" عَـوَاصِــفٌ خـَــــاسِــرَة ٌ "
قصـــة قصــــيرة
أيـمـن جعـفـر ـ البحرين
*******
تصدير :
" ثمَّـــــة عواصفٌ تعصفُ بأرواحنا .. تعصفُ من وجعنا .. لكنها
خاسرة ٌ .. لا تجني سوى الخسائر ، إذ ما مِنْ شيء ٍ تفعله \ تقتلعه .
كذا يكونُ حينما تكونُ أوجاعنا أكبرَ منّـــا أو نحنُ أصغرُ منها بكثير !!"
أ.ج
********
تصهلُ : " لا .. لا .. لا ..!!"
يزورها طيفٌ ُقــدَّ من أمانيها .. تحتفي به .. ترمقُ الأشياءَ من حولها ، مذهولة ً .
تصهلُ من جديد ٍ . تجتذبها الأيدي .. يسكبُ البعضُ على مسامعها كلمات ٍ ترفضها .
تتمنى لو ُتحِــيلُــها إلى أشلاء ٍ . لو تدمِّــرُها بصواريخ ِ الغضب ِ . ما فتئتْ جاثية ً ..
ترى بعينيْــن احترقتْ فيهما السعادة ُ ، و تسمّـمتْ عصافيرُ الأماني ـ كذلك ـ فيهما .
غيرُ مصدِّقة ٍ ما ترى .
بهستيريَّــة ٍ جَـلِـيَّــة ٍ تهزُّ رأسَـها و تلفظ ُ لاءاتها مثنى ً مثنى . شالهَـا
يهوي ـ تماما ً ـ مثلما تهوي أحلامها في قيعان ِ المستحيل ِ . تجفلُ فيما اللآلئ
قوافل ٌ منتظمة ٌ تتحادرُ من وجنتيْــها .
وجعها يصرخ ُ فيها . تذهلُ عمَّـــا حولها . تسمعُ ـ دون انتباه ٍـ ما يقوله
المحيطونَ بها .
تظلُّ جاثية ً ، في الوقت ذاته الذي فيه تجثمُ الأحزانُ على صدرها .
مَـشَـــاهِـدُ اليوم ِ تعبرها . تستفهمُ في ذاتها أنْ كيفَ في اللحظة ِ
التي كانتْ تعدِّها لحظة الفرح العظيم ، تنقلبُ إلى لحظة التَـرَح العظيم ؟؟!!
كيفَ يحدثُ ذلك و هي التي ظلَّــتْ لأعوام ٍ خمسة ٍ تهدهدُ حلمها ، تترقبُ
متأجِّــجة ً تلك اللحظة التي تتمناها ؟؟
عيدها الذي خالتهُ حينما يأتي سيأتيها مكتحلا ً بشذى الفرحة ، فإذا به موؤدٌ !!
لمِنَ المُمِـضِّ ـ حقا ً ـ أنْ تغدوَ السَّــاعة ُ التي نهيِّــأ فيها أنفسنا لعيد ٍ
و بهجة ٍ باذخة ٍ ، مأتما ً و ألما ً لا يكتفي بنسْـفِ ذلكم العيدُ و حَسْـب ، بل يوغلُ
في ذلك و يحطِّــمُ أيَّـامنا و أفراحنا كلها!
هل هذا ما تشعرُ به أمُّ محمَّـد ٍ الآن ؟؟
أبكاؤها \ ذهولها \ هستيريّـتها \ لاءاتها جرَّاءَ ذلك ؟؟
ربما لا يعلمُ أولئكَ الذين يحيطونَ بها هذه الحقيقة . لا يعلمونَ أيَّ شيء ٍ يعنيه
الفقدُ الشامل ، الفجيعة ُ الكبرى التي لا يمكنُ إلاّ الوقوف عندها و الذهول من شدَّةِ وقعها .
أمُّ محمَّــد ٍ الآن جافلة ٌ .الدموعُ تنهمر . تحدِّقُ في اللاشيء .. يطغى عليها
الصمتُ المخيف . تفكِّــرُ . تتذكَّــرُ . بغتة ً تلتفتُ .. تلمحُ مَـنْ حولها ، يتهشَّــمُ
شيءٌ ما بداخلها ، و وحدها تسمعُ صوته . تخفضُ رأسها .. تنتفضُ ..
لا شعوريَّــا ً ـ مجدَّدا ً ـ تصهلُ !!
بالقربِ من بيتها ، و تحتَ شمس ٍ جهنميَّــة ٍ ، تكسرُ أنفاسُها
الحارَّة كبرياءَ الريح ِ و هي تتذكرُ . صباحَ هذا اليوم ، أحرقتْ أفلامَ
الأحزان ِ التالفة ِ ، و فقأتْ مشاعرَ الأسى . تقلَّــدت السعادة َ ، و اختالتْ بها .
ربّـما لا تكونُ أمنيتها التي حسبتها ستتحقق اليوم من تلك الأماني
العِــظام ، و التي تجهدُ أصحابها في سعيهم لتحقيقها ، لكنها أمنية ٌ عزيزة
ٌ ضنَّ بها الدهرُ عليها . ففي زمن ِ الحروب ِ يرتفعُ سعرُ الأماني و الرغبات ِ
البسيطة ِ ـ فضلا ً عن الأماني العظام ـ إلى ما لا طاقة َ لنا به ، كلما ازدادَ
سعرُ دم ِ الإنسان رخصا ً !!
كذا كانَ من أمرها ، إذ كانت تهفو إلى السَّــاعة ِ التي يلتمُّ شملُ عائلتها
فيها ، فبعدَ مقتل زوجها لم يتبقَّ لها سوى ابنيْـن ِ و ابنة ٌ واحدة ٌ يعانقها
الربيعُ الثالث عشر لها .
أما ابنها الأكبرُ فقد سافرَ مع عمّــه قبلَ مقتل أبيه ، و بقيَ هنالكَ في غربته .
فيما ابنها الآخرُ و الذي اختفى في ظروف ٍ غريبة ٍ مُريبة ٍ هاهو قد ظهرَ
أخيرا ً ، و عادَ إليها .
أمنيتها الغالية كانت في اجتماع أبنائها بعد الشتات ِ ، و هي تدركُ حاجتها
إلى ابنيْـها و هي التي ظلّت طيلة خمسة أعوام ٍ تنوء بأحمال ِ و تكاليفِ
بيتها الهَرِم ، المتخم بالنتوءات .
كم زقزقت الفرحة ُ في جوانحها ، و هي ترى ابنها محمَّــد ٌ حين فتحتْ
له الباب . كم كانت على أهبَــة التحليق في مجرَّاتِ الكوْن ِ حينما عادَ
إليها ابنها الآخر أحمد .
حينَ قالا لها بأنهما ذاهبان ِ لإحضار ِ أختيْـهما زهراء ، أزْهرَ
وجهها بهجة ً ، و بدت أنَّ سفينة َ حلمها سترسو أخيرا ً ، لتلقيَ بأعذبِ
اللحظات ِ لها . فليسَ سوى أنْ يعودوا جميعا ً ،ويعود الفرحُ مزدانا ً
بساعات ٍ حريريّـة .
هكذا نحن ، حينما نستشعرُ اقترابَ المسافة ِ الموصلة ِ إيَّــانا
إلى مدن الفرح ِ ، نستعجلُ الخطى. ربما عن حمق ٍ و ربما عن
حسن نيّــة أو سذاجة ٍ .نخالُ أنّ كلَّ شيءٍ انتهى ، و لا احتماليَّــة
ممكنة للحيلولة دون الوصول إلى ما نرومه . بغتة ً نتعثرُ أو
ربما يرمي لنا القدرُ بورقته الرابحة ف تتهاوى أبراجُ آمالنا ، ثم نغنمُ
الهواءَ و حزنا ً شرسا ً !!
هي التي ركلتِ الحزنَ خارجا ً و أوصدتْ أبوابَ قلبها ، انقضَّ
عليها الحزنُ و دمَّـرَ أسلحة آمالها كلها ، فركعتْ . أصبحتْ مثلَ
السياساتِ العربيَّــة ِ ، هزيلة ً و هشَّـــة .
*******************
تجيلُ النظرَ فيمَـنْ حولها ، تنظرُ و في عينيْـها يئنُّ السؤال ُ عن الفاعل .
مَـنْ الذي وَأدَ حلمها ؟؟!!
مَـنْ الذي افترسَ أفراحها ؟؟!!
مَـنْ الذي زوَّدَ حزنها بقوَّة ٍ جبَّــارة ٍ لمْ تقوَ عليها ؟؟!!
ليست ثمَّـة َ اجابة ٌ ، ربما لعدم جدواها . إذ ما الذي يمكن أنْ يفيدَ ذلك
و هي التي في الحالتيْـن ـ سواء أكانت القوّات المحتلّـة أم
المقاومة ـ قد خسرتْ أولادها جميعا ً !!
تصرخُ مستفهمة ً عمَّــا فعلوه ليلقوا حتفهم . أهي الضريبة
التي تفرضها الحربُ ، و التي لا تكتفي بقتلى الطرفيْـن
المتحاربيْـن ، فيطالُ الموت ُ الأبرياء لا لشيء ٍ سوى دفع تلك الضريبة ؟
كانت قبلَ الفجيعة بساعة انتظار ، قد سمعت صوتَ انفجار ٍ
مدمّـر ٍ ، فجَّــرَ فيها هلعا ً . خرجتْ .. اخترقت الصفوفَ المتراصَّــة .
تنظرُ في جثث الصرعى . لم تجد أيَّــا ً من أولادها .
و بينما هي تهمُّ بالعودة لمحتْ حقيبة زهراء المدرسيَّــة ِ . تكهربت ..
انقضَّـت نظراتها على الجثث مجدَّدا ً . وجدتهم جميعا ً صرعى .
الآن هي تطلقُ الصرخة َ اثرَ الصرخةَ ، ربما ألما ً و ربما بكاءا ً
على ما ينتظرها
في مُقــبـِــل ِ الأيَّـام ِ . إذ ما مِنْ أحد ٍ تبقى لها ليؤنسها أو ليعينها
في المستقبل . تتمنى
في سرِّها لو يفتِكُ بها الموتُ هي أيضا ً . يهمُّ البعضُ بمحاولة ِ
ابعادها عن المكان .
تجتاحها عواصفٌ غضبى ، لا ترأفُ ، لكنها خاسرة ٌ ؛ إذ لا شيءَ
تغنمه . ثمَّ تهدأ فيما العواصفُ مستمرّة ٌ . يتمُّ ابعادها أخيرا ً
و هي تصرخُ : " عودوا .. عودوا .. عودوا "!!
(( تمَّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت ))