قُرّتْ (أعينُكم) (بعيدٍ) سعيد

و(العينُ) تعلمُ في (عينيْ) محدِّثها .. مَنْ كان مِن حزبِها أو مِن أعاديها

(العين) منظار القلب، ومكشافُ خلجاتِه، فإذا كان بالمرء حياءٌ تنكسر (عينُه)، و(عينُ) المحبّ تتلألأ، والحاسدِ تضيق، والمغرور تترفّع، والفزِع تتوسّع، والحزينِ تدمع، والشاكِّ تتحوّل وتتقلّب، والمُكذِّب والشامت ترتخي، والغاضبِ تحترّ وتحمرّ، والعدوِّ تحملق بحدّة، والمعاندِ تتصلّب وتيْبس ..الخ، ولأنّ الإنسان عجولٌ، فهو رهين آفة الغرور، أي يعيش غرور اللحظة وكأنّه امتلك صكّ أمان كامل أزمنتها، كأنّه أسكن طوارئ أمواج الزمان وأعاصيره عن العصفِ به، الأمرُ المعبّر عنه (بحبّ العاجلة وترْك الآخرة)، فلا يظنّ لحظةً وراء هذه اللحظة إلا مثلَها أو أحسنَ منها، لا يظنّ أن تبيد هذه الحالُ أبداً، فيُقابل أيَّ تذكيرٍ -كهذا وغيره- (بعينٍ) مرتخية أي شامتة، تزلق به عن استبصار هوْلَ منحدَرِه، ويقول شامخاً: "هُراء"! حتى تصير كلُّ حكمة الأنبياء ورسائلهم وحرقتهم وغاية آلامهم لو أُعيد التذكير بها، لأجابتْ (عينُه) متى سمعها أو قرأها بكلّ شماتة المغرورين: "هُرااااااء"!

مثالُنا لهذا الجدّ الذي (بعيْنِ) المغرورين هُراء: لعلّك امرؤٌ لديك زوجةٌ وأبناء، وبنهاية الشهر الكريم (أيْ اليوم) يقع لك حادثٌ أليم، أسهله أن تغصّ بلقمة دسمةٍ بإفطارِك ويُغمى عليك فتُحمَل إلى المستشفى، فتموت سريريّاً، وأنت تحسّ و(عينُك) تُحدّق، الهلعُ على زوجتك أقصاه، والفزعُ بأبنائك والعويلُ منتهاه، و(عينُك) ما عادتْ تحكي عواطف قلبِك المرتاع شيئًا، إلا جفافَ موتِك المُباغتِ الدّاهم، لا تقوى حتى على إطلاق ذرّةِ دمعة، ترطِّب بها (عينَك) بتلؤلؤ حبٍّ دفينٍ لأهلك المحتفّين حولَك، واللائذين المفجوعين بمصابِك.

لحظاتٌ عاشها أناسٌ كثيرون، فلا تُرْخِ طرفَ شفتيْك وتُرْخِ (عينَك) لتشمت بها، لأنّها ستتوسَّع حدقاتُها (بالفزع) يوماً ما! ثِقْ بذلك.

أتدري ماذا تقول تلك (العينُ) المسجَّى صاحبُها كجسرٍ خشبيٍّ بين برزخ موتِه وحياته؟! إنّها لا تقول شيئاً، فقد صمَتتْ عن نضارة الحياة، ولكنّ أسفلها ثمّةَ اصطراخٌ ينادي بكلّ العهود والأقسام (ربّ ارجعون لعلّي أعمل صالحًا فيما تركتُ)! سأحتضن أبنائي وأنصبهم على دربِك، وأقبّل زوجتي وأحترمها، سأصنع الخير، وأطلِّق الشرّ، سأُوقف معاركي الدنيئة وهمَمِي الوضيعة، ولنْ أسمح بأن أغصّ -من جشعي حتى الجشأ- بلقمة حرام ولا حلال)، سيمرّر هذا المنكوبُ على جبينِه شريطَ عمره العابثِ ليقصّ بمقصّ رقيبه الآن، والآن فقط، كلَّ المناظر الخلاعية والتافهة والمزرية التي لا تستحقّ أن تتواجد ضمن شريطه، ويُخزيه عرضُها على (أعينِ) ملأٍ محترَم، يقصّها الآن ويشطبها طمعاً أن يُحَكم ببراءته قدّامَ محكمة ضميرِه، ليكون مصدوقَ الزعم أنّه يريد الرجوع للإصلاح فعلاً والإصلاح فقط، ستبرق له بكلّ وضوحٍ -(وعينُه) مغمضةٌ- قائمةُ ما ينبغي فعلُه وما لا ينبغي، وسيجعلها هي مدوّنته الحقيقيّة بدلَ مدوّنات الفخفخة الإلكترونيّة هذه الأيّام، وسيكتشف بفطرته وبعقله غير المغطّى بسكرة الأهواء، أنّها نفسُها قائمةُ ما نادتْ به الأديان كلُّها، ليُدرك حقيقةَ (الإنسان على نفسه بصيرة)، وصحّة أنّ (الدين دين الفطرة)، وبساطة (ما حكم به العقلُ حكم به الشرع).

ثمّة فيلم عنوانه (فْلاتْ-لايْنَرْزْ FlatLiners)، وترمز لجهاز إنعاش القلب، حيث مؤشّر (الخطّ المستقيم) علامةُ توقّف القلب فالموت، خمسةُ أطبّاء -أحدُهم يكفر بالعالَم الآخر وبحسابِه وبتجسّد أعمالِه، كحال كثيرين نظريّاً، وأكثرَ منهم عمليّاً، ومنهم مشايخ دين!- يقرّر أولئك الأطبّاء تجربة اجتياز هذا (الخطّ) خطّ الموت، للقفز لثوانٍ إلى العالَم الآخر لمعاينة حسابه وأهواله، فينفتح لهم نافذةٌ تفضح شريطَ أعمالهم الماضية المزرية، وتلاحقهم بشراسة في عالمهم الآخر، حسب قانون الكون العادل بأنّ (مَن يعمل سوءاً يُجزَ به)، يقرّرون -بعدَ إنعاشهم- التصالح مع مواضيهم، أيْ قصّ المقاطِع التي كانت (وستكون) سبب شقائهم وفزعهم وخُسرانهم، كأنّ بُغيتَهم أن يُولَدوا (ولادةً جديدة)، أو بالأحرى (التوبة النصوح)، أي "الإصلاح"، أو (العودة للإعادة) وإنجاز الفروض بطريقةٍ أنجح وأسمح.

تهنئةُ (عساكم مِن عُوّاده) تحكي نيّةَ منْحِنا فرصةَ (عودتنا) الخيِّرة، وولادتنا المشرقة بآمال الإصلاح، كلمة (عيد) وحدَها ترسم بُشرى (العودة) والإنعاش، (فمِن رمضان إلى رمضان كفّارةٌ لما بينهما)، فالتائب (العائد) برمضان، هو المُستعرِضُ شريطَ حياته وخياناته وجناياته، فندمَ وحذَف المقاطعَ المزرية مِن شريط عمره، وعاهد ألا (يُعيد) تسجيلها، عاهدَ حين دعا بالغفران والخلاص من النار، وحين طلب تطهير بطنه من (لقمة) الحرام المنقلبةِ بالعالَم الآخر ناراً وزقّوماً، و(عينه) من الخيانة المنقلبة هلعًا هناك!

فزّ الممدَّدُ على سرير الإنعاش، وشهق ملء صدره، وبعد أن عانى تجربة برزخ أن يكون تافهاً أو راشداً، قرّر الصلاح، فمُنِحَ الفرصة، أقبل على أهله يحتضنهم، (عادتْ) (عينُه) تُمارس مهامّها المعهودة، اغرورقت، فزَعاً، حبّاً، انكساراً، امتناناً، إصراراً على التغيير، لمْ (تعُدْ) (العينَ) التي تشنّجتْ عندَ انهيار (لحظة الغرور).

يا مَن أنت في موتك السريري، حرّكْ (عينيك)، لألئْها ورطِّبها بالحبّ، طهِّرْها من الخيانة، و(عساكم مِن عوّاده).

وإنْ لمْ تفعَلْ، فيُحكى أنّ شخصا يُدعى "سعيد" صامَ الدهرَ كلّه! لأنّه كلّما انتهى من صيام الشهر الواجب قال له الجميع (عيدْ سعيدْ) فقام سعيد (يُعيد) الشهر! فعليه ((عيدْ سعيدْ))، وللجميع!

أ. جلال القصّاب

جمعية التجديد الثقافية الإجتماعية