فؤاد دوغان في المعرض الكوني
بصمات فنية برؤى ثورية رافضة
حوار : وضحة سعيد شعيب
عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين
الفن هو مقياس الحضارة , إذا ارتفعت , ارتفع معها , وإذا هبطت , هبط معها ... والفن رسالة وفكر , وبالفكر وحده تتقدم الشعوب ...
فؤاد يوسف دوغان , بموهبته الفنية , وريشته المميزة , ذات بصمة تشكيلية جميلة , تمثل جانبا هاما , من معالم الفن اللبناني المعاصر ...
أسس سنة 1975 مدرسة فنية أسماها الفن الكوني , وهي مدرسة تعكس حياة الإنسان على الأرض , ومرآة لعالمنا الحاضر , تعكس تواصل الشعوب , وتفاعل الحضارات , بكل صدق وإخلاص ...
لوحاته تتميز بتقنية متقدمة , وخميرة خاصة به ... ومواضيعه اجتماعية إنسانية , تعبر عن أسلوب جديد , فيه رموز ذات طابع سوريالي خاص , يحمل لنا رسالة , تدعو إلى عالم مثالي أفضل , تعمه المحبة والسلام ...
حائز على دبلوم بالرسم البلاستيكي , وما وراء الطبيعة , بدرجة أعلى امتياز في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة في بروكسل سنة 1975 , واختصاص في الرسم الجداري سنة 1987 – 1988 في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة في بروكسل ...
حائز على ثلاث جوائز في مسابقة ( شانكرز ) العالمية للأطفال سنة 1961 – 1962 – 1963 وجائزة أليكسندر ألوبكس في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة في بروكسل سنة 1975 – 1976
عرض منفردا في بروكسل في كاليري فيليب شابو سنة 1974 , ومشاركا في كاليري أرتيد سنة 1975 – 1976 – 1977 , وعرض في بلجيكا في متحف دولا بورت في مدينة توبير في العام 1977 وفي المركز الثقافي في أرابار في مدينة نامور في العام 1978 , وفي كاليري بول أيد في العام 1979 , وفي كاليري الأتيليه في بروكسل في العام 1987 , ومعارض مختلفة في لبنان , بالاشتراك مع آخرين ...
بين لوحاته المعروضة في قاعة قصر الأونيسكو , كان لنا هذا اللقاء , في حوار من وحي ما حملت أعماله السوريالية من رموز ومفردات , ببصمات فنية مميزة , ورؤى ثورية رافضة وخاصة ...
بعد سنوات من العمل المستمر في المسارات الفنية والصبر في دروب الرسم , ماذا اكتشف فؤاد دوغان ؟
اكتشفت أن مواضيع لوحاتي , اجتماعية وإنسانية , فيها خليط من المدارس الفنية السائدة , وتتميز برموز قيمة , مستمدة من خبرات الشرق والغرب , تعبر عن أسلوب جديد , وفن جديد , يصور العالم الحاضر , ويعكس تواصل الشعوب , وتفاعل الحضارات الإنسانية , لذلك أسميت معرضي الفن الكوني ... ومنذ سنة 1973 وأنا أرسم الكرة الأرضية , ليس فقط لأنها أجمل كوكب , بل لأنني أحبها وأعشقها , وهي بيتي وموطني الكبير ...
لوحة الجنين , فيها من الترميز السوريالي , ما يعكس رؤيا رافضة , فماذا تريد أن توحي من خلالها ؟
منذ القدم وحتى اليوم , لم يستطع الإنسان السيطرة على غرائزه , لقد استطاع أن يقوم ببعض الانتصارات العلمية , بحفر الأنفاق في الجبال , والغوص في أعماق البحار , والمحيطات , والصعود إلى القمر , وتفوق في السينما والتلفزيون , وبالرغم من كل هذه الإنجازات العلمية , لم يفعل شيئا لأخيه الإنسان , لم يمنع الحرب , ولم يمنع الجوع , والفقر والتشرد , لقد سخر كل تفوقه العلمي من أجل المال , ليحصل على أجمل النساء , وأن يقيم في أحسن الفنادق , ويلبس أغلى الثياب , ويركب أفخم السيارات , ويعيش في أجمل القصور ... الجنس مسيطر على دماغه , الجنس في كل مكان , في الإعلان والسينما والتلفزيون , في الصحف والمجلات والأزياء ...
ماذا تمثل لوحة جذور الأرز ؟
أرزة عملاقة , تمثل الشعب اللبناني , الذي قاوم منذ القدم , في سبيل كرامته ووطنه وعيشه ... أيادي جذورها في الأرض راسخة , تجسد الإرادة والصلابة والصمود , لهذا الشعب العظيم , الذي روى أرض لبنان بدماء شبابه , وأثبت للعالم , بأنه ليس من قوة تستطيع انتزاعه من أرضه , أو انتزاع أرضه منه ...
تركز على المرأة كثيرا في لوحاتك المعروضة فلماذا ؟
في القرن الواحد والعشرين , أصبحت المرأة رائعة الجمال , واستطاع أصحاب دور الأزياء , وصانعي الجمال أن يجعلوا منها , امرأة خارقة الجمال , ولم يعد هناك امرأة بشعة , فكل النساء جميلات في هذا العصر , والرجال أصبحوا يعبدون المرأة ؟! وهذا لا يجوز , علينا أن نعبد الله ... لأن هذا الوجه فان وسيموت في يوم من الأيام , وهذا الوجه المكسو باللحم والجلد الناعم , ما هو سوى جمجمة مخيفة ! وجه جميل , ولكن ...
كيف تنظر إلى المرأة في هذا العصر , من خلال ما تعرضه من أعمال فنية ؟
المرأة المستبدة , صاحبة الكلمة , هي تقرر , وهي تعطي الأوامر , وهذا هوس وجموح ... والمرأة المتهورة , بالغت بحريتها , وأصبحت متوحشة ولها مخالب ؟! فقدت رقتها , فقدت نعومتها , فقدت أنوثتها , وتحولت إلى وردة قاسية , لا تعطي إلا الألم والشوك الجارح ؟! والمرأة العصرية , بالغت بحريتها , لدرجة أنها ضربت بعرض الحائط , كل القوانين , والقيم والأخلاق , ولم يعد يهمها دمار الأجيال والشعوب ... فالمرأة بمكياجها وأناقتها وسحرها وجمالها , ودورها في السياسة , استطاعت أن تلهو وتلعب بالكرة الأرضية ...
تظلم المرأة كثيرا فيما ذهبت إليه ؟
الوردة جميلة , والأجمل هو عطرها ... وكذلك المرأة , فهي جميلة بحد ذاتها , وليست بحاجة إلى إظهار محاسنها وجمال جسدها , بل عليها أن تحافظ على عطرها وقدسية جسدها ... والأجمل هنا , هو أن تحترم جسدها , وأن تحافظ على شرفها , وعزتها , وكرامتها ... واليوم في زمن القرن الحادي والعشرين , أصبحت المرأة خارقة بجمال مكياجها وأزيائها , ولكنها فقدت رقتها , فقدت نعومتها , فقدت أنوثتها , وتحولت إلى وردة قاسية متوحشة , لا تعطي , إلا الألم والشوك الجارح ! وعلى المرة أن تعي بأن عطرها يسرق ! وجمالها الرخيص يباع لأصحاب الأغاني المصورة , والرقص على طاولات الحفلات ... جمالها الرخيص يستغل ويباع في قصور الأزياء , وعلى صفحات الصحف والمجلات , وفي دور السينما والمسرح ؟!
كفنان تحمل رؤيا خاصة للمرأة , بماذا تتوجه لها ؟
أيتها المرأة الجميلة , أيتها المرأة الأنيقة , قبل أن تطالبي بالمساواة , عليك أن تطالبي بحريتك ! فلست جارية لترقصين على الطاولات !
وبماذا تتوجه إلى الرجال المتباهين بأنهم الأقوى , وينسون أن نقطة ضعفهم المرأة ؟
أما أنتم أيها الرجال الشرفاء ؟! توقفوا عن استعبادها , فللمرأة كرامتها , أعيدوا لها حريتها واحترامها , فالمرأة وردة جميلة وغالية , ضعوها في مكانها , في بيئة نظيفة , وأعيدوا لها عطرها ؟! ...
تدعو في أعمالك إلى ولادة عالم جديد , وكأنك تتماشى والعولمة ؟
أنا إنسان , إذن الأرض لي ! ففي سنة 1975 كنت أحلم , وتمنيت في إحدى لوحاتي أن يولد عالم جديد , بدون حروب , تعمه المحبة والسلام ... واليوم , في العام 2003 بعد هذا التطور في التكنولوجيا , وبظهور الفضائيات , والكمبيوتر والإنترنت , وفي زمن العولمة , ودخول عالم الاستنساخ , أصبحنا نسير في هذا الاتجاه , لأن دول العالم فتحت على بعضها , وكان لا بد من التواصل بين الشعوب , وفتح الحوار بين الحضارات الإنسانية لتتفاعل نحو مجتمع عالمي أفضل ... فما أجمل أن يكون للإنسان وطن ينتمي إليه ! ولكن الأجمل أن يصبح العالم وطن واحد , تعيش عليه كل الشعوب بحرية ومحبة وسلام ... بلا حروب ...
لوحة تاريخ الحضارة , مفردات كثيرة , وأفكار كثيفة , ما الذي تود قوله من خلالها ؟
اللوحة من ثلاثة أقسام ... في البداية , ومنذ الأزل , خلق الله الأرض , وخلق الماء , لتحيا المخلوقات , وجعل الطبيعة متنوعة , وكل ما فيها من ماء ومادة وهواء وغازات وحشرات ومخلوقات وحيوانات , مرتبطة ببعضها تسير بشكل دائري , بأجمل نظام وأجمل صورة ... هذه هي الأرض بداية ... ولكي يبقى هذا الكون , ولكي تبقى هذه المخلوقات وتستمر , جعل الله بينها التآلف والمودة والرحمة , وجعل الحب بينها , لتتواصل وتتكاثر , من أجل البقاء , ومن أجل الحياة ... لهذا خلق الله آدم وحواء , وبدأ بهما الحياة البشرية والحب . نعم الحب هو مصدر الحياة واستمراريتها . والله زرع الحب في جميع المخلوقات , وأمرنا أن نحب بعضنا , وأن نحب الآخرين ... رسالة الخلق ... وبعد , مرت حضارات , وتطور الإنسان , إلى أن اكتشف الآلة في منتصف القرن العشرين , ومع ظهورها , بدأ عصر الثورة الصناعية , وأخذت الدول الصناعية تتسابق في الإنتاج , وتكدست ملايين المنتوجات في المصانع , مما دفعها لإيجاد الأسواق , وشن الحروب من أجلها ... وهكذا , بدأ الإنسان يدمر الأرض بالحروب والتلوث , باسم التطور والحضارة باسم التقدم الصناعي والتكنولوجيا !...
بماذا تتوجه إلى الإنسان من خلال معروضاتك ؟
الإنسان إلى أين ؟ يا ابن آدم , دع البشر يعيشون على الأرض ... فكلنا أبناء آدم وحواء , وكل إنسان له الحق أن يعيش على هذه الأرض حر , وكما يشاء . الله خلق البشر بأجناس متنوعة , ومختلفة الأطوار والأفكار , كل حسب مجتمعه وبيئته وظروفه ... فلماذا تسعى إلى تغيير نظامك وأفكارك , وأن يكونوا عبيدا لك ولمالك ؟! أيها الإنسان المتحضر , لماذا الحروب , ولماذا قتل الشعوب , أتريد أن تحكم العالم ؟! لا يا ابن آدم , دع الله يحكم الأرض ! كما أراد ويريد ...
في أعمالك نزوع إلى التصوف في هذا العصر , الذي طغت عليه المادة ؟
عين القرن الواحد والعشرين , عالم المادة , عين الإنسان لا ترى إلا المال , ومظاهر الحياة الجوفاء , لا ترى إلا الاعتناء بالأزياء والأناقة والمظهر والجمال ... فإنسان القرن الواحد والعشرين , لا يهمه إلا المادة , والسعي وراءها , ولا يهمه إلا الجمال الخارجي , واللبس والأناقة ومستحضرات التجميل واللياقة البدنية , وجمال الجسد , فالعين متحجرة , لا ترى الحروب , والظلم , والقتل , وعذاب الإنسان ! العين تغار وتحسد وتشتهي كل ما هو مادة , وتسعى دائما ويجشع , للحصول على المال , من أجل الجمال والمتعة وغرور هذه الدنيا ...
ما دور تمثال الحرية في لوحاتك ؟
من المعروف بأن تمثال الحرية , شيد من أجل العلم والحرية ... فالكتاب في يده يعبر عن الفكر والعلم والحضارة والتقدم , أما المشعل يمثل الحرية والدفاع عن حقوق الإنسان , ورفع الظلم عنه ليعيش بمحبة وسلام ... ولقد أصبح هذا التمثال رمزا للحرية في العالم , لكن مع الأسف , أين أصبحت مبادئ هذا التمثال , في نهاية القرن العشرين ؟ بعد أن أصبح الإنسان يفضل المادة على العلم , بل استغله ( أي العلم ) لصناعة الأسلحة وآلات الدمار ... فبدلا من الدفاع عن حياة وحريات الشعوب , أصبح يفكر فقط بأرباح الحروب , وما يمكن أن تؤثر على الاقتصاد , وعلى أسعار البورصة والعملات والذهب ... فكيف يمكن أن تبقى قضايا إنسانية عالقة بدون حل ؟ وكيف تبقى الشعوب مستعمرة ومشردة بدون حل ؟ وكأن تمثال الحرية , أطرش , أعمى , أخرس , فما هذا التجاهل لكل القضايا المصيرية ؟ وأين الفكر ؟ وأين الحرية ؟ وأين حقوق الإنسان ؟ تمثال الحرية وضعوا على فمه المال , ليسكت عما يرتكب من حروب وقتل وجرائم في العالم ...