ان الابتكار أساسه عين تبصر و تلاحظ و تدقّق في كلّ ما يحيطها و تدعو الدّماغ إلى التفكير و التحليل .

       فهل فكّرت أخي القارئ  مرّة في الأشكال الهندسية التي تدرسها -أو درستها- و ما علاقتها بمجالات مختلفة من حياتنا ؟ أم أنّك لم تتعوّد الرّبط بين برامج مختلف الموادّ المقدّمة إليك داخل القسم وبين حياتك خارجه ؟ وهذا على ما أظنّ يجعلك لاتعي قيمة ما تدرس وتفقد بذلك شهيّة المعرفة فسنحاول معا اليوم تجربة التفكير والتأمّل في عالم الأشكال الهندسية  - وارجو من الله أن نوفّق في ذلك – فتعال نبدأ

      إنّ الإنسان حبيس الزّمان و المكان و لا يمكنه الانفلات منهما و هذا قدره و هكذا خلقه الله تعالى . و كلّ مكان يخضع إلى شكل إذن الإنسان مادّة متشكلة يعيش داخل أشكال لا محدودة و هذا البحث محاولة متواضعة لتبيّن :

1-               مفهوم الشّكل الهندسي

2-               بعض وظائف الأشكال الهندسية  و أهمّيتها في الحياة العلمية و في الفنون التشكيلية

3-               دلالات بعض الأشكال الهندسية وأبعادها في الدّين

و ذلك بعيدا عن القواعد و النظريات الرّياضية التي تدرس المساحات والقياسات و المسافات و لكنّنا سنذهب أبعد من ذلك لنفهم المعاني والرّموز و الجماليات

1-              مفهوم الشّكل الهندسي:

    Type de figure ou de volume constitué par les contours (dune chose concrète) encarta 2005

 في اللغة :الشّكل هو  هيأة الشيء و صورته

يقول ابن سينا :"مثل إدراك الشّاة لصورة الذئب أعني شكله و هيأته " النّجاة 264

 يقول ابن منظور في لسان العرب ج7 :" تَشكّل الشّيء تصوّر "

و في معجم الفلسفة الصّادر عن اللجنة القومية للفلسفة1977 "الشكل في علم الهندسة : الشّكل الهندسي هيأة للجسم أو السّطح محدودة بحدّ واحد كالدّائرة أو بحدود كثيرة كالمكعّب و لا يشترط في تصوّر الشّكل أن تكون حدوده محدودة العدد متناهية العظم"

   إذن الشكل مرتبط بالمادّة و المادّة هي الحياة والخروج منها دخول في الموت والمجهول فهي في كلّ حالاتها (الصلبة والسّائلةو الغازية) لا بدّ لها من شكل أي صورة و الكون موادّ أي اشكال و صور وفي إدراكها و تأمّلها  عبادة وطاعة فقد قال الله جلّ وعلا (إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل و النّهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم و يتفكّرون في خلق السموات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النّار ) 191آل عمران فالدعوة صريحةلأصحاب العقول إلى التفكّر  فبه ندرك عظمة خالقنا وبه نصل إلى رضاه .

وقد حاول الإنسان تسمية أهمّ هذه الأشكال ولكنّه عجز عن تسميتها جميعها لأنّها تدخل في إطار اللامحدود . و قد استفاد منها و اقتبس ما يلبي حاجياته اليومية .  فتعال نتجوّل بالعين حولنا لنستمتع بالأشكال الهندسية المتقنة والطريفة  في الطبيعة وفي أعمال الإنسان

 

 

    الشكل في الطبيعة و  بعض مجالات استغلال الإنسان له

المثلّث

     

               

المعمار / الأسلحة /أدوات البناء / أدوات الفلاحة

المخروط + الشكل الحلزوني

           

                                  

 

 

 

النّجم الخماسي :

  

السداسي الأضلاع

              

البيضوي

        

 

المعمار +  الرّياضة (كرة الرقبي ) + صناعة الأثاث + الأواني + الحليّ

    

الخطّ الحلزوني +  المعيّن + متعدّد الأضلاع

       

 صناعة  الشباك  للصيد البحري و البرّي  +رياضة +  النسيج  / صناعة الأسيجة  / الحلي

             

 

 

الدائرة + القباب + الأقواس

شكّلت  الدائرة  أساس المخترعات البشرية إلى اليوم  فمنها كانت العجلة  التي دونها يتوقّف العالم

           

 

    

الأشكال الهندسية و الفن التشكيلي :  

كلّما نظرت إلى المساجد المعروفة ينتابني إحساس بقدرة الفنّان المسلم الذي وجد فنّه محاطا بفتاوى تحرّم تجسيم البشر  والحيوانات على استغلال الأشكال المجرّدة  للتعبير  عن مشاعره و أفكاره و  رؤيته للكون  و لخلق جماليات للفضاء كما مكّنه ذلك من تجاوز الدنيوي لما هو  روحي .

          مؤرّخ الفنّ الفرنسي   Focillon, Henri (1881-1943),.  ولقد كان "هنري فوسيون"

دقيق التعبير عميق الملاحظة حينما قال:
"
ما أخال شيئا يمكنه ان يجرّد الحياة من ثوبها الظاهر وينقلنا الى مضمونها الدفين مثل التشكيلات الهندسية للزخارف الأسلامية ، فليست هذه التشكيلات سوى ثمرة لتفكير قائم على حساب دقيق قد يتحول الى نوع من الرسوم البيانة لأفكار فلسفية ومعان روحية ، غير أنه ينبغي الا يفوتنا أنه خلال هذا الأطار التجريدي تنطلق حياة متدفقة عبر الخطوط فتؤلف بينها تكوينات تتكاثر وتتزايد ، متفرقة مرة ومجتمعه مرات وكأن هناك روحا هائمة هي التي تصلح لأكثر من تأويل يتوقف على مايصوب عليه المرء نظره ويتأمله منها وجميعها تخفى وتكشف في انواحد عن سر ماتتضمنه من امكانات وطاقات بلا حدود".

ففن الزخرفة فن قديم قدم الإنسان إلا أن الفن الإسلامي أعطى لهذا اللون من الفن كينونة فحور الأشكال وجردها لإحداث الحركة التي تعطي طابع الاستمرارية وتوخي بلا نهائية الأشكال المتكررة لتحقيق الانسيابية.
وبتأثير التحريم على فن (النحت والتصوير) اتجه الفن الإسلامي نحو (الزخرفة) فأنشأ زخارف قائمة بذاتها وزخارف تحتويها الأشكال.
والزخرفة الإسلامية عبارة عن وحدات هندسية أو قل إنها وحدات رياضية يراد بها التفكير الرياضي للوصول لحقيقة لا تتعلق بمكان معين ولا بزمان معين، فحقيقة المثلث أو المربع أو الدائرة تظل حقيقة عقلية لتصديقها للمعاني العقلية في تجردها وانطلاقها.
وقد أخذ الفنان المسلم من الطبيعة من شجيراتها و
أوراقها وأزهارها وحيواناتها بعد تحويرها لتعطي الحركة الداخلية في تداخل الأشكال الهندسية فتدرك العين تلك الحركة من خلال الخطوط المتداخلة وتلك الموسيقى الصادرة عن الأشياء تعبر عنها الحركة الزمانية التي تمثل الديمومة والاستمرارية في حركاتها اللانهائية.
وليس الفن الإبداعي براعة في تصوير المناظر بالمحاكاة القائمة على الدقة والمقدرة على ايجاد الصلة بين العين والأشياء فقط، بل الإبداع الفني الذي يصل حد الروعة الجمالية فليس الفن في نقل ما في الطبيعة فقط بل
هو البحث عن طبيعة الأشياء.
وقد تميزت الزخرفة الإسلامية بجوانب تكمن في العلاقة القائمة بين الوحدات الزخرفية المتكررة والمتنوعة في تكاملها الهندسي واتساقها الفني فالخطوط الهندسية والنظرة الرياضية لعالم الأشياء هو تجريد ذهني للجزئي ليصبح كلياً، ولهذا أمكن للوحدات الهندسية المتناهية لتكوين أشكال لا نهائية وبهذا يلتقي فن الأرابسك مع الفن التجريدي في مجال الانطلاق للتعبير عن المطلق.

فهي لغة تشكيلية و كاللغة بها مفردات عديدة  ( دائرة – مثلّث – مربّع ...) لها وحدها معان و أن اجتمعت في مركّبات أو جمل أضافت لمعانيها الأولى معاني جديدة  و لكّل فنّان أسلوبه الخاص كما هو لكلّ أديب أسلوبه في صياغة ألفاظه و جمله و نصوصه فتكون القصّة أو  الرّواية او المسرحية و فيما يلي نرى بض هذه التكوينات لنشعر بإيقاعها و نعي أبعادها

التكرار + الانسيابية

                

 

التكرار + التداخل + التناظر + التدرّج في الأحجام + انسجام أشكال مختلفة

              

 

 

                            

      

 

  حاول أن ترسم  مثل هذه الأشكال و أن تجمعها جمعا جديدا خاصّا بك و سترى أنّك قادر على خلق صور و تشكيلات جميلة مثل :