ليزا سي..
آه منها !
كاتبة أمريكية المولد و المنشأ، يقول الأمريكيون إن ثمنها صيني فقط ، و تقول هي إنها صينية القلب و الهوى ، و يثبت قلمها أن الجذور تحن إلى تربتها الأولى و إن توغلت عميقا في تربة غير مألوفة.
تشعل (سي) الشموع في ملحمتها الروائية التاريخية الجديدة ” فتيات شنغهاي” ، و تبحر في رحلة طويلة من مدينة شنغهاي مرورا بهونغ كونج ثم تحط بنا في لوس أنجليس، تخفت شموعها تارة ، و تارة أخرى تضطرم في ثنايا حكاياتها الحرائق.
صدرت الطبعة الأولى من الرواية في مايو ٢٠٠٩م ، تقع في ٣١٤ صفحة من القطع المتوسط ، و تنقسم إلى ثلاثة أجزاء رئيسية ، يتفرع كل جزء منها إلى فصول عدة. عنونت كل فصل
بمقولة مقتطعة من لسان الراوي أو من طبيعة شنغهاي أو من همهمات الحوار بين الشخصيات.
تحمل صورة الغلاف رسما مائيا لفتاتين مشرقتين من شنغهاي ، هما الأختان ماي و بيرل اللتان ترعرعتا في المدينة حتى سنة ١٩٣٧م. كانت شنغهاي باريس الشرق الأقصى في ثلاثينيات القرن الماضي حتى اجتاحها اليابانيون. تمتد أحداث الرواية على مدى عشرين عاما ( ١٩٣٧-١٩٥٧ م)، ترصد فيها سي تحولات الأختين على لسان (بيرلا) ، و تذبذب أوضاع الصين سياسيا، تتناول أحلام الهجرة و الهروب إلى أرض الفردوس الأخضر (أمريكا)، و التعايش في ظل مكان جديد ينبذ أي عنصر خارج ثقافته.
قدر (ص ٣ – ١٢٤)
الجميلات هنَّ الجميلاتُ
“نقش الكمنجات في الخاصرة”
الجميلات هنَّ الضعيفاتُ
“عرشٌ طفيفٌ بلا ذاكرة”
الجميلات هنَّ القوياتُ
“يأسٌ يضيء ولا يحترق ”
محمود درويش
بيرل و ماي ، ولدتا لعائلة غنية ، يقوم على خدمتهما سبعة من الخدم و الحشم. يملك والدهما (ريكشو) و هي العربات التي يجرها شبان فقراء أقوياء جسديا، تستخدم تلك العربات لنقل الأشخاص موفوري الحال من مكان إلى آخر في أنحاء شنغهاي. صنع والدهما ثروته بنفسه في مدينة يتنافس من يقطن فيها و من يقطن خارجها على فرصها. تعيشان حياة غربية صرفة و لا تكترثان بالتقاليد الصينية البائدة.
تكبر بيرلا أختها ماي بثلاثة أعوام و تبلغ ٢١ عاما و قد ولدت في سنة التنين، ذات مؤهل جامعي و تعد الأذكى، الأكثر تحملا للمسئولية ، و الأكثر حدة ، تتحدث الانجليزية بلكنة بريطانية ، كما تتقن لهجة (وو) الخاصة بأهل شنغهاي و لهجة (زي ياب) و التي تعود إلى لغة الكانتونيز. أما ماي فقد ولدت في سنة الحمل ، وديعة، تحتاج إلى الرعاية ، و هي الأجمل شكلا و الأقرب إلى القلب و الأقل ذكاء ، أنهت دراستها الثانوية فقط ، تتحدث الانجليزية و لا تتقن إلا لهجة (وو).
كلتاهما منسجمتان جدا في طريقة العيش المرفه و التعلق بالتفاهات ، تنحدران من الطبقة الصينية البرجوازية التي لا تجد حرجا في تبعيتها لكل ما هو غربي من ملبس و مأكل و مشرب و حتى في انتقاء الأسماء للبنين و البنات. فتاتان متحررتان في القرن العشرين تعيشان في مدينة مختلطة منفتحة عالميا (كوزموبوليتان ). ستمرحان ، ستحب كل واحدة كما يحلو لها و من ثم سترتبط بمن يختاره القلب، تماما كما يجدر بالفتيات العصريات.
تعملان كعارضات للرسامين المتخصصين في الإعلانات التجارية ، و تتصدر صورهما الرزنامات السنوية التي يتم بيعها في الأسواق ، يقوم برسمهما أفضل رسامي شنغهاي. تذهبان بعد جلسات الرسم ليلا إلى كازانوفا للقاء الأصدقاء المختلفين من أمريكيين و صينيين و أوروبيين. و من ثم تذهب المجموعة إلى أحد مقاهي المقاطعة الدولية حيث يقطن الغربيون ، و حيث لا يسمح للصينيين بدخولها إلا برفقة الأجانب. و هناك يدور نقاش ساخن :
من يمتلك شنغهاي؟ الأمريكيون ، اليابانيون ، الانجليز أم الفرنسيون ؟
تقول بيرل، ” أنا و ماي لا نهتم لتلك الأحاديث، لا نكترث بقوانينهم التي لا تسمح لنا بدخول أنديتهم ، و لا بقوانين محاكمهم التي لا تقبل شهادة صيني ضد أجنبي .” ص١٨
هل تهتمان لأي شيء، هل تعبآن باعتراض والديهما على سلوكهما المستهتر؟
طبعا لا.. و لم و هما جميلتان ؟
إنهما من فتيات شنغهاي !
” في الحصار، تكونُ الحياةُ هِيَ الوقتُ
بين تذكُّرِ أَوَّلها
و نسيانِ آخرِها”
محمود درويش
القدر كالبحر الهادر ، لا يترك للقارب المتبختر على صفحته أن يذرع الموج منتصرا في كل مرة.
تنقلب حياة الفتاتين رأسا على عقب حين يدبر لهما والدهما زواجا تقليديا من شابين صينيين يحملان الجنسية الأمريكية و يقال إن والد الشابين العجوز ( لوي) قد ولد في سان فرانسيسكو و لكنه من أصل صيني. تكتشف الفتاتان بأن والدهما قد خسر تجارته في لعب القمار و أن العائلة معرضة للتشرد إن لم تتم تلك الصفقة ، و تدركان حينها بأنه تم تزويجهما كما تزوج الفتيات في قرى الصين النائية. يأتي العريسان لزيارة الفتاتين في مقابلة خاطفة. (بيرلا ) تتزوج من (سام )، و (ماي) تتزوج من (فيرنون) الذي يصغرها بعدة أعوام ، تقام مراسم الزواج سريعا و ينتهي الأمر بليلة واحدة ، تبلي فيها بيرلا بلاء حسنا ، فيما تخفق ماي في وظيفتها كزوجة. يقوم العجوز ( لوي ) والد العريسين بأخذ ملابس الفتاتين معه قبل السفر ، و يحضر (سام) بطاقتي السفر إلى هونغ كونغ حيث يتم اللقاء بالعائلة الجديدة ليبحر الجميع إلى سان فرانسيسكو و من ثم إلى لوس أنجليس بعد المرور بدائرة الهجرة. يوصي (سام) زوجته (بيرلا) بأن تقرأ كتاب الإرشادات الذي يتحدث عن عائلة العجوز ( لوي) جيدا قبل الوصول إلى الأراضي الأمريكية حتى لا تحدث أية متاعب. ينظر سام إلى بيرلا و يقول ” أعتذر عن كل شيء، آسف لما حدث”. و قبل أن يمضي ، يسأله والدها ، ” هل تريد أن تركب ريكشو؟” فيجيبه سام ، ” لا ، سأمشي.” ص٣٦
يدير سام ظهره و يمضي ، و تدير بيرلا ظهرها و تلقي بالبطاقات داخل سلة القمامة. يبحر مركب سام و والده و أخيه إلى بلاد الفردوس الأخضر دون الفتاتين.
تجتاح اليابان شنغهاي و تبدأ القنابل بالهطول على باريس آسيا. يفقد والد بيرلا و ماي بعد خروجه من المنزل و لا يعرف مصيره، و تبقى الفتاتان بصحبة أمهما التي تقرر أن تهرب بهما إلى مقاطعة والدهما حيث تضمن حمايتهما من عصابات شنغهاي التي تعمل لحساب المافيا و رجال الأعمال الذين يمارسون إرهابهم على المتملصين من الدفع كوالدها. تفاجئهما والدتهما بأنها احتفظت ببطاقتي السفر التي ألقتها بيرلا في سلة المهملات ، و توصيهما باستخدامهما كخطة بديلة إن لم تنجح الخطة الأولى ، تخرج أمهما مهرها الذي قبضته يوم زواجها بأبيهما و الذي أخفته عن أعين الجميع و كنزته لاستخدامه في الظروف الطارئة.
أثناء الرحلة البرية ، يجتاح اليابانيون الصين أرضا و جوا و بحرا ، و تحترق الصين بأكملها. تتعرض بيرلا و أمها لاغتصاب جماعي من الجنود اليابانيين ، تموت الأم و تعمل ماي على إنقاذ حياة بيرلا ، لتجد بيرلا نفسها في هونغ كونغ . و بعد استشفاء جسدي طويل و ندوب روحية مستعصية ، تبحر الأختان على ظهر سفينة إلى سان فرانسيسكو.
تطرقت (سي) في هذا الجزء إلى كل ما يتعلق بشنغهاي في عشرينيات القرن الماضي من معمارها إلى طبيعة ساكنيها ، إلى طعامها ، باعتها ، أزقتها ، نوعية الإعلانات التجارية فيها ، أزيائها، متسوليها ، لغاتها. و عرضت كيف يتباين الفقر و الغنى بين أحيائها و كيف ينظر البرجوازيون إلى الطبقة الكادحة. هناك مقطع تصف فيه رحلة الفتاتين في أحياء شنغهاي الغربية و شنغهاي الصينية القديمة ، و كيف مرتا بمولود ميت على قارعة الطريق و بعاهرات و مشردين، و كأن الموت و الجوع جزءان لا يتجزآن من صخب الحياة و ترفها في تلك المدينة. تصف (سي) سطحية العلاقة بين الفتاتين و أمهما و كيف تنظران إليها على أنها امرأة رجعية رغم الحب الوطيد، و ترصد تحول العلاقة بين الأطراف الثلاثة حين يجتاح اليابانيون مدينتهن. المواقف الأخيرة في علاقة بيرلا بأمها قبل الاغتصاب و أثناءه تحمل الكثير من المشاعر الإنسانية .
كل ذلك حدث في شنغهاي ؛ مدينة السحر و البريق التي لها ظلماتها و قسوتها و نشيجها!
على الجسر، في بلد آخر، قال لي:
يعْرَف الغرباء من النَّظَر المتقطّع في الماء،
أو يعْرَفون من الانطواء وتأتأة المشي
فابن البلاد يسير إلى هدف واضحِ
مستقيمَ الخطى ، والغريب يدور على نفسه حائرا
محمود درويش
شيء ما لا يذهب، هكذا تفكر بيرل حين ترسو السفينة على شواطئ سان فرانسيسكو، حنين و غضب ، وحشة و تشرد و حياة مجهولة. يمر المهاجرون بمنطقة تسمى (آنجل آيلاند) حيث يتم التحقيق مع النازحين من الصين و الذين يحملون عقد زواج لأشخاص صينيين يحملون الإقامة الأمريكية و ينحدرون من آباء صينيين ولدوا في أمريكا. ترصد (سي) في هذا الجزء معاناة النازحين الصينيين آنذاك، و كيف كانت معاملتهم تختلف عن النازحين الأوروبيين في كل شيء ؛ مكان الإقامة ، نوع الطعام ، طريقة التحقيق و سرعة تسهيل المعاملات. كما تسهب في أوضاع اللاجئين الصينيين ، و طريقة تزوير أوراقهم. تكتشف بيرلا أن بعض الصينيين الأغنياء يقومون باستقدام شبان صينيين لا يرتبطون بهم بيولوجيا على أنهم أبناؤهم الذين من صلبهم و الذين لم يولدوا في الولايات المتحدة بل في الصين ، يدفع هؤلاء الشباب ثمنا باهظا بعد مجيئهم إلى الولايات المتحدة حيث يتم تشغيلهم لحساب هؤلاء الأغنياء حتى يسدوا ديونهم ، و يبقى الارتباط شكليا بعائلة الرجل الذي استجلبهم ، بعضهم يتم تبنيه بشكل حقيقي حتى يقوم على خدمة الرجل الغني و زوجته و عائلته في عجزهم ، و حتى يقدم فروض الطاعة بعد وفاتهم.
لا تمضي الأيام بسهولة في آنجل آيلاند ، فأجوبة بيرل تختلف عن أجوبة ماي في التحقيق الانفرادي ، لتكتشف بيرل بأن ماي تتعمد اختلاق أجوبة مخالفة. تحدث مواجهة بين الشقيقتين تعترف فيها ماي بحملها من رجل مجهول في الصين قبل زواجهما من أبناء عائلة لوي بأسابيع قليلة و تطلب من بيرلا بأن تنتظر حتى تتم الولادة ، و بذلك يحصل المولود على الجنسية الأمريكية مباشرة دون أن يتمكن جهاز التحقيق من إعادتهما إلى الصين. كما تطلب من بيرل بأن تدعي بأن المولود لها لأنها تزوجت من سام فعليا ، أما هي و فيرنون فلم يحدث شيء بينهما. تذكر ماي أختها بأنها لن تستطيع الإنجاب مرة أخرى بعد كل التمزقات التي أصابتها بفعل الاغتصاب و التشوهات التي نتجت عن ذلك. عرض مربك ، لكن ماي محقة ، المرأة التي لا تنجب الولد لأهل زوجها هي (ين فو) أي امرأة بمنزلة خادمة !
تضع ماي حملها ، و يسجل المولود على اسم بيرل ، فتصبح الخالة أما و الأم خالة، و يبقى هذا السر مطويا إلى الأبد ، أما المولود فليس ذكرا كما يطلب الصينيون و يعشقون ، بل أنثى ، تسميها ماي اسما مختلفا؛ (جوي) أي مرح.
فالطفلة في النهاية طفلة أمريكية !
حظ (ص ١٢٧-١٩٢)
” شكرا للأشواك التي علمتني الكثير”
طاغور
تنتقل الأختان من (آنجل آيلاند) إلى لوس أنجليس ، و بدلا من أن تجدا قصرا قريبا من هوليود ، ستجدان نفسيهما تقطنان شقة صغيرة مع العم العجوز لوي و زوجته الرجعية جدا جدا و سام و فيرنون ، في مكان يسمى ب ” الضاحية الصينية”. تبدأ معركة التعايش مع وسط جديد ، و غموض شديد ، و فقر عام يهيمن على جميع أبناء الضاحية. و هنا تبدأ بيرلا بالتساؤل : من هو سام ؟ و من يكون فيرنون؟ وفي أي بلد ولد العجوز لوي و هو لا يتقن من الانجليزية شيئا ؟ و من أي سماء سقطوا عليهم؟
لا يخلو هذا الجزء من بعض الطرافة، فبين طباع فتيات شنغهاي المدللات و مملكة العم لوي فوارق شاسعة. فالكيروسين يجهز ليلا لطرد البق !
أجل ، بق.
الطعام المتواضع، الفرش البخس، طريقة طبخ الطعام، نصائح (ين ين)الجدة زوجة لوي ، أقمشة الأزياء، طبيعة الأفكار ، لغة ال( زي ياب) التي يتحدث بها أفراد العائلة و لا يتقنون غيرها، كلها علامات لحاضر لا يبشر بخير. أما اسم جوي فلا يعجب العجوز لوي ، إنه يريد اسما صينيا ك (بان دي أو تشاو دي ) أي البنت التي يتبعها ولد ، أو الأمنية بمجيء أخ !
صعقة تصيب ماي و بيرلا حين يتلفظ العجوز بذلك .
(حقا وأد البنات أرحم من اسم كهذا)
تتكرر مواقف شتى تكتشف الفتاتان من خلالها بأنهما بيعتا للعم لوي لولادة الأحفاد ، و بأنهما مدينتان له ، و بأنهما لا تحتكمان على أي مال حتى تسدا دينهما ، و بأن وجودهما في أمريكا مرتبط بأوراق هذا العجوز ، و بأن كل من يسكن الضاحية الصينية ليس إلا لاجئا صينيا ، و بأن العجوز لوي يبدو غنيا في الصين و لكنه فقير في أمريكا ، و بأن شنغهاي مدينة يحيا فيها الفقراء و الأغنياء معا، لكن لوس أنجليس مدينة ال (لو فان) البيض و كل من لا يملك هذا العرق يسكن في القاع !
كل تلك الأمور تجعل بيرلا تفكر في شيء واحد؛ كيف تخطط لكي تهرب هي و أختها و ابنتها من تلك الورطة؟
“حين يشتري الأرز، يضعه في قبعته
حين يشتري خشب الموقد، يحتويه بذراعيه
كوخه من قش
و مصباحه الوحيد ، قمر منير في السماء”
فتى الريكشو ص ١٦٧
تبدأ الفتاتان بالعمل في دكاكين العجوز لوي ، بيرلا تعمل مع سام في المقهى ، و ماي تعمل مع العجوز في دكان التحف الرخيصة. و بقية أبناء العم لوي الذين يقطنون خارج شقة العائلة يعملون في بقية الدكانين الصغيرة في الضاحية الصينية (تشينا تاون).
توجد عربات ريكشو تابعة للضاحية الصينية و تستخدم للسواح كوسيلة ترفيه. يطلب العم لوي من سام بأن يقوم بجرها ، و يرفض سام ذلك رفضا قاطعا . تستغرب بيرلا موقفه ، لكنها تلاحظ بأنه يرفض ذلك مرارا و تكرارا. تكون العلاقة بين سام و بيرلا رسمية جدا. فبيرلا لا تريد زوجا و لا رجلا و لا ترغب بأي تواصل جسدي مع زوجها بعدما حدث لها في الصين. و سام يتعامل معها بأدب جم و لا يطالبها بحقه الشرعي كما يفعل الأزواج الصينيون. كما أنه دائم الاعتذار لها دون سبب تستطيع فهمه ، “آسف على كل ما حصل.” علاقته جافة جدا بوالديه ، و العائلة كلها تحتفي بفرنون و الذي يبدو لها طفلا في جسم رجل. تحدث معركة كلامية بلهجة الزي ياب بين سام و والده العجوز لوي.
” أنت ابني و عليك طاعتي، لقد عهدت بكل شيء إليك ، قم بجر الريكشو!”
و يصر سام، ” لا ! ”
ينهال العجوز عليه ركلا و يستقبل سام الإهانة بصمت مطبق.
و هنا ينفجر العجوز قائلا ، ” كنت فتى الريكشو في الصين، و ولدت في سنة الثور ، من أجل ذلك جئت بك إلى هنا ، و عليك أن تقوم بعملك !” ص ١٦٤
يعد هذا الفصل مفصليا و جوهريا حيث تبلغ الرواية ذروتها. يتواجه سام و بيرلا، و يصارحها بحقيقة وجوده، فسام ابن لمزارع صيني ، ذهب هو و والده و أخوه إلى شنغهاي و عملوا بجر عربات الريكشو، قضى والده و أخوه من الجوع ، و اجتاح اليابانيون قريتهم فلم يعد يدري ماذا حل ببقية عائلته. عمل بجر الريكشو ، و من ثم تم بيع الريكشو لعصابات شنغهاي التي قامت بتدبير بيعه للعجوز لوي ، كان يعرف بأنها من جميلات شنغهاي اللاتي تعلق صورهن في منازل الجميع. يخبر بيرلا بأنه منذ جاء إلى أمريكا و هو يعمل و يعطي ماله للعجوز لوي لكي يسد دينه و دينها أيضا، و بأنه الابن الذي يعول عليه العجوز لوي لكي يقوم برعايته هو و زوجته (ين ين)، و رغم أن فرنون هو فعلا ابن العجوز لوي الذي من صلبه إلا أن فرنون مصاب بتخلف عقلي بسيط ، و يحتاج إلى رعاية. أما الجميلتان ماي و بيرلا فهما مشروع الزوجات اللاتي سيأتين بالأولاد الذكور حتى يستمر ذكر آل لوي.
تتفهم بيرلا مشاعره ، و تشعر برابطة مختلفة بينهما لا تقوم على الحسب و النسب و الجاه و العز، رابطة معجونة بذكريات مؤلمة تشدهما إلى شنغهاي ، معقودة بحاضر واحد يبقيهما في لوس أنجليس. و كما قال لها سام عن مبدئه في الحياة ، ” علي أن أتجرع المر كي أحصل على الذهب. ” ص١٦٨
ستحب بيرلا سام و ستكون زوجة وفية و أما حنونة، أما ماي فلن تعبأ بحقيقة فرنون و لن تنجب منه، ستنكب على العمل و ستهتم بجمالها كسابق عهدها ، ستحاول أن تخترق هوليود ، لكن هيهات ، فكيف لصينية أن تأخذ دورا أساسيا في هوليود البيضاء ؟
تتطرق (سي) في هذا الجزء من الرواية إلى تاريخ الضاحية الصينية المعروفة كمنطقة تجارية لمن يذهب إلى مدينة لوس أنجليس، و أحب أن أنوه بأنه توجد في أمريكا عدة قرى صينية في نيويورك و بوسطن و سان فرانسيسكو ، و تعد من المعالم التجارية و السياحية التي يزورها من يأتي إلى أمريكا. تسهب سي في كيفية نشأتها و تطورها ، و تتطرق إلى بعض الشخوص المعروفين في ذلك الزمن ، كما تعطي نبذة عن المكان و جغرافيته و تفاصيله في أربعينيات القرن الماضي، و تخبرنا عن فترات الكساد و الانحطاط الاقتصادي ، و الحرائق التي نشبت في ذلك المكان. حين تتحدث سي عن الضاحية الصينية فهي تعرف أكثر من غيرها عن المحيط ، فجدها لأبيها ، و عائلتها من قاطني ذلك المكان في لوس أنجليس في الواقع المعاش!
هل ستقف الأمور عند هذا الحد ؟ لا ، فلدى (ليزا سي) الكثير الكثير !
مصير(ص١٩٥- ٣٠٩ )
“فرحا بشيء ما خفيٍّ، كنْت أَحتضن
الصباح بقوَّة الإنشاد، أَمشي واثقا
بخطايَ، أَمشي واثقا برؤايَ، وَحْي ما
يناديني: تعال! ”
محمود درويش
تتطرق ليزا سي في هذا الجزء إلى توطد علاقة ماي و بيرلا بالعائلة و بالعجوز لوي، و مع الوقت سيصبح العم و الأب لوي، حتى (ين ين) الرجعية المتخلفة ستصبح أما حنونة خصوصا لبيرلا. تنكشف معظم الأسرار للجميع إلا سر الأختين، و تمر العائلة بمحن عصيبة، لكنها تتعلم كيف تحب بعضها و تتعايش معا، يصبح الجميع لحمة واحدة في أرض لا تتقبل لونا مختلفا ، و تبقى الصين دوما الوطن الأم الذي يحن إليه الجميع. تتطور علاقة الأختين و تكون بين شد و جذب و مقارنات و غيرة ، كما يحدث دائما بين الأخوات ، لكنهما في النهاية الأقرب و الأحب إلى بعضهما.
تقع الحرب العالمية الثانية، تهزم اليابان و تخرج من الصين ، لكن الصين ستدخل في نزاعاتها القومية و ستصبح دولة شيوعية. تلقي تلك الشيوعية بظلالها على صين لوس أنجليس ، فكل صيني في نظر المخابرات الأمريكية هو شيوعي متواطئ . تبدأ حملة التفتيش عن الأوراق الثبوتية للصينيين ، و عن حقيقة ولادتهم في أمريكا ، و يبدأ النبش عن الحوالات المادية التي تذهب إلى الصين و عن مصادرها ، و كما هو متوقع ، تقع العائلة بين فكي دائرة الهجرة و الإف بي آي ، و يبدأ مسلسل سحب الجنسية و تهجير الصينيين إلى موطنهم الأصلي.
ثمن باهظ للغربة ، ثمن فادح للفقر ، ثمن قاتل للأحلام ، يدفعه سام ، و تحتمله بيرلا و ماي لتنتهي بنا الرواية نهاية حزينة عاصفة.
و كما تقول بيرلا و هي تستذكر بيتا من الشعر،
” حتى أجمل الأقمار سطوعا ،تشوبه غيمة حزن !” ص ١٩٢
خلاصة
لا تملك ليزا سي اللغة الأجمل و لا البناء الروائي المختلف، فهي كلاسيكية في بنائها إلى أبعد حد. لكنها تملك ذاكرة مكانية خلابة ، و ثقافة تاريخية واسعة عن الصين ، تريق الانفعالات الإنسانية و تسبكها بمراس شديد الشفافية ، بالغ العمق. تحتل المرأة الصينية همها الروائي الأول ، و دائما ما تنبش في علاقة المرأة بالمرأة. لها نفس طويل معجون بدأب الباحثين اللحوحين ، تصعد بشخوصها و تهبط ، و رغم أنها عادة ما ترسم ملامحهم في الصفحات الأولى من رواياتها إلا أنها تفاجئنا دوما بانعطفاتهم. لا يوجد فيهم شر مطلق أو خير مرسل ، فهم دائما يبحثون عن الحب و الأمان في منظومة حياتية مراوغة بالغة القسوة.
أحب القراء روايتها الجديدة لكن المأخذ الوحيد كان على نهايتها المفتوحة. و أجد نفسي أوافق على هذا المأخذ ، لا لأن النهاية مفتوحة بل لأنها جنحت إلى الدراما أكثر من الواقع في رواية واقعية جدا. و قد تفاجئنا ليزا سي بجزء ثان للرواية. تنفع روايتها بأن تنفذ دراميا إلى فيلم يصلح لجائزة الأوسكار إن رصدت له الميزانية الملائمة. لكن هل تكترث هوليود بفيلم ينقد سياسة الأمريكيين و أبطاله صينيون أيضا ؟ لا أدري.
كاتبة مميزة ، لا يخرج القارئ من قراءتها بمتعة أدبية فقط و إنما بمتعة معرفية و سياحية و لغوية و تاريخية. لا أستغرب هذا فهي قد خرجت من رحم الضاحية الصينية !
http://www.latimes.com/



