كان صدره يغلي ، كانه قدر ماء يجتر حصاه ، انتصب فوق نار متأججة راحت تاكل حطبها بكل شراهة .. ادخنة كثيفة و حارة من القهر تتصاعد في حناياه ، فتحجب عنه كل الافكار و الاحاسيس الجميلة ..
.. كان مغلولا لدرجة الاحتراق ، بدا و كانه تمثالا من الشمع يذوب ببطيء شديد في حلكة ليل طويل تاخر فيه طلوع الفجر .. خمسة من البنات و امهم يفترشون ظهر الشاحنة المهتريء ، بدوا جميعهم كغيمة ملبدة ضلت طريقها و قد اثقلتها امطار الحزن ، و امضها القلق .. باتت غير قادرة على وضع حملها ..!
.. و بالرغم من صغر اعمارالبنات ، الا ان امهم غطت رؤوسهم بمناديل داكنة و سميكة و البستهم فساتين طويلة الذيل و من تحتها بناطيل مشدودة على خصورهم النحيلة ، و حمّلت كل واحدة منهن بقجة من ملابس و بعضا من حاجيات زهيدة الثمن .. بدت وجوههن شاحبة و عيونهن السود تشع وميضا يطل على المجهول و قد احتملت غيظا و قهرا عظيما .. سربا من الاسئلة الضبابية تجول فضاء رؤوسهم .. و بدأت امطار الدهشة و الذهول بالتساقط من ملامحهم كانها قطرات دمع كسيرة اختبِأت منذ زمن خلف قشرة ذاك الحزن الموقوت في النفوس ..
.. كانت الام تلتقط دموعها المنفطرة بمنديلها من حين لاخر .. هن خمسة من الاناث جاؤوا تباعا تحت وقع القنابل و الرصاص الطائش و الدخان ، و البطن يتكور املا عن مولود سادس يكون ذكرا ! لم يعد يهمها ان بقي او سقط .. ! حتى لو كان ذكرا !؟
.. لم تعد تخشى شيئا .. و هل الغريق يخشى من البلل ..!!
لقد صدر قرار الابعاد و انتهى ، و لا شيء يجدي غير الرحيل او الهروب من نزق هذا الدلف الذي ما فتأ يعزف سيمفونية العذاب الناشزة صباح مساء ..
.. تحركت الشاحنة بعيد الفجر .. و عند الظهيرة سوف تشتد حرارة تموز .. قامت الام فشدت اركان البطانية الاربع و عقدتها على زوايا الصندوق الخشبي للشاحنة و عملت سقفا واطئا . . و لكن اشعة الشمس الحارة سرعان ما اخذت تتسلل من ثقوب البطانية على الوجوه البائسة .. سال عرقا غزيرا .. بدت الشاحنة العجوز كانها مركبا في عرض البحر ، يتأرجح فوق امواجه العاتية .. تعلو و تهبط بهم .. يدوس السائق على الفرامل فينخض الجميع و تتدحرج الكتل البشرية الضعيفة الى المؤخرة في خوف ..
.. لم تكن المسافة المقصودة الى ارض الشتات بعيدة .. بضع كيلومترات ، و لكن التعب استبد بالبنات الخمس .. اصيبوا بدوار و غثيان شديدين .. تسارع الام من حين لاخر بلثم افواههن بكيسا من النايلون يتقيئن فيه .. انه دوار القهر من وعثاء الظلم .. يرتجفن و يحتمين بامهن حين يمرون من امام الجنود المتمترسون و المدججون بالسلاح .. يلبسون على رؤوسهم خوذات حديدية كالقدور المتسخة .. يلوحون لهم باكف الشماتة ، و على وجوههم ابتسامة صاخبة ، وقحة ، يتبعها قهقهات ماجنة .. بدوا و كأنهم ثعالب دخيلة تسرح في كروم العنب بعدما غيّب عنها النواطير ..!!
.. لم تضع الام لقمة في فمها و لم تتجرع كوبا من ماء ، كانت تدخر ارغفة الخبز كي تجود بها على بناتها الجائعات .. تقسم الرغيف نصفين و ترشه بالزعتر و تدفع به اليهن .. و حين تتعتثر اللقمة الجافة في الحلوق تسرع اليهن بقنينة الماء و تضرب على ظهورهن كي تنزلق ..!!
.. غصت اللقمة في حلق الطفلة الصغيرة فارتدّت انفاسها و ازّرق وجهها و غارت عيناها البريئتين .. يدا تدق على الظهر و الاخرى تدفع بقنينة الماء الى حلقها .. لحظات سريعة حتى غربت الصغيرة عيناها و لوت عنقها و فارقت الحياة .. انبجست الدموع من العيون مهراقة و تحلقت الاخوات حولها ينادين عليها و يمسدن على شعرها الاسود الجميل و يمسحن على
وجهها البريء ..!
.. اخذها ابوها في حضنه .. قبّل جبينها .. سالت دموعه بصمت حتى قطرت من ذقنه .. لفها بخرقة من قماش .. صلى عليها ثم وارها التراب عند شجرة الكينا السامقة تودعها زقزقة العصافير المحتشدة في ثنايا الاغصان .. اة كم كان وجهها جميلا ! مستديرا و مشرقا كالقمر و قد فتر عن ابتسامة دافئة ذابت حسرة في حنايا القلب الجريح ..!!
.. بدت الرحلة طويلة و قاسية و كأن الزمن توقف و المسافات اعرضت عن الطي ..
* * *
.. وصلوا مخيم اللجوء عند غروب الشمس .. الصغار يتقافزن كالقطط خلف امهم ، و يتسحلن من مؤخرة الشاحنة تباعا .. تتلقفهن يدا الاب الحانيتين .. حطّوا رحالهم على ارض جرداء ، تشققت جراء العطش .. تتوزع عليها بقايا اشواك جافة تزحف اليها السحالي و العقارب و الفئران و حشرات غريبة لم يعرف لها اسما .. هنا خيام كثيرة انتصبت بالوانها الخاكية على مساحة و اسعة من الارض البور ، و قد شدت عنوة الى اوتادها .. خيام تعج بكتل كثيرة من البشر اللذين سبقوهم الى العذاب .. الوجوه كالحة ، تعلوها صفرة ، و رجال هرموا قبل الاوان .. ينفثون دخان سجائرهم بشراهة .. كثيرون اولئك الذين بدت ظهورهم محنية .. بعضهم يمشي على عكازة او اثنتين ، جفونهم منتفخة و ذقونهم غزيرة و خشنة و شعورهم مشيبة .. !! وميض حزن دفين يشع من العيون المنكسرة النظرة .. النسوة يحتشمن باثواب مطرزة و طرحات بيض ، يحملن على اكتافهن و رؤوسهن صفائج الماء المترجرج و مع كل خطوة يتراشق الماء حتى يسقي اطراف طرحاتهن الشفيفة ..
.. اطفال يتصارعون .. يتصايحون.. بدت على وجوههم ملامح البؤس .. يتراكضون خلف كرة قماشية ثقيلة ..
.. تسمر الجميع في اماكنهم ، و قد بدأت غيوم الحلم الكثيفة تنقشع رويدا رويدا ، و خيوط الامل تتقطع على اسنة الحقيقة المرة .. الصارخة ..
.. اخذت الهواجس و الظنون تزحف الى عقل الرجل و سرح به الخاطر بعيدا حين كان يلهو و اطفاله على رمال شاطيء غزة الجميل يرفعهم على اكتافه و يعبر بهم البحر .. يصنعون تماثيلهم الرملية و يدفنون اجسامهم الفتية في حفائر الرمل الذهبي .. يتسابقون .. يختبئون خلف المراكب ِ.. يجمعون الزلف الملون و الحلزون .. ينحتون الطحالب عن الصخور .. يراقبون الاسماك الصغيرة وهي تتراقص تحت الماء .. ثم يتحلقون حول قصعتهم ، و صليل الملاعق يعلو و هي تمتد الى حواف السدر و قد قلبت عليه طنجرة " الصيادية " او " القدرة " ..
.. و لم تزل خيوط الحلم تشده عنوة و تسرقه الذاكرة بعيدا الى هناك .. تزحمه الخواطر .. تذكر ليلة مراقبة هلال رمضان ، و انطلاق مدافع الافطار .. و ليلة ثبوت العيد .. تعليق الفوانيس على ابواب الحوانيت .. سهرات السمر ، و تسلل الرجال الى المقاهي يلعبون الورق و يطربون لسماع " ام كلثوم " وهي تشدو " الليلة عيد ع الدنيا سعيد .. " ياليلة العيد انيستينا .. و جددتي الامل فينا .. "
.. و عند ابواب الافران تصطف سدورة الكعك الشهي و المعمول المشنن مخبوزة كجناح الدبور و قد تضوعت منها رائحة المستكة و المحلب ..
.. يغتسل الرجال قبيل الفجر ! ثم يتوافدون الى المساجد فرحين بفطرهم .. يتبادلون التهاني و يتعانقون في حرارة و مودة و من فوقهم تكبيرات العيد تشق اسماعهم في خشوع مهيب .. و النسوة عاكفات في البيوت ينتفن ذكور البط و الدجاج البلدي ، و يحضرّن القهوة و اطباق الحلوى.. تذكر الاطفال و هم يلبسون اثوابهم المشجرة و ينتعلون احذيتهم الجديدة .. يصعدون الاراجيح بفرح و سرور ..
.. خواطر و ذكريات غريبة راحت تعصف به .. كانه الحنين الى الوطن... اة ، كم هي قاسية و مذلة هذه الغربة ولو كان طعامها سمنا و عسلا !! - قالها في نفسه المحزونة - قبل ان يشق
سمعه صوت زوجه :
- الحقني .. انه الم المخاض ..!؟
ارتبك .. اخذ يدور حول نفسه ، و الصغار يتحلقن حول امهم يربتون على كتفها و يمسحون عن خدها دمعات الشقاء .. اشتدت عليها اعراض الوضع و تفصد جبينها عرقا و شدت بين اسنانها بقطعة قماش تكتم بها المها المبرح حتى انكسر سنها .. !!
.. تدافعت اليها النسوة و زعقن بالرجل بصوت واحد :
- اذهب الى اطراف المخيم .. هناك " داية " ينادونها الحاجة ام صبري ..
- اسأل عنها .. الجميع يعرفها .. هيا .. اسرع !!!
.. بدا مترددا و هو يتحسس بعضا من الدنانير في جيبه .!!
.. انطلق هائما على وجهه يغذ الخطى متعثرا في زحام غابة من الخيام كانها اشباح تترائي له من كل صوب بعدما لفها الليل باستاره الداكنة .. ازقة وعرة و معتمة ترتجف عليها اضوية خافتة لفوانيس علقت مبكرا على الاوتاد .. مواء قطط جائعة يكسر الصمت .. جرذ سمينه تتكاثر حول مجاري الصرف المكشوفة .. روائح كريهة و ساخنة تزكم الانوف و تكتم الانفاس ..
انزلقت احدى قدميه .. سقط بحفرة مغطاة بلوح من الزينكو اعدت لتجميع مياه الصرف الاسنة .. شج راسه و سالت دماءه .. زحف على ركبتيه و اخذ يهرول بساق واحده تاركا حذاءه للغرق ..
كان يلهث بشدة محاولا التقاط انفاسه المتقطعة .. كسمكة اخرجت توا من الماء !!
.. فجأة اخذ قلبه يرتجف .. توقف شعر راسه .. كانت اصوات غريبة تخرج من دورة المياه التي سيجت باربع من الواح الزينكو دقت في العراء .. كان الباب يزيق بشكل يبعث على الخوف ، و يدا تمتد اليه من حين لاخر فتطرقه ، خيل اليه كأن عفريتا يختبيء خلفه .. تسمر في مكانه .. لمح طيف امراة تخرج مسرعة و هي ملفعة بثوبها الداكن و بيدها ابريق الطهارة ..!
* * *
.. و اخيرا وجد خيمة " ام محمود " .. اخذ يزعق عليها بصوت ابح و بائس ..
فاطلت براسها .. امراة عجوز ، فارعة الطول و نحيلة .. و لكن يبدو بان الم المفاصل اثقلها فجائت تتكيء على عكازة .. شدت غطاء راسها و دفعت اليه بالحقيبة ، و انطلقا يزحفان ببطيء شديد .. كانت العكازة تسقط من يدها المرتجفة تارة و تارة اخرى يفلت حذائها و هي متشبثة بيد الرجل .. و حين وصلا كانت ام البنات في الرمق الاخير و قد اطل المولود براسه .. لحظات قصيرة و مريرة ، مضت كانها الدهر .. خرجت النسوه و قد اتشحت وجوههن بالاسى و عيونهن تغرورق بالدمع .. مبروك ! .. مبروك ! ، قلنها بصوت مختنق ..
- اجاك ولد .. و لكن !! ؟ ام البنات تعيش انت ..!
.. اصيب بنوبة هلع حين رفع ستار الخيمة فطالع بناته الاربع انكببن على امهن يبكين بصمت تملئه الحسرات ، و الدموع تغسل وجوههن البريئة .. وهن يزعقن على امهن ، تجلدهن سياط الفقد الابدي بكل قسوة و بلا رحمة او هوادة ..



