانت تنتظر خارج غرفة العمليات ، لقد كانوا كالطافين على سطح البحر من جراء تحطم سفينتهم ، وهم بانتظار من ينجدهم !.
خرجَ عماد من غرفة العمليات ووجهه مغطى بضمادات كثيرة لا يرى من وجه سوى عينٌ واحدة مازالت ساكنة وداكنة وكأنها مستنقعٌ راكد ! ، ولكن وبعدَ ثلاث ساعات كانَ قد أستعادَ جزء من قوته ، فحكى لهم ما حصل معَ المبالغة وتضخيم تفاصيل المعركة التي دارت بينه وبينهم ! ، ولكنهُ كانَ مرهق جداً ، فلم يستطيع أن يستمر في الحديث ، سوى أنهُ وعد أسرته الواقفة أمامه بأنه سيترك كل ما لهُ تأثير سيء على حياته وحياتهم ، وأن يترك التدخين ، وأن يعتني بنفسه وبأسرته كما كانَ في السابق ، وبأن لا يعود ثانيتاً لتلك الحانة اللعينة ، وأن يقلل من وزنه المتزايد ، بعد أن رأى الموت في أكثر لحظات حياته صعوبة وألم ، وها هو الآن يعيش ويبعث من جديد من بعد موت محقق .
لم تصدق زوجته ما سمعت ، فهي مازالت مبهورة وغير واعية لما حدث ولما يحدث ، ولكنها قالت وبشكل حازم : أتمنى ذلك من كل قلبي ، فنحنُ بحاجة لك أكثر من ذي قبل ، أرجوك أن تستعيد صحتك بسرعة ، وأن ترجع لنا كما كنت وكما عرفتك ، مرحاً ، صبوراً ، ومتسامحاً كي تعيش حياتك بإيجابية مفعمة بالتفاؤل والعطاء ، ليسَ فقط من أجلك ، بل من أجلنا نحن ، فصلّت ودعت ربها وبكت عندها بكاءً مراً ، لا يبكيه سوى البحر في الشتاء لوحدته وقنوطه !.
أول خبر تلقاه عماد من الشرطة هو أنهم قد قبضوا على أثنين من الأشخاص الذين سرقوه وحاولوا قتله ، وأنَ ما سرق كانَ بحوزة هؤلاء المقبوض عليهم ، تلك الأخبار جعلت من معنويات عماد أكثر قوة وتصميم للحياة من جديد .
بعدَ ثلاثة أسابيع من مكوثه في المستشفى خرجَ عماد معافى ، وقد أستعادَ قوته وأنخفضَ وزنه حتى أصبح خمسة وثمانون كيلو غرام ، وقد كانَ سعيداً جداً بتلك النتائج الإيجابية التي لم يكن يتوقع حدوثها بمثل هذه السرعة ، كما أن زوجته قامت بتنظيف المتجر وأعادت دهانه أثناء وجود زوجها في المستشفى ، وهيئتهُ بشكلٍ جيد لاستقبال مالكه الشرعي عندما يستعيد قواه ، كل تلك الأمور قامت بها ليلى دون أن تقول لزوجها ، لكي تعطيه دفعة جديدة من الأمل ، وكأنها تقول وهي صامتة : لا تركض ولا تسرع فكلنا سنصل إلى نفس الهدف وذات النتيجة !.
لم يستمر عماد بالطرق المثلى للعلاج ، وما أن أستعاد قوته البدنية قليلاً ، حتى بدأ يسرق النظر لزوجته فيغافلها كي يبدأ بتدخين سيجارة هنا وأخرى هناك ! ، ثمَ بدأ فطوره يتضاعف ، وغداءه يزداد تدريجياً وكانت حججه بأنه يحتاج لذلك كي يعوض ما فقده ولكي يستعيد قواه الضائعة !.
وبدأ وزنه يزداد تدريجياً دونَ أن يشعر ، وفي إحدى الأمسيات ، أستّغلَ انشغال زوجته في تحضير طعام العشاء لأسرتها ، لينسل كاللص من البيت متوجهاً لحانته القديمة العريقة ، فالحنين لتلك الحانة كانَ أكبر من كل وعوده التي تهاوت أمام أولى لحظات ضعفه وكأنهُ حنين الطفل المفطوم تواً لثدي أمه !.
نسي عماد كل العهود التي قطعها أمام أسرته عندما كان في فراش الموت ، وهكذا عادَ عماد إلى حالة الضياع مرة أخرى ليعيش حالة العفن المتأصل حتى نخاع العظم.
هيثم نافل والي
ألمانيا / ميونخ 2010



