أرى طيورا تأتي من كل مكان ، تنتظم في سرب ، لا أدري ما سر حبي للطيور؟ ، كم رائع أن ترى حركات أجنحتها ، ينتظم معها خفق قلبي المتتالي ، لعله يتمنى أن يصبح طائرا يوما ما ، أرى الطيور تنظر نحوي ، تتفجر في عيني دموع غزيرة ، لا أدري هل أنا في منام أو في يقظة ؟ ............ لم أنس ـ حتى اليوم ـ الدرس الأول الذي تعلمته من المدينة الصادقة ، دعوت يوما أن أصلي في المسجد الأقصى ، ثم خرجت لألعب في الشارع ، عندما رجعت قالت لي :
ـ لا تفعل ذلك مرة أخرى
ارتبكت .
ثم قالت بحزم :
ـ لا تدع لنفسك فقط !!! الدعاء للمسلمين جميعا
ازداد ارتباكي ....
قالت :
ـ لا مانع أن تقول : ( و اجعلني للمتقين إماما )
لم أفهم جيدا ما تعنيه ، وهي لم ترد أن تعلمني الدروس كلها مرة واحدة ، لكنها لم تخدعني ، قالت :
ـ لن تفهم هذا الدعاء اليوم ، فقط تذكر أن الدعاء للمسلمين جميعا ..........
ما زلت أتذكر مقدار المرارة التي تفجرت في قلب جاري المسيحي حتى ظهرت آثارها على وجهه وهو يسألني :
ـ من يحمل مفاتيح المدينة الآن؟ ......
أجبته بتلقائية عن سؤاله :
ـ من يريدون أن يهدموا كل شئ .....
لم أولد في المدينة ، ولدت في قرية صغيرة أعطتني اسما ، ومحلا للميلاد ، في اليوم الثاني مات في المدينة طفل صغير، الأسباب غير طبيعية ، هكذا أخبرتني المدينة الصادقة ، لكن الوسائل الحديثة تخفي كل شئ ، المدينة الصادقة أعطتني اسما ، ووطنا يلازمني ـ دائما ـ بعض من هوائه ، يحمل مشاعر صادقة لن تعرف قيمتها إلا إذا حرمت منها ـ دائما - .
هكذا أقول لنفسي لي أخوة هناك يقولون لأنفسهم الكلام نفسه ، لكنها لا تحرمنا من دروسها ، كم أتمنى أن أتحدث عنها الآن ، لو تحدثت عنها سأظل أتحدث أياما كاملة بلا توقف ، رائحتها ستجعلني أقاوم النوم ، لكنني أشعر بها الآن ، أشعر بأرضها تعتصر أنفاسها ، أنين الحجارة ، التراب المتألم ينقلب دموعا تنزف من أشجار الزيتون ، الهواء يختزن دموعا مختنقة ، قرب الفجر يبكيها ، المؤذن الباكي ، دموع الحجارة ، أبي في القرية يحكى عن جدي المدفون في حطين ، ومؤذن القرية ـ كثيرا ما ـ يبكى ، أرى الطيور تتجمع من جديد ، أبحث عن تأويل للرؤية ..... !!!!