حالة إنسانية من غزة تخابر ضمائر الشرفاء
أنا فلان بت فلان ما هنت يوما في بلدي وهنت وأهنت اليوم، أنا من لم أجوع يوما واتلوي اليوم جوعا والموت بات يهددني يهدد أطفالي يهدد أقربائي يهدد جيراني، أنا من اجتاح الفقر بيته وحارته ومن ثم بلده، أنا من دمر الاحتلال منزلي وبات بيتي على حافة الشارع، أنا من هجم الاحتلال على بيته ومسكنه رغم عدم وجود أي مقاوم وأي مطلوب لهم فيه، أنا المواطن الذي بات يحفر الصخر عله يستر نفسه من الحفر إلا أن الحفر عدو قوي لا يكل ولا يمل، أنا ابن المنطقة الحدودية في غزة التي أعلنت إسرائيل أنها مستهدفة وكل من يقف على الأرض فيها لا بد وان يدفن تحت الثرى فالبشر والشجر والحجر والماشية كما الطيور إضافة إلى المنازل هي غذاء ذاك البلدوزر وتلك الجرافة العمياء التي يقودها أهوج لا يسمع الصريخ ولا يرى الأحمر فقمة متعته أن يرى ذاك الواقف يهبط.
أنا ابن غزة ابن الرمال ابن البريج ابن دير البلح ابن خانيونس، من خسر كل ما يميز البشر عن الحجر من افقده الظلم كرامته بعد ماله ونفسه، أنا من بت اسأل الناس النجدة اسأل الضمائر الحية في العالم النصرة اسأل الرؤساء فك الحصار أسال المسئولين التعاطف، متمنيا على كل مقتدر وبحسب قدرته بذل الجهد لنجدة أهالي قطاع غزة.
غزة تتألم فيوما تعاني الظلمة ويوما تعاني نقص المواد الغذائية الأساسية إضافة إلى انعدام مواد البناء في ظل الهدم المستمر، فكيف لي أن أغلق بابي على أسرتي وقد اقتلعته تلك الآلة الإسرائيلية العمياء؟ كيف اطعم أبنائي وقد طال الإغلاق والحصار ولسوء الحظ توقفت منظمة الانوروا عن تقديم خدماتها؟ لمن الجأ بعد رب العالمين؟.
يا ذوي الضمائر الحية غزة أكثر البقع في العالم اكتظاظا في السكان وأكثرها معاناة، غزة من عانت الويلات وتعانيها جراء ظلم الاحتلال وبؤس الاقتتال ونتائجه، غزة باكية شاكية بلا سامع أو مجيب، ولا يغرنكم إعلان البعض أن غزة حرة فغزة محتلة ومحاصرة ومقتربة من الموت في أي لحظة، لا يغرنكم الادعاءات الصادرة من هنا وهناك أننا في أحسن حال وننعم بأمن وأمان فهذه ادعاءات لا تمت للحقيقة بصلة، ولولا الخوف عليكم ذوي الضمائر لقلنا تفضلوا وزورونا لكن في زيارتكم خيبة لكم مما سترونه من بؤس وألم وجوع وضياع وبكاء وشتات وحاجة بل عوز،، هذا إن تمكنتم الدخول أصلا فنحن في اسر مغلق ومحكم الإغلاق.
امة العرب امة المسلمين دول العالم المتحضر نموت كل يوم ونطلب النجدة كل لحظة فلما لا تستمعون لندائنا اولسنا شعب عاش النكبة واحتل وفي ذكرى النكبة اجتاحته النكبة ساحتنا كشفت للموت فلما لا ترفعون الصوت فانتم الأحرار ونحن الأسرى؟ انتم المشاهدين والمراقبين ونحن من تحت الموت قابعين.
هذه حقيقة الوضع الإنساني في غزة هاشم وقد يكون وصف المأساة اقل بكثير من الواقع، فلعل المراقب يرى أن الناس يعيشون متذارين من الموت بالموت، ويجابهون الفقر بالجوع، ويبنون بدل بيوتهم المهدمة خيام دون أن تمد لهم يد عون حقيقية قادرة على رفع الظلم عنهم، وبات الإعلام في غزة لا يذكر إلا الموت والعوز حينا ورفع فئة معينة حينا آخر، فالشعب بأكثريته يموت.
نتمنى لأهلنا في غزة الفرج القريب والنصرة على الفقر العدو الأول الذي يقلق مضاجعهم، فهَم القضية الأم يحتضر لصالح الفقر المفتعل بفعل الحصار والبشر، ونتمنى على من يحكم ساحة غزة الآن النظر إلى ما يعانيه أبناء العامة فلم تعد المصيبة مصيبة كرسي أو قبول عالمي فقد باتت مصيبة أرواح شعب بأكمله فان بقي الحال هكذا ماذا ستحكون وبمن ستتحكمون فلما لا تتعقلون وتعلنون الوحدة، لما لا تكون اللحمة الفلسطينية هي السبيل لإنقاذ الأبرياء، لما لا تمارس الديمقراطية التي يتغنى فيها كل من أراد من وراءها شيء بأسلوب بعيد عن الشخصنة، فوالله لا يكمن الضعف في الوحدة والنظر إلى عموم وهموم الناس وإنما الفقر والضعف الحقيقي في حكم الإنسان لروح أخيه الإنسان والتحكم بها واضعا إياها يوما على مقصلة مذبح الفقر ومعززا قوة آلة الحرب الاحتفالية، هنا الضعف، أما القوة فتكمن في إنقاذ الأرواح أي كان الثمن فلعنة الله على المناصب لقاء موت الأبرياء أو قتلهم أو تركهم عراة جراء بطش آلة الحرب.
لكل الضمائر الحية في فلسطين لتكثف الجهود لأجل توحيد أبناء الوطن بشقيه، لتكثف الجهود لأجل إنقاذ شعب غزة، لتكثف الجهود لأجل الخلاص من الوضع الراهن الفلسطيني المؤلم والنظر إلى ما هو مقدس إلى القضية، فماذا تنتظرون فهل نحن نحتفل أم نبكي ذكرى النكبة التي حلت بنا هل نبكي الذكرى الستين لها ونحن نعايش أختها في كل مكان فعلى ما يبدوا النكبات وجدت لأجل أبناء فلسطين ففي العراق الفلسطيني خرج من نكبة إلى نكبة وفي لبنان وسوريا وفي فلسطين، وما زال التعويل على ذوي الضمائر السوية والمهتمة بقضايا الأمة العربية الساخنة بقضايا المظلومين، فهل ستجد دعوات أبناء غزة الاستجابة، هل هناك من يستطيع إغاثة المفجوعين ورفع الظلم عن المظلومين؟ الأكيد أن الإنسانية لا تموت لكنها تحتاج إلى دفعة قوية للتحرك فلتكن صرخات الأطفال وأنات الشيوخ ودموع الأمهات وبؤس الفقراء محفزات إلى الإنسانية على وجه هذه الأرض.
خيريه رضوان يحيى
مديرة مركز شعب السلام للأبحاث والدراسات واستطلاعات الرأي
جنين-فلسطين