أنـه أبـي                                         

 

           قصة قصيرة                                                                                       ماهر نصرت / العراق

 

 

           كنت سعيدا لحظة شرائي جهاز الفيديو ( سي دي ) من متجر يبيع بضاعته الرديئة بالقسط المريح ، أحمل صندوق حلمي وأعدو منطلقا" نحو وكري كطائرٍ سجينٍ أطلق سراحـه للتو فوق رابية خضراء ساحرة ، كنت أرى الناس وكأنهم يشيرون نحوي بفخر واعتزاز وأنا هائما" أخطو بكبرياءٍ ورفعـه كخطى قائدٍ متألقٍ خرج بجنده للتو من حربٍ ضروسٍ منتصرا ، أخذتني نسمات أحلامي نحو أروقة مدرستي ، أطوف فوق رؤوس أولئك التلاميذ  أولاد الذوات وأصيح بأعلى صوتي أني قادم .. سأخترق عنصريتكم وتفاخركم أيها المتكبرون وسأناقشكم غدا" عن أحداثِ آخرِ فيلمٍ أمريكي هبط الى السوق ، وصلت البيت كأني طائرا" على بساطِ الريح تطاردني الفراشات  والنسمات ، هناك بين أزقــة الماضي الصدئة وشناشيل الحضارة المتأخرة وأمام باب دارنا الخشبية المرقعة كباقي أبواب الحي وقفت أمي تنتظرني بصبر يكاد ينفذ ، وما أن رأت طلائع قامتي حتى بانت على محياها علامات البهجة والسرور  فاليوم هو يوم مبتسم في تأريخ عائلتنا المسحوقة منذ أن فقدنا والدنا قبل اثني عشر عامـا" ،  فأمي

 ( الخرساء ) التي لاتفهم من حياتها سوى الطبخ والغسيل وجدت نفسها في صباحِ يومٍ عصيبٍ أنها معيلة لصبي وطفلتين وهي لاتمتلك من المال ما يكفينا حتى صباح اليوم التالي ، فأيجار البيت أستحق قبل شهرين من تأريخ أختفاء والدي ، وبائع الخضار رفض أعطائنا أحتياجاتنا ما لم نسدد فاتورة حسابه المتأخره  وصاحب المخبز أرسل العامل يطالبنا بدفع ثمن الخبز للأيام الماضية ... وبائع النفط هو الآخر راح يسرع عربته ويضرب حماره بقسوة عندما يقترب من باب دارنا  فيغضب الحمار ويتمرد بعد أن كان يعدو سعيدا" مبتسما ، حتى أصبحنا العائلة الخامسة والثلاثون في الحي التي تستحق العطف والمساعدة ، فكم من ليلةٍ خلت وبطوننا جائعة وكم من شتاءٍ مضى ونحن نرتجف تحت شر اشف أغطيتنا ، قبل ستة أشهر حصلنا بأعجوبة من منظمة إنسانية على ثلاثِ بطانيات ووسادتيِ إسفنج  ، وبعدها بشهرٍ تصدق علينا مديردائرة خالي ومنحنا تلفزيون يعمل بالضرب ، وقبلها تكّرم علينا خطيب جـارتنا ( أعزه الله ) ومنحنا طباخ نفطي صغير  لنطهي عليه طعامنا بدلا" من أكوام الحطب التي تتطاير منها سحب الدخان وتزعج أنف خطيبته المغرورة حوراء  .

دخلت البيت أتقدم كرنفال الأستقبال ووضعت جهاز الفيديو  أسفل صورة والدي بطقوس الإجلال والعظمـة مثل قربانٍ يرمى تحت قدمي ألـه ورحت أناشد أبي في لحظة حنين زلزلت أعماقـي وجعلت دموع الحسرة تنساب بشوق الذي لم يرى أبيه ألا في صورة مغوشة علقت فوق جدرانٍ مهترئة وأنا أردد بوعي شــارد  ( لماذا رحلت عنا يا أبتي ، هل كل من خرج عند الصباح ليجلب الخبز لأطفاله لم يعود هكذا كما فعلت انت ؟ أم أنك لم تستطيع أعالتنا فانتحرت كما فعل جارنا ( أبا  خالد ) ؟ أم يا ترى قد أحرقتك نار الحرب وراء وجبة تجنيد أجبارية قام بها رجال ( صدام ) عندما كانوا يخطفون الناس من الأسواق ومحطات وقوف السيارات بحجة عدم مشاركتهم بميلشيات الجيش الشعبي  عد ألينا ، فها أنذا قد كبرت ووجدت عملا" فيه من الرزق ما يكفينا  .. عد ألينا ياأبي فنحن نحبك وسنضمك الى صدورنا ونفخر بـك كأب حنون الى الأبد   ) .

ومرت الأيام كالسحاب مع جهازنا  المؤنس كنت أستأجر بين حينٍ وآخر أقراص الـ ( سي  دي ) من بائعين يتمركزون بمناضدهم الصغيرة بين أروقة الأسواق وعلى جنبات الطرق حيث أرتال الناس المتعاكسة والتبادل التجاري الناشط ، يتجمع حول تلك المناضد ثلل من الشبابِ والمراهقين يبتاعون ما تميل أليه أذواقهم من أغانٍ معاصرة فيها من الصخبِ والضجيجِ ما يرقص مشاعرهم ويخفف آلامهم ، وأقراص أخرى لاأعلم لماذا يتداولوها بالسر من تحت أسطح المناضد وعند الزوايا وخلف الأسوار ، صادفني في إحدى المرات أن أستأجر قرصا" ظهر مع ألبوم الموظة يقال أن فيه مشاهد مروعة عن تعذيب معتقلين في سجون النظام السابق ، عدت أدراجي الى البيت متلهفا لرؤية تلك المشاهد ، كانت أمي وشقيقتي يجلسون على مقربة مني وهم ينتظرون رؤية أحداث ذاك القرص بعد أن سمعوا الكثير عن أهواله من أهل الحي .

وها هي المشاهد العجيبة تتوالى علينا من خلال شاشتنا الصغيرة ، فيها رجال عراة مقيدون تضرب أجسادهم بأسلاكٍ من نحاس وهم يصرخون ويتوسلون ، وآخرون ذو أجساد تنزف دما" حوصروا بغرفة مليئة بالأعضاء البشرية يعذبون بهراوات جلادون قساة وهم ويرتجفون ، كان بعضهم مصابا" بالجنونِ والبعض الآخر تشنجت أعضائه وبات لايشعر على مايبدو بآلام الضربات وراحوا يتساقطون واحدا" تلوّ الآخر .

 وفجأة صرخت أمي بعد أن قفزت من حصيرتها وأخذت تضرب جسدها وتمزق ثيابها في نوبـة هستريا لامثيل لها ، والعجيب أنها عادت تنطق ثانيـة" بعد خرسٍ لازمها أثنتا عشر عاما" وهي تصيح بجنون ( هذا هشام     هذا هشام هشام  ) !!!  

كان هشام رجلا" نحيفا" ضامرا" يرتجف بصمت وقد تشنجت أعضائه ومازال السوط يضرب جسده ،  أتعلمون من هو هشام  ؟   أنــه أبي  

  

   

 

 

 

 

 

Maher_nasrat @yahoo.com