يعرف الجميع أن الجزائر مرت بفترة عصيبة جدا خلال عشر سنوات كاملة ابتداء من تسعينيات القرن الماضي، تميزت بهمجية دموية لم تعرفها البلاد من قبل، كادت أن تعصف بالبلد و تولج الشعب في متاهة لها مدخل بدون مخرج. و بعد أن بدأت الأمور تستقر و تعود إلى طبيعتها، ظهرت مشاكل أخرى كانت ربما وليدة تلك الفترة العصيبة و نتيجة من نتائجها التي لا مفر منها، و من بينها مشكلة المخدرات.
كانت الجزائر منذ سنوات طويلة، بحكم الموقع الجغرافي، بلدا تعبر منه كميات معينة من المخدرات إلى بلدان أوربا و غيرها، و لكن ذلك الوضع تطور وصار أكثر تعقيدا. لقد تطورت الأمور خلال السنوات الأخيرة بشكل جعل من هذه الظاهرة خطرا حقيقيا على البلد بالنظر إلى مجموعة من المعطيات.
لقد ارتفعت الكميات المحجوزة من المخدرات، خاصة القنب الهندي منها، بصورة ملحوظة. فقد تم خلال الثلاثي الأول من سنة 2007 فقط حجز 5،8 طن من المخدرات إضافة إلى كميات هائلة من الأقراص المؤثرة عل القدرات العقلية في الوقت الذي تم في سنة
من جانب آخر، فقد تعدى الأمر المخدرات التقليدية (القنب الهندي) إلى مخدرات أشد فتكا و أغلى ثمنا، كانت إلى زمن غير بعيد توضع في خانة مخدرات الأثرياء التي لا يمكن أن تصل إليها أيدي المدمنين في الجزائر (بسبب غلاء ثمنها). في هذا الإطار، تم في شهر يوليو من سنة
و لم يتوقف الأمر عند استيراد أنواع معينة من المخدرات، سواء القنب الهندي أو الكوكايين أو الهرويين و الكراك، بل تعداه إلى ظاهرة جديدة لم تعرفها الجزائر من قبل تتمثل في زارعة مادة الأفيون. فقد تبين من خلال عمليات حجز مختلفة تمت في الصحراء الجزائرية أن هناك مساحات معتبرة من الأراضي هناك مهيأة لزراعة الأفيون بصورة تتعدى كثيرا الاستهلاك الشخصي للمزارعين، مما يعني أن الكمية المزروعة موجهة إلى الاستهلاك المحلي بصورة واسعة (أي للاتجار) و تؤشر على إمكانية تحول البلد من بلد عبور للمخدرات إلى بلد إنتاج للمخدرات. و على سبيل المثال، تم في شهر ابريل من سنة
بالموازاة مع الارتفاع الكبير للكميات المحجوزة و مع محاولة التحول من استيراد المخدرات إلى زراعتها محليا، فان حجم الخطر يظهر بوضوح من خلال النظر إلى طبيعة شرائح المجتمع التي تقع فريسة لتلك السموم و إلى بعض الأرقام المحيطة بذلك. فقد بينت الإحصائيات أنه قد تم خلال العشر سنوات الأخيرة معالجة 20 ألف مدمن على المخدرات و أنه قد تم خلال الأربع سنوات الأخيرة فقط عرض 25 ألف شخص متورط في الاتجار و استهلاك المخدرات على المحاكم من اجل المتابعات القضائية. كما بينت الإحصائيات أن الفئة الأكثر استهدافا و الأكثر تضررا من تلك الآفة هي فئة الشباب (العمود الفقري للأمة). ذلك أن 85 % من الأشخاص الموقوفين في إطار قضايا مخدرات ما بين
أما تأثير استهلاك المخدرات عل السلوك العام للمدمنين فانه من البديهيات، و هو تجربة تتقاسمها كل البلدان التي تعرف نفس الظاهرة. و من بين الأمثلة عل ذلك فيما يخص الجزائر، حالات الانتحار. فقد تبين أنه خلال سنة
ربما اخطر من كل ما سبق بالنسبة لاستقرار الجزائر، أنه قد ثبت بالدليل المادي (بلغة أهل القانون) أن عائدات الاتجار غير الشرعي في المخدرات هي حاليا أهم مصدر لتمويل المجموعات الإرهابية بعد أن شحت عنها باقي مصادر التمويل التي كانت تلجأ إليها في بداية سنوات التسعينات من القرن الماضي. و يظهر ذلك جليا بالنسبة للمجموعات التي تنشط في الصحراء الجزائرية و تعمد إلى كل أنواع التهريب من أجل تمويل نشاطاتها بما في ذلك تهريب المخدرات. يضاف إلى ذلك أن المخدرات صارت مصدرا من مصادر تبييض الأموال و الجريمة المنظمة في البلاد.
هذه الوضعية الخطيرة بكل تأكيد دفعت إلى تبني مجموعة من التشريعات المتعلقة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالمخدرات، من بينها قانون مكافحة المخدرات الذي تم إصداره نهاية سنة
و بالرغم من القوانين الجديدة المتميزة بصرامة نادرة ربما في بعض الأحيان و بالرغم من استحداث أجهزة جديدة لمكافحة المخدرات، فان تساؤلات كثيرة لا تزال تخرج من أفواه المختصين عن مدى فاعلية تلك الإجراءات و مدى مسايرتها لخطورة الظاهرة و قدرتها على معالجتها. الأكيد أن كل ما تم القيام به جاء بعد خطوات طويلة قطعتها آفة المخدرات بالبلد و أن ما يجب القيام به من اجل تدارك التأخر يحتاج إلى نفاذ بصيرة و صدق عمل و مثابرة في الجهد.
رضا محافظي- الجزائر