من الأساليب البلاغية في الأحاديث النبوية
معمر العاني
عظمة تفوق كل عظمة وبلاغة تمتد بين الحرف والحرف نراها واضحة جلية تأخذ الألباب وتأسر القلوب وتؤثر في كل من يقرأ أو يسمع شيئا منها هي عظمة محمد e و فصاحة لسانه نراها تترك بصمة على كل ما ينطق به عليه السلام كلها ذات صدى بعيد التأثير في القلب والعقل معا.
ولمّا كان ذلك دفعتنا الرغبة إلى تلمس مواطن الجمال في عدد من أساليب البلاغة العربية في الحديث الشريف وإدراك عناصرها اللغوية البنيوية والفنية المتألقة، والحاملة لقيم نبيلة رفيعة صافية صفاء نفس قائلها، ومن هذه الأساليب:
القصص : سلك الحديث الشريف في قصصه كل ما يؤمن به من دعوة إلى الخير ، وحضِّ على البر، وتحريض على الجهاد ، وتعريف بالفساد ،وترغيب في الإحسان ، وترهيب من الطغيان وغيرها من القيم التي لم تحكَ للتسلية ، ولا للمتعة ، وإنما رويت للتربية والنصح والإرشاد .
ومثال ذلك قوله e : (( بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئراً، فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش. فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر، فملأ خفَّه ماءً، ثم أمسكه بفيه، حتى رقي فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له )) قالوا: يا رسول الله إن لنا في البهائم أجراً ؟ فقال : (( في كل كبد رطبة أجر )) .
فالقصة هنا دعت إلى الرأفة بكل حيوان أيا كان جنسه، لأنه يحمل سرا من أسرار الخلق، وهو الروح.
الأمثال : إن المتتبع للأمثال النبوية يجد فيها الإيجاز والتركيز والعمق ، ومثال ذلك ، قولهe: (( المنبت لا أرضاً قطع ، ولا ظهراً أبقى ) .
فالمنبت: المنقطع عن أصحابه في السفر، والظهر: الدابة، ويُضرب لمن يبالغ في طلب الشيء حتى يفوّته على نفسه.
ومنه : (( إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب )) .
التمثيل : وهو على أقدر على التعبير ، وسر الجمال فيه التشبيه المركب من صورتين تقاس إحداهما بالأخرى ، ومن ذلك قولهe: (( مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الفراش والجنادب يقعن فيها ، وهو يُذبُّهن عنها ، وأنا آخذ بحجوزكم عن النار ، وأنتم تتفلتون من يدي )) .
فصورة التمثيل متنوعة المشاهد، فهي تبهر العقول بالحكمة، والخيال بالصورة، والبصر بالألوان والحركات، والقلب بالمشاعر.
التصوير: وهو من وسائل التعبير عن الأفكار، وأساليب التجسيم الحسي للمعاني المجردة، ونجد ذلك في قوله عليه الصلاة والسلام (( رفقاً بالقوارير )) فصوّر النساء بأرق الأشياء فجعلهن كالقوارير المصنوعة من زجاج متى تحرك يكسر ومتى يكسر يصعب جبره.
الترغيب والترهيب:
وهما من أم الطرق المتبعة في الأحاديث النبوية لإيصال الأفكار والتأثير في العواطف، وذلك على مختلف الموضوعات التي الواردة في الأحاديث .
ومن الأحاديث التي جاءت بأسلوب الترغيب قولهe (( دع ما يُريبك إلى ما لا يريبك )).
ومن الترهيب: قوله e (( لا تختلفوا فتختلف قلوبكم )).
فاشتمل الأسلوبان هنا على الفعل المضارع المسبوق بلا الناهية وعلى فعل الأمر وكلاهما من صيغ الأمر ؟.
ومن الصور الأخرى في هذين الأسلوبين الجملة الخبرية والفعل المضارع المسبوق بلام الأمر ويصوغ الجملة أيضا بلفظ إياك ولعل ذلك يرجع إلى أن كثرة المحرمات أشنع من إغفال الواجبات ومن الترغيب قوله e : (( تؤتون الحق الذي عليكم ، وتُسألون الله الذي لكم )) .
ومن الترهيب قولهe : (( أيكم والظن فإن الظن أكذب الحديث )).