أتوبيس ( 6 )
محمد إبراهيم محروس
دفع بجسده بين الكتل المتجمعة ، مرت برهة وجد بعدها مقعداً شاغراً ، ألقى بثقل جسده عليه ، و أراح جسده للوراء ..
أكثر من ثلاثين عاماً مضت و هو يركب ( أتوبيس 6 ) تذكر يوم تعيينه عليه ، كم كان فرحاً ببذلته الجديدة التي كادت أن تصبح جزءاً من تكوينه الشخصي .
سنوات كثيرة لم يظن يوماً أنه سيتمنى أن يجلس في الأتوبيس . أن يريح قدميه.لقد كان فيما سبق كتلة من النشاط ، لقد مرّ عليه التاريخ كله في هذا الأتوبيس .. فرح بالتأميم .. شارك الشعب أحلامه ، شاهد ملايين البشر و ملايين الوجوه . تذكر النكسة .. اليوم الذي فرّ به من الأتوبيس . مزق التذاكر و جعلها تتطاير في الهواء كما الأحلام التي تطايرت فجأة .. و غاب عن العمل أسبوعاً كاملاً ، و عندما عاد أجبروه على أن يورد ثمن التذاكر .. ساعده زملاؤه .. رفض التنحي .. خرج الى الشارع مثل الجميع يطالب بالعودة
بالنصر .. سُّر بحرب الاستنزاف .. رفض الاستسلام .
أطفال المدارس ، الشيوخ ، الشباب ، الرجال ، و أشباه الرجال ، بنات الليل .. الجميع مروّا عليه .. تذكر يوم أن دعته فتاة ليل إلى بيتها و رفض بشدة ، زوجته حامل و هو لا يرغب .. ذلك ذنب لا يغتفر .. النكسة ويل و بلاء .. الحرب .. موت جمال . نعم إنه أحبه ، لثاني مرة في حياته مزق التذاكر و تركها للرياح .. و هذه المرة دفع ثمنها من جيبه الخاص ..
طوال حياته أو منذ تعيينه كمحصل تذاكر أو كمساري ، كما يقال ، لم يدفع ثمن تذاكر غير هذين الدفترين اللذين مزقهما في ساعات ثورة عنيفة ..
تساءل مثل الجميع متى سنة الحسم ؟
الجنون و المظاهرات ، العابثات و أصحاب الرايات .. و تمت المعجزة ، رأى الجنود العائدين ، تمنى أن يكون له جناحان و يحملهم و يطير بهم يجوب
العالم ..
عاصر الانفتاح .. و حبة فوق و حبة تحت .. رأى مثل الجميع ما يحدث ، و لم يعلق .. رفض معاهدة السلام ، سكت لأن رأيه لا يهم ..
ساعد الراكب الهاوي للكلمات المتقاطعة على حلها . شجع تلاميذ الثانوية العامة و هم يذهبون للامتحان .. وربما أجابهم على بعض الأسئلة .. و توقع لهم ما سيأتي في الامتحان ..
أحياناً تصدق نبوءته .. حضر كل شئ و لم يحضر أي شيء . متفرج فقط كان يكيفه هذا الدور ، و يعرف جميع زملائه .. مرن الكثيرين منهم ، كان يركب أي أتوبيس يصادفه أثناء عودته للبيت .. أحاديث الناس ما زالت تدور في رأسه و تؤرقه - العيشة بقت نار – الناس لحست الأسفلت – صدام غلط – نعم غلط و لكن أهذا هو الحل – مستحيل .. من يكسب المليون – موت سعاد حسنى أم موت الشيخ ياسين - نحن نحاكم شعب و ندمره لأجل فرد لأجل شخص
مستحيل ! هذا جنون !
" اللي بيضرب في العراق بكرة يضرب في الوراق .."
لم يعرف وقتها لماذا الوراق تحديداً و لكنه ضحك من قلبه ..
" بن لادن لقمة وقفت في زور أمريكا و شوكة في ظهر الشعب العربي .. إيران ، ولا سوريا ، و لا الوراق ، ياه " .
عاد إلى واقعه عندما وجد يداً تربت على كتفه . رفع رأسه . وجد زميله القديم أمامه ، فأجفل صديقه و هو يقول له : " تذاكر يا أستاذ .. تذاكر ."
و كأنما أصبح لا حقَّ له الآن في أن يركب دون أن يدفع ثمن التذكرة . أخرج من جيبه جزءاً من مبلغ المكافأة .. دفعه إلى يد زميله ثم خطف منه صندوق التذاكر .. و راح يمزقها و يرميها من الشباك لثالث مرة في حياته ..
و الركاب من حوله في حالة ذهول ، و زميله يقف يخبط كفاً بكف غير مصدق .. بينما راح هو يقهقه ضاحكاً ..و ( أتوبيس 6 ) يتمثل أمامه كأنه
لا نهاية له .. لا نهاية له .