ليس فقط غزة، الوطن كله مستباح

 

رشيد شاهين

 

ما يحدث بقطاع غزة لا علاقة له بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي أبدا، ومن يدعي غير ذلك فانما كمن يحاول تغطية الشمس باصبع يده، نقول هذا بغض النظر عن الرضا أو الرفض لذلك، فحتى لو كان من ارتكب جريمة شاطئ بحر غزة فلسطينيا أبا عن جد، من هذا الفصيل أو ذاك، وحتى لو كان من ارتكبها عميلا للاحتلال أو لمخابرات أية دولة في هذا الكون، فإن هذه ليست المرة الأولى التي يحدث مثل هذا الفعل، حيث هناك تاريخ حافل من الجرائم التي ارتكبت سواء بايد فلسطينية متصلة بعناصر التنظيمات المختلفة أو من خلال عملاء لدولة الاحتلال تم زرعهم في الفصائل من أجل القيام بهكذا اعمال، في المحصلة إن ما يجري لا يمكن قبوله. ونحن عندما نقول ان هذا لا علاقة له بالصراع مع دولة الاحتلال فالمقصود هو ما جرى بعد وقوع الجريمة.

 

نحن لا نحاول التهوين من حجم الجريمة التي ذهب ضحيتها العشرات بين قتيل وجريح،ولا نحاول كذلك أن نسوغ مثل هذه الجريمة، إلا اننا نحاول القول بأن ما تبع تلك الجريمة من افعال ومن استباحة لكل شيء ليس له ما يبرره ولا ينم عن مستوى من المسؤولية عال خاصة وان المسائل وتحديدا في الظروف الصعبة والقاهرة لا يمكن التعامل معها أو معالجتها بردة الفعل العصبية التي شاهدنا والعالم، كما أن من الممكن أن يكون لها من التداعيات ما هو أكثر خطورة من الفعل ذاته او من الجريمة التي وقعت، وهل يكون التعامل مع الاوضاع الصعبة بهذه الطريقة، أو هل هذه هي الطريقة المثلى لمعالجة الموقف؟

 

إن ما يحدث يعتبر خطيرا بكل المقاييس، ولسنا هنا نحاول تبرأة احد ولا الدفاع عن اي كان، لكن ان يتم استعمال الاحتلال كشماعة يتم تعليق كل قذاراتنا عليها او ان نستعمل خلافاتنا من اجل ان نستبيح انفسنا واهلنا ووطننا فهذا ما لايمكن القبول به، كما لا يمكن القبول ولا بشكل من الاشكال الفذلكات الكلامية "والطبطبة" والمجاملة على حساب القضية الوطنية التي باتت ممرغة في وحل الخلافات والمطامع والطموحات سواء الفصائلية او الشخصية. ونعتقد بانه يجب التوقف عن التعامل مع المسالة الوطنية على اساس انها قضية ذاتية او ملكية خاصة مرتبطة بهذا الشخص او ذاك الفصيل، ولا نعتقد بان احدا قد تم تفويضه من اجل التصرف بالقضية الوطنية على هواه.

 

ما رايناه خلال الايام القليلة الماضية لا يمكن ان يبشر بالخير للشعب او القضية ويبدو ان الحديث عن اعادة اللحمة صار مجرد لغو ولغط لا اكثر ولا اقل، خاصة في ظل الهجمة التي مارسها كل من فتح وحماس تجاه بعضهما البعض، هذا المستوى من التعامل وصل الى حد بغيض وهو ينم عن كراهية وعداء نادرين في الساحة الفلسطينية ونعتقد ان من يجنح الى الحوار او التعايش والمصالحة لا يمكن ان يمارس مثل هذه الممارسات.

 

قد نستوعب ولو على مضض – برغم اننا ضد اي اعتقال سياسي- ان يتم اعتقال العشرات على خلفية الجريمة، لكن ان يتم اعتقال كل من له علاقة بحركة فتح من قبل اجهزة حركة حماس او ان يتم اعتقال اعضاء حركة حماس في الضفة لمجرد انهم اعضاء في هذه الحركة انتقاما للاعتقالات في غزة فهذا شيء بعيد عن المنطق والمعقول، كما ان مداهمة المؤسسات واستباحتها بهذا الشكل الذي صورته بعض الكاميرات والذي براينا كان مجزوءا ومبتورا ولا يصور الواقع كما هو انما يدل على مدى الدرك الذي وصل اليه مستوى التعامل بين ابناء القضية الواحدة، هذا عدا اننا لا يمكن ان نفهم تدمير الممتلكات او الطريقة التي يتم فيها تتفتيش المقرات التي يتم اقتحامها لان فيها كثير التشابه بين ممارسات نرفض حتى التفكير بها او تذكرها.

 

ما الذي ابقاه السادة في التنظيمين للانظمة العربية ولماذا اذن كان يتم التنظير عن الانظمة العربية والديكتاتوريات والحكم المطلق والاضطهاد والقمع وغير ذلك من الكلام الذي ثبت انه مع شديد الاسف– فارغ- ، او ليس هذا ما كانت تقوله التنظيمات الفلسطينية فيما مضى، وهل تختلف الممارسات التي شاهدها العالم عن تلك التي كانت تمارسها انظمة القمع العربية ضد الحركة الوطنية الفلسطينية.

 

خلال حواري مع احد القادة الفلسطينيين قال لي ان هذا الذي يجري ليس سوى – اول الغيث- وأن القادم أعظم، وكان في حديثه غصة كبيرة وما ينم عن شعور بالاسى والاسف العميق لما وصلت اليه الاوضاع في الساحة الفلسطينية وانها لم تكن ابدا بهذا السوء، هذا الاحساس الذي عكسه الرجل هو في الحقيقة احساس الكثير من الفلسطينيين في الشارع الفلسطيني. ترى من يتحمل هذا الشعور بالاحباط الذي اخذ يستشري ويسود في الساحة الفلسطينية.

 

ان تتم الاتهامات بهذه الطريقة الفجة والسريعة وقبل ان يبدأ التحقيق بالجريمة وقبل الوصول الى اثباتات قاطعة يذكرنا بالاتهامات التي تم توجيهها الى العرب والمسلمين بعد "غزوة مانهاتن" وتدمير برجي مركز التجارة العالمي والحملة التي تمت على كل من هو ذات ملامح عربية او شرقية في اميركا، ترى من المستفيد من هذه السرعة بتوجيه الاتهامات لحركة فتح،او ما قالته فتح عن ان التفجير هو نتاج خلافات داخلية في حماس، الم يكن من الاجدر والافضل ان يتم التروي في ذلك؟ وان تتم عملية التحقيق بروية وتمهل وتعقل قبل ان تقوم الاجهزة الامنية التابعة لحركة حماس بكل هذا الذي قامت به، او لم يكن من الافضل الاتصال بالقوى الفلسطينية المختلفة من اجل تطويق الموضوع  بدلا من حالة الانفلات واستباحة كل ما يتعلق بحركة فتح وغير فتح حيث حاولت بعض العناصر اقتحام مقر او مكتب حركة فدا المركزي في غزة بعد ان اقتحمت وصادرت كل ما في مكتب فدا في خانيونس.

 

من الواضح ان احدا من طرفي النزاع لم يتهم إسرائيل ولم يحاول توجيه اصابع الاتهام باتجاه دولة الاحتلال او عملاء اسرائيل الذين استطاعت ان تجندهم على مدار سنوات الاحتلال الطويلة، برغم ان اسرائيل احد اكثر الاطراف المستفيدة من هذه العملية ومما تبع هذه العملية ومن كل التداعيات التي سوف تترتب عليها، فهل اصبحت اسرائيل خارج اللعبة او خارج الجهات المشبوهة في مثل هذا الفعل؟.

 

 يبدو أن الإخوة الأعداء في التنظيمين اللدودين تجاهلا أو نسيا أو ربما تناسيا أن إسرائيل لا تزال رابضة فوق رقاب الفلسطينيين وصدورهم وأنها لا تزال تمارس كل أشكال القهر التي مارست طيلة سنوات الاحتلال وان لا شيء من السلطة للفلسطيني على هذه الأرض وان القوات الإسرائيلية لا تزال "تسرح وتمرح" مثلما تشتهي في الأراضي الفلسطينية وأنها وبينما يتقاتل الإخوة تقوم بهدم بيوت الفلسطينيين في القدس والخليل وتصادر الأراضي وتوسع المستوطنات وتبني الجدران وتسير في مخططات تهويد قدسكم وفي مخططاتها كما هي وانتم لا تخطيط ولا من يحزنون مجرد سلطة بلا صلاحيات ولا سيادة ولا حتى أهداف، إسرائيل تستبيح الوطن بكامله والفلسطيني يستبيح نفسه، أليس هذا قمة "المسخرة".

 

المشكلة أن حركة حماس لم تقدم دليلا واحدا حتى اللحظة وبرغم كل ما قامت به على تورط حركة فتح بالجريمة، ولا يمكن الاستناد الى ما تم بثه على التلفزيون الفلسطيني كدليل على تورط فتح بالجريمة، هذا عدا عن ان احدا من فتح لم يبارك او يتبن العملية، كما أن حركة فتح قالت وعلى لسان الكثيرين من قادتها بانها بريئة من هذا الاتهام وأن لا علاقة لها بالعملية، طبعا نحن نعلم بانها لن تقول بانها وراء العمية ولكن ان يتم توجيه الاتهامات بهذه الطريقة وبدون دلائل حتى اللحظة على الاقل فهذا غير مقبول، قد يثبت فيما بعد انها وراءها وهذا موضوع مختلف، وقد لا يثبت ذلك ابدا وعندئذ سيكون السؤال لماذا إذن توجيه الاتهامات؟.

 

من الملاحظ ان دولة الاحتلال اصبحت خارج اللعبة وخارج دائرة الاتهام في هذا الوضع القائم بين حماس وفتح واصبحت حالة الاتهام والاتهام المضاد هي السائدة بينهما، كما يبدو ان حالة التضاد والصراع بين الفصيلين اصبحت من العمق بحيث صار – او هذا على الاقل ما يبدو من المشهد- من الصعب ردم الهوة بينهما وهذا ما قد يضر بالقضية الفلسطينية اكبر الضرر وقد يعود بها الى الخلف لعشرات السنين ويضعها في زاوية مظلمة لا ترى النور وهذا ما سيفقدها بريقها وان يتسبب في تراجعها عن سلم اولويات ليس فقط الدول العربية – الشقيقة- لا بل وعلى كل المستويات الاقليمية والدولية.

 

هنالك إقرار من كل الفلسطينيين بأن ما يحدث مسيء لقضية، لكن وما دام الامر كذلك فمن الذي سيتحمل المسؤولية عن هذه الاساءات للقضية الفلسطينية خاصة وان هناك من الاساءات ما هو اكثر ضررا وخطرا على القضية من جريمة القتل التي وقعت على شاطيء غزة، ومن سيحاسب هؤلاء الذين يسحبون القضية الى منحدر لا قرار ولا قاع له، وهل يجوز ان تبقى القضية رهينة هذا الخلاف الذي يبدو انه مستعص ولا يبدو ان حله قريبا او في الافق.

 

عندما وقعت جريمة قتل الأطفال بعلوشة حذرنا من ان هذه الجريمة لن تكون الاخيرة وانها سوف تفتح ابواب جهنم وانها سوف تكون بداية لصراع وقتل ودم كثير يسيل على ارض فلسطين وان من سيتسبب في سيل الدم "إلى جانب ما يفعله الإسرائيلي" سيكون الثأر والانتقام، إلا ان احدا لم يستجب وتفاقمت الامور بعد ذلك الى الحد الذي راينا فيه من البشاعات ما لا يقبله العقل ولا المنطق لكن من الواضح ان هناك من لم يشبع بعد او لم يرتو من الدم الفلسطيني ولا زال ممعنا في غيه ولهؤلاء نقول ان عليهم ان يتقوا الله في الدم الفلسطيني وفي القضية الفلسطينية وان هذا يكفي اليس كذلك؟

 

بيت لحم

28-7-2008

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.