-
حسن أسرع تأخّرنا
صرخ أحمد من أسفل البناء بلهجة متذمرة
لم تمض دقائق حتّى ظهر حسن بوجه مشرق و هو يدسّ حلقة المفاتيح بفتحة بنطاله الجينز
أنا جاهز هيّا بنا
انطلق الصديقان يشقّان طريقهما نحو مسجد الحي الذي يقبع وسط الحارات الدمشقية العريقة
كيف حالك ؟
الحمد لله
لماذا تأخّرت؟
كان عليّ إنهاء بعض الواجبات المدرسية
ألا تعلم أنّ الأستاذ محمود لا يحبّ التأخير ؟
هذا اليوم الثاني لي و لم أتقلم مع الوضع بعد
اكتفى أحمد بصمت هادئ رافقه طول الطريق حتّى وصلا إلى باب الجامع
خلع كلّ منهما حذاءه على عجل
دخلا بخطوات هادئة و راحا يقطعان الردهة الطويلة المفضية إلى الحرم
كان الحرم في تلك اللحظة أشبه بخلية النحل التي لا تهدأ فقد تناثرت في أرجائه حلقات عدّة كونّتها خلايا من الطلاب المتراصة بشكل نصف دائري اتخذ الجميع خلالها جلسة القرفصاء الشهيرة و قد دفن البعض وجوههم بين أوراق المصحف بينما أخذ البعض الآخر يطالع حديث أستاذه بعينين نهمتين
وفي صدارة الصحن قرب عامود شاهق بدت عليه معالم القدم , ارتسمت حلقة فريدة تصدرها الأستاذ محمود بلحيته السوداء الطويلة و جلابيته البيضاء و مسبحته التي لا تفارق يده
السلام عليكم
هتف كلاهما بصوت رزين فور وصولهما
و عليكم السلام
ردّ عليهما الأستاذ محمود باقتضاب و تابع حديثه بعد أن أومأ لهما بالجلوس بطرف يده
كان حديثه مشوّقا و ممتعا صوبّت له العيون وباتت الآذان متأهبة لتلقف أي كلمة تصدر عنه
امتدّ الدرس لمدّة ساعة كاملة قطعها أذان العصر منطلقا من المكبّرات المثبتة على عنق المأذنة ، استأنف بعدها الأستاذ ببضع كلمات منهيا حديثه الأول ثمّ ختم قائلا :
لا أحد يذهب قبل أن يسلّم على سيدنا الشيخ و يصليّ العصر
نهض الجميع بحماس وقد تشرّبت أذهانهم قصّة الولي البطل الذي ردّ الصواريخ على الفرنسيين و هو في قبره
لكنّ حسن ظلّ متسمّرا مكانه استجابة لطلب الأستاذ برؤيته بعد الدرس ،أطرق رأسه نحو الأرض متأمّلا ألوان السجاد العجمي محاولا بذلك تناسي موجة الاستفسارات العارمة التي اجتاحت ذهنه على حين غرّة ، فلم تقنع قصّة الولي الغريبة خلايا دماغه التي لفظتها باشمئزاز فور سماعها،و ما زالت فكرة الحضرة غير مستساغة بالنسبة له ، و غيرها الكثير ، إلّا أنّ تساؤلا واحداً سيطر على ذهنه في تلك اللحظة
ماذا يريد منّي الأستاذ ؟ لماذا طلبني وحدي ؟
كيف حالك يا حسن؟
انتشل رأسه سريعا من بئر الأفكار و الأسئلة رادّا بثقّة
الحمدلله تمام
كيف دراستك ؟
جيدة
لا تخف فلن أعاقبك على تأخيرك اليوم فهناك شيء أهم أريد قوله لك
باعد بين شفتيه محاولا تبرير تأخّره
لكنّ الأستاذ سبقه مستطردا:
كلّما اشتدّ حبّنا لشخص ما ازددنا تشبّها به ، صح؟
هزّ حسن رأسه بالايجاب
و من المؤكد أنّك تحب سيدنا النبي صلى الله عليه و سلم
طبعا!! بأبي هو أمّي ( نطق بصورة لا إرادية)
ممممم
لكن ّالكلام وحده لا يكفي
ماذا تقصد ؟
صاح حسن بنبرة مستغربة باتت معها علامات الحيّرة جليّة على وجهه
تنهّد الأستاذ ، ساندا ظهره للعمود ، ردّ نظارته لأعلى أنفه ثمّ تابع بعينين صارمتين :
اسمع يا حسن ، لباسك هذا ( مشيرا إلى بنطاله و قميصه ) لا يعبّر عن مسلم حقيقي يحب سيدنا النبي
لذلك ابتداء من الغد أريد رؤيتك بالجلابية و القلنسوة كباقي رفاقك و يفضّل أن تكون بيضاء
اكتفى حسن بهزّة رأس صغيرة دون أن ينطق بحرف ، مسدلا ستار ثقيلا من الصمت حال بينهما نصف دقيقة رفعه صوت الإقامة
اصطفّ الجميع للصلاة بخطوط بيضاء مستقيمة شابتها بعض الألبسة الملونة لمن دخلوا حديثا للمسجد
و بعد انتهاء الصلاة توجّه عدّة طلاب نحو الصفّ الأول مشكلين رتلا خلف المحراب ازداد عدده بسرعة
بدا المشهدا موحدّا كأنّ الجميع اتفق عليه مسبقا
ينحني رئيس الرتل يقبّل يد الشيخ ثمّ ينسحب بهدوء فاسحا المجال لمن خلفه و هكذا دواليك
والغريب أنّ الأساتذة أدّوا الدور نفسه بإتقان يفوق الطلاب أحيانا
بل هناك مصلٍ ارتمى عند قدمي الشيخ طابعا باقة من القبل على جوربيه إلى أن تم إبعاده بالقوة
تسمّر حسن بعيدا عن الحدث بعينين محملقتين كمن يشاهد فلما فضائيا غريبا
لأولّ مرّة
تجمَدت الأفكار في ذهنه
تراجع للخلف ببطء ثمّ التفت بحذر منسحبا نحو الباب الخارجي
شقّ طريقه بين الحارات المتشابكة بخطى ثقيلة إلى أن وصل المنزل
دخل غرفته سريعا
تمدّد على الفراش ، أغمض عينيه ، كرّ فيلم الأحداث للوراء مطالعا تفاصيله
لم يستطع هذه المرّة مقاومة رياح التساؤلات العاتية التي عصفت ذهنه
قفز عن السرير متسمّرا خلف حاسوبه و أخذ يضرب مفاتيح الأحرف بنهم باحثا عن أجوبة تسدّ رمق تساؤلاته
اتحدّت عيناه مع زجاج الشاشة عدّة ساعات
انتهت بشلال من الأدلّة و البراهين أطفأت نيران حيرته
فحديث النبي صلى الله عليه و سلم
(إنّ الله تبارك و تعالى لا ينظر إلى صوركم و لا إلى أجسامكم و لكن ينظر إلى قلوبكم و إلى أعمالكم )
قد أثلج قلبه موثقا حبال الشكوك التي نسجها حدسه من قبل
وها هو معنى قوله تعالى :
( و الذين يذكرون الله قياما و قعودا و على جنوبهم )
يتجلّى بصورته الحقيقية تحت أنوار العلم
و تنقشع معها سحبا أخرى من الالتباست و المفاهيم المبهمة أمام شمس المنطق و البرهان
تنهدّ حسن بارتياح زافرا تيارا طويلا من الراحة التي سكنت صدره و راح يتمتم :
الحمدلله على نعمة التفكير
لن أبيعه لأحد ....لن أبيعه لأحد
و في اليوم التالي عزم على مناقشة أستاذه بما توصّل له
فكان يومه الأخير بالمسجد
Posted from my iPhone using Joomla Admin Mobile!
Facebook Social Comments



