كما تلك الزيتونة زيتونته رواها بدمه كما روى دائما تلك الشجرة بالماء و أن تلك السماء فوقه تحررت من رائحة الموت و الرصاص و دخان المدافع ليعطرها عبق الزيتون و الرمان فتصفو صفاء النبوءات و الأنبياء الذين صلوا تحتها و رفعوا أكفهم إليها ليتنزل الحب و السلام على الأرض خيرا وبركة.
ياسين شيخ بسيط ماان يسلم من صلاة الفجر حتى يخطو تلك الخطوات التي لا زالت ثابتة رغم ما فعله الزمن بها متمسكا بالحلم القديم المتجدد ان يجلس تحت ظل تلك الشجرة الكبيرة إلى جانب بستانه ذاك وهو يشعر أن الأرض التي تقله أرضه
في أحد الأيام و بعيد الزوال و هو يجول بين أشجاره يتلمس أعراشها و يتأمل أغصانها بنظرة حائرة تستفسر المجهول تغشاها سكينة رفض هادئ و جذورها ممتدة ، تاريخ نضال و كفاح تأصل تأصُّل تلك الجذور ، يرسم المشهد تاريخ انتظار فجر سينفلق عنه يوما ليل الشهداء ، بينما هو كذلك في أطراف تلك المدينة التي ينقِصها الموت كل يوم من اطرافها ، إذ صم آذانه صوت المدافع و القصف و الجرافات ، لم يعر الأمر إنتباها كبيرا ظنا منه أنها حلقة جديدة من سلسلة إعتاد التفرج على فظاعة مشاهدها طوال سنواته السبعين ، جرافات ستجرف أشجار بستان و تسويه بالأرض و تحيله النيران رمادا ،إلا تلك الجذوع التي ترفض الموت ما لم تأفل شمس تأبى الحجارة إلا أبدية شروقها .
كان شيئا ما يشده لينتبه للصوت شعور غريب خالجه ليقف مطرقا أذنيه واضعا يده اليمنى فوق اليسرى على عصاه ليلاحظ أن الصوت ثابت في مكان واحد وفي إتجاه بيته تماما وكان من فينة لأخرى يزداد عنفا ,قرر على غير عادته العودة إلى البيت تاركا للشجرة ظلها الظليل فلقد ساورته مخاوف كثيرة كان مع اقترابه يبتعد الصوت وكأن الآليات أنهت مهمتها فحرقت حتى احترقت بسخونة الدم الثائر ودمرت حتى تدمرت على الصخر الصامد ,يتهادى ياسين متوكئا على عصاه يشارف على بيته أو الذي كان بيتا من علا مرتفع قريب منه ,البيت صار رمادا تذروه الرياح لم يبق منه إلا ركام وحطام ودخان وأحلام طفولة تأبى الموت, ترى ماذا حل بحفيده المسمى باسمه ياسين؟ ,نعم ماذا حل بياسين الصغير وامه؟ ,حاول ياسين الهرولة ,كانت تراكمات السنين تثقل كاهله إلا أن روح النضال التي تملؤه جعلته يتحامل ,بدأ يشق زحمة المتجمعين الذين ما ولت الآلات العسكرية حتى تجمعوا على بقايا البيت ,أول ما يصادفه ياسين الصغير وأمه ممدين وقد أ ُستخرجا من الركام أشلاء ,تملؤ بقية باقية بعد سبعين سنة من الدمع حدقتيه, ثم تسيل دمعات شائخة على خديه تتخلل شعر لحيته دونما صوت ,لا شك أن صوته نفذ ,فهو خبِرته الفواجع حتى صار لها معنى آخر مختلف عنده فزوجته استشهدت قبل عامين في حادث مماثل ,وأبناؤه الثلاثة أحدهم أسير منذ عشر سنين والثاني نفذ عملية استشهادية بعد ما قتل جنود اسرائيليون اخته امام عينيه والثالث استشهد في مناوشات مباشرة,حتى أبو ياسين الصغير اغتالته رصاصة وهوفي مظاهرة ضد جدار الفصل العنصري ,رفع ياسين أم ياسين الصغير حتى وضع راسها على ركبته ,قبلة عميقة على جبهتها ,ثم وقف بعناء إلى أن وصل إلى ياسين وقد غطي جسده الصغير الرقيق بقطعة قماش رفعها يريد تقبيل رأسه لآخر مرة فإذا به ملطخ بالدم ,بدأ يبحث عن يده فإذا بها قابضة على قلم رصاص وورقة كان يرسم عليها علَم فلسطين وقد اكتمل إلا قليلا ,أحرف الأسم وقد كتبها بيده التي لا تقوى بعد إلا على حلم أو حجر ,كتب الاسم إلا الحرف الأخير النون ,الذي سبقته إليه الجرافة إلا أن الروح التي كتبت تلك الأحرف لم ترد الإنتقال دون إكمالها ,روافد دم تسيل من كفه المسحوقة التي يشع منها الحلم بيوم تكتمل فيه الخريطة والعلم معا والأحرف الستة ,أحد هذه الروافد ينعرج ليصنع شكل النون المتبقية ,يتأمل ياسين الكبير ورقة وقلم الصغير ثم يقبلهما, لترضع الأرض حلما لا يصير دخانا .



