بسم الله الرحمن الرحيم .
مقالة للنشر بعنوان : شيطان الإرهاب
بقلم : عبد الرزاق مرزوكَ من المغرب .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد ، لا يخلو عمل فاسد من شيطان يزين لصاحبه فعله ، ولا يألوا جهدا في زخرفته له ، ولما كان مرد الفساد في الأقوال والأفعال والأحوال إلى شهوة جامحة أو شبهة جانحة ، أو كلاهما ، فإنه يؤجج شهوة المفسد بنار الفتنة ، ويجعل للشبهة في عقله سندا من تأويل باطل يريه بشاعة عمله براعة .
وإذا كان ابن مقبل يحسب نفسه ماردا في نظم الشعر الذي يعد فنا رفيعا حيث قال:
إِذَا مِتُّ عَنْ ذِكْرِ الْقَوَافِي فَلَنْ تَرَى لَهَا تَالِيـاً مِثْلِي أَطَبَّ وَأَشْعَـرَا
وَأَكْثَرَ بَيْتاً مَـارِداً ضُـرِبَتْ لَهُ حُزُونُ جِبَالِ الشِّعْرِ حَتَّى تَيَسَّـرَا
فما ظنك بمن يقتل نفسه وغيره عبثا ؛ لا جرم أن ما يختاره ويشتهيه من تفجير الأبدان وسفك الدماء غاية الفساد والفظاعة ، وأن مَن وراءه من شياطين الجن والإنس قد زينوا له شر عمل يكون ، فإذا كان جاهلا فشهوته سائقه الأسرع إلى الجريمة ، وإذا كان قاصدا يرى ما يفعله حقا فقد فتكت بعقله شبهة جرته إلى المروق من الديانة من حيث لا يدري .
أما القتل فإنه من هذا الوجه أعظم من الشرك ، كما صح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إِذَا أَصْبَحَ إِبْلِيسُ بَثَّ جُنُودَهُ ، فَيَقُولُ : مَنْ أَضَلَّ الْيَوْمَ مُسْلِماً أَلْبَسْتُهُ التَّاجَ ، قَالَ : فَيَخْرُجُ هَذَا فَيَقُولُ : لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، فَيَقُولُ : أَوْشَكَ أَنْ يَتَزَوَّجَ .
وَيَجِيءُ هَذَا فَيَقُولُ : لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى عَقَّ وَالِدَيْهِ ، فَيَقُولُ : يُوشِكُ أَنْ يَبَرَّهُمَا .
وَيَجِيءُ هَذَا فَيَقُولُ : لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى أَشْرَكَ ، فَيَقُولُ : أَنْتَ أَنْتَ ! .
وَيَجِيءُ هَذَا فَيَقُولُ : لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى قَتَلَ ، فَيَقُولُ : أَنْتَ أَنْتَ ! ، وَيُلْبِسُهُ التَّاجَ " .
ولا يخفى دخول قاتل نفسه من باب أولى لأن محل احتمال توبته مع ضيقه قد زال .
وهذا الحديث أوفق ما يكون للحديث الصحيح الآخر : " لاَ يَزَالُ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَماً حَرَاماً " ، فالمراد بالفسحة ما يصيب المؤمن من أنواع السوء ثم يجعل الشارع له إلى التحلل منها مخرجا ، ومنها الأعمال الثلاثة الأولى الواردة في الحديث الأول ، وما فيها من الفسحة للمؤمن هو ما أيأس إبليس من إيقاع أصحابها في غاية الضلال ، وحال بين جنوده وبين نيل غاية رضاه .
ولذلك قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : " إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الأُمُورِ الَّتِي لاَ مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكُ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ " ، ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم : " مَنْ أَمَّنَ رَجُلاً عَلَى دَمِهِ فَقَتَلَهُ فَأَنَا بَرِيءٌ مِنَ الْقَاتِلِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِراً " .
فهذا الكافر قد جعل الشارع لدمه ذريعة إلى الحفظ والصيانة ، فما الظن بالمسلم الذي عصم الله دمه بإسلامه ، وعظم حرمته حتى صار قتله عنده أعظم من زوال الدنيا ؟! . . .
واليوم قد صارت لهذه الضلالة أفانين لم يكن لإبليس قبل بها ، قد تولى الإغواء بها من الإنس شياطين جعلوا للقتل وسيلة أبلغ في تأجيج الفتن ونشر الرعب : نارا تفجر الأبدان ، وتهز المشاعر فزعا وهلعا ، وتنشئ مشاهد من البشاعة والعبث فوق التخيل ، وتغرق الألباب في الأسف والأسى ، وتسوق ريح الموت من كل جانب ؛ فلا يدرى إلى أين يفر منها .
وقد رد أهل اللغة أصل اسم الشيطان إلى معاني لا تخلو منها هذه الخصال والأحوال ؛ فقالوا : " الشيطان فعلان من شاط يشيط إذا احترق غضبا " ومنه قوله تعالى : " وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَارِجٍ مِن نَارٍ "
قال العلامة الراغب الأصفهاني في مفرداته : " ولكونه من ذلك اختص بفرط القوة الغضبية ، والحمية الذميمة . " ، فهما متلازمان ، ويقتضيان أقبح صور التطرف والانفصال والتمرد ، وهو ما جرأ إبليس على الله فأبى أن يسجد لآدم عليه السلام ، كما قال تعالى : " قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ " ، فنهانا الله تعالى عن موافقته بقوله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) .
ولا يخفى ما ركب في نفوس قاتلي أنفسهم بتفجيرها من الجهالة والنـزق والطيش ، وما يُغلي صدورهم في حال الانكشاف من الغيظ وشدة الغضب ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أَلاَ وَإِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ ، أَمَا رَأَيْتُمْ إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ ، فَمَنْ أَحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَلْصَقْ بِالأَرْضِ " .
ولازم الغضب المستحكم اليأس من رحمة الله ، وهو ما أخرج إبليس منها ، ولولا ذهاب الرجاء من قلب المنتحر لما أقدم على قتل نفسه .
وقال أهل اللغة أيضا : " الشاطن : البعيد عن الحق " ، وهذا حق فإن من صحت ديانته ، وسلم عقله ، واستوى فكره لا يعد تفجير النفس وسفك دماء الناس حقا ، وأنه لا يسعى في إشاعة الرعب على هذا النحو إلا زائغ الفكر ، سقيم النفس ، مختل الشعور .
والعبد كلما ابتعد عن الله اقترب من عدوه الشيطان ، ولا يزال يقترب حتى يخالطه ويتلبس به ، فإذا وافق ذلك في نفسه رغبة وهوى صار شيطانا مثله كما قال تعالى في صفة الشيطان : " الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ . مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ " ، وهو تفصيل لقوله " الَّذِي يُوَسْوِسُ . . " ، ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : " يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْجِنِّ والإِنْسِ " .
قال : قلت " أوَللإنس شياطين ؟ " ، قال : " نَعَمْ " .
ومن عجيب ما نظم من الشعر في هذا المعنى :
شَيْطَانُ إِنْسٍ بَلْ إِخَالُكَ أَرْعَبَا
تَغْدُو وَقُوداً سَائِحاً مُتَرَقِّبَا
وَتَسِيرُ وَسْطَ النَّاسِ سِيرَةَ غَادِرٍ
فِإِذَا سُعِرْتَ نَسَفْتَ جِسْمَكَ مُجْلِبَا
فَالنَّارُ فِي الأَشْلاَءِ عَمَّ دُخَانُهَا
سَحَقَتْ عُرُوقَكَ وَالرَّحَى الْمُتَصَلِّبَا
مِنْ أَيْنَ جِئْتَ وَهَلْ يُرَى لَكَ مَوْطِنٌ ! . .
وَدِيَانَةٌ تَحْوِي لِعُنْفِكَ مَذْهَبَا ؟ ! . .
فليت شعري أي شيطان لئيم يقود خطى هؤلاء إلى الجحيم ؟ . . أي مارد ينتشي ببؤسهم وشقائهم ، ثم يغمس فطرهم وعقولهم في مستنقع اليأس قبل أن يلقنهم فكر العدوان ، ويشرب قلوبهم حب الخراب والدمار وكراهية الوجود ؟ . . كيف بدل أنسام آدميتهم عواصف عاتية ، ومنافذها سدودا ترتطم دونها ألطاف المحبة والرحمة والرجاء ؟ . . كيف أمطا لهم موج الشتات ، وأراهم الوجود عدما والعدم وجودا ، وسفك الدماء خلاصا ومخرجا ؟ . .
أي شيطان لئيم نفاهم عن الخلق ، وعزلهم عن الناس ، وسلبهم لذة الحياة والجمال ، ثم زرع في نفوسهم حب الاستيحاش والانفصال عن الوجود ؟ . .
لا جرم أن هؤلاء لا يرجعون فيما يأتون ويذرون إلى ذواتهم ، فتجدهم – مع ما غلب عليهم من الجهل واليأس - قد أسلموا عقولهم وأنفسهم لفئة جعلت الفتن والعبث بالأمن مطية بقائها واستحكامها ، وقد سمعت من يقول تعليقا على إحدى التفجيرات في بلد من بلادنا الإسلامية : " قال تعالى : ( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ) " ، ثم استدل أيضا بقتال أبي يكر رضي الله عنه للمرتدين الذين منعوا الزكاة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم .
فلما سألته مقدمة البرنامج عن الصلة بين قتلى أولئك وقتلى هؤلاء ، واستدركت أن قتلى التفجيرات أبرياء ، أجاب الجهول ببرودة عجيبة : لا بد من وقوع أخطاء ! .
فإجرام مثل هذا - مخطئا كان أم مغرضا - أعظم من إجرام من اتخذ كلامه مطية إلى التكفير والتفجير ، فانظر كيف سخر آيات القرآن لتسويغ الإجرام والعدوان ، ومن هان عليه العبث بمراد الله تعالى من وحيه فالعبث بأمن الناس ، والسعي في التخريب والتدمير عليه أهون .
إن دين الإسلام ، ونصوص السنة والقرآن أعظم وأنقى من أن يلصق بها هذ التخرص ، وهو مع كونه عاريا عن العلم بارد سخيف ، والمفجرون أنفسهم صلتهم أيضا بالديانة مقطوعة أو مهزوزة القواعد ، ولا يلح على ربط الإجرام بنصوص الكتاب والسنة إلا عدو للإسلام .
فالسبيل إلى كف هذه الفتنة المائجة ، وإطفاء نار حربها المستعرة إصلاح نفس من أصيب عقله بهذه الضلالة من الشباب داخل السجن وخارجه ، وتصحيح مسار فكره الزائغ ، وقاعدة ذلك كله إفشاء العدل ، وكف الظلم والحرمان ، أما التدبير الأمني فإنه تبع لذلك كله ، وما لم تسلم العقول من لوثة الفكر الخبيث ، وتشف النفوس من علل القهر والشعور بالهوان فلن تجدي الجهود الأمنية شيئا .
إن وقود هذه النار كامن في الأذهان والصدور ، وملاحقته الحسية مهما دقت وتكثفت فإنها لا تتجاوز الأبدان ، وسحق المتمردين من أجل أفكارهم الفاسدة لم ينفع أبدا في منع عدوانهم ، بل لون في عقول أتباعهم المكر والخداع ، وفي التاريخ البعيد والقريب من شواهد ذلك ما يغني عن معالجته .
ولو عمدت إلى نسف صنم تريد منع العاكف عليه من عبادته ، فإنه سيسعى في اتخاذ صنم غيره حتى تنسف حلوله في قلبه ، وتقطع الطريق على من لقنه أن ذلك الصنم – على هوانه – يضر أوينفع .
ولو حطم الخليل عليه السلام كل أصنام قومه لما كان لصنيعه حكمة ألبتة ، بل استبقى كبيرها ليستحث قومه على التعقل ، فيدركوا تفاهة ما يعبدون ، وأن الإله الحق المستحق للعبادة لا يرضى أن يشرك به ، فقال تعالى : ( فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ) ، أي لعلهم يرجعون إلى كبير الأصنام ؛ فيعتقدون أنه هو محطمها غيرة لنفسه ، وأنفة أن تعبد من دونه هذه الأصنام الصغار .
والخليل عليه السلام يعلم أن هذا ليس حقا ، ولكن بناه على قاعدة ما يعتقدون ليكشف لهم بطلانه بالعقل والقياس ، ولما ( قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ ، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ ) ، فألجأهم إلى الإقرار – طوعا أو كرها - أن آلهة جامدة لا تملك دفع الأذى عن نفسها ولا الإشارة إلى من آذاها أحقر من أن تعبد .
إن إقدام شاب على تدمير ذاته واسترخاص نفسه عبثا ، لم يكن يرمي قبل ذلك إلى هتك عرض أو سرقة مال أو الظفر بلذة من لذات الحياة . . يهبها قربانا للوالغين في دماء الفتنة ، . . إن فعلا من هذا القبيل ليغرق البال في العجب والحيرة ، ويقتضي طول الوقوف والتأمل ، وعرض حال صاحبه على كاشف نفسي يشخص مخرج العلة ، ونوعها ، والسبل الكفيلة بحسم آثارها ، وفي هذا خير لمن يروم فعل ما فعل وللناس .
إن الأنفس السقيمة والمهينة لا تقتات إلا على الأفكار المدمرة ، ولا تزال تنمو بها وتقوى وتتزايد حتى توجب لها آثارا فاسدة ووساوس وأسقاما عصية الزوال .
فإذا حصنت بما يقيها التيه والهوان من التبصير والتكريم والإنصاف صار لها من ذاتها وازع يهديها إلى الحق والاعتدال ، ويضمن أمنها وأمن الناس .
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه .
وكتب : عبد الرزاق مرزوكَ .