الصور الفنيّة

في قصائد الرثاء في الشعر الجزائري القديم

محمد بوعلاوي : باحث جامعة تلمسان – الجزائر –

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الصورة الفنية في العمل الأدبي وليدة « الخيال وعصارة التأمل والرؤية الخالصة، وبتلك الميزة يتفرد الشعر بخصوصية العاطفة عن الفنون الأخرى»([1])، وهي الحد الفاصل بين برودة العقل وتوقد العاطفة إذ بها ندرك سرالأشياء المتخفية إذ تجليها وتقربها « من دون أن نسقط العقل نهائياً من حساب الشعر إذ لولاه لاسترسل الشاعر في هذيانه... فيأتي العقل ليدفع بالفكرة من ضبابية الحلم إلى واقعية العقلنة»([2])، والصورة تحمل داخل النص أبعاداً متعددة، لابعداً واحداً، فكلما ازداد التأمل ازداد ظهور هذه الأبعاد، وقد أشار إلى ذلك "إحسان عباس": « إنّ دراسة الصور مجتمعة قد تعين على كشف معنىً أعمق من المعنى الظاهري للقصيدة، ذلك أنّ الصورة، وهي جميع الأشكال المجازية، إنما تكون من عمل القوة الخارقة»([3])، وقد ألف شعراء الرثاء أن يندمجوا في الطبيعة، ربّما لأنها تسع أحزانهم، أو ربما أنها تحزن بقدر ما يحزنون « ذلك أنّ الطبيعة تتحول بين يديّ الشاعر إلى وعاء يفرغ فيه عواطفه بحيث يصبح أساه أو حزنه جزءاً من طبيعة آسية أو مرآة تنعكس عليها آلامه شاء أم لم يشأ»([4])، ومفهوم الطبيعة ليس ثابتا على حال بل « يتسع ويضيق حسب التبويب الذي يدرج فيه الدّارس الكائنات، والهدف الذي يرمي إليه والميدان الذي يعمل في نطاقه... والطبيعة جامدة ومتحركة»([5]).

التصوير بالطبيعة:

من خلا ل الإحصاء الذي قمت به لتصنيف الصور التي شكلها شعراء الجزائر القدماء من المصادر الطبيعية - ساكنها ومتحركها - وجدت أن الجانب الأكبر منها مستمد من الطبيعة الجامدة ، الأمر الذي جعلني أقف عندها في المحل الأول.

من أبرز عناصرالطبيعة الجامدة النور وما يتصل به من عناصر مشرقة سواء في مصادرها أو مظاهرها،لأن التصوير بالنجم والشمس والبدروالكواكب والشهب وما إليها ، تميزه صفة الإشراق والتوهج ، وقد حظيت الكواكب والنجوم بالنصيب الأكبر من الاستخدام من بين سائر عناصر الطبيعة المضيئة التي استلهمها الشعراء، وقد استطاعوا من خلالها تجسيد معاني الرفعة وعلو الشأن وبعد الهمة إلى جانب المجد والعظمة والألمعية.

أ ) الشـمس:

تأتي مادة الشمس في صدارة مصادر النور التي وقفت عندها باعتبارها الكوكب الأشد توهجا وضياء وقد بهرت عقول الأولين ، إذ أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى على لسان "ابراهيم"(ع) : فلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام الآية 78]. في حين سجدت لها بعض الشعوب وللقمر ، قال تعالى :  وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ   [ فصلت الآية 37] .

كقول" عفيف الدين التلمساني" مصوراعلوم ولده وعلو شأنه بالشمس:

مـــا فقدتك الأقران يـــا ولــــدي  

 

و إنّــــما شمس أفقــــهم فقــــدوا

وكثيرا ما قدم الشعراء الشمس عن القمرأو جعلوه خليفة لها ، وأحيانا قرنوه بها

كقول "ابن هانئ الأندلسي" في نفس المعنى معزيا ومادحا:

تفنـــى النجوم الزهــــر طالعــــــــة

 

و النيــــران الشمس و القمــــر

أو قوله من قصيدة أخرى في نفس الموضوع مصورا بالنيرين " الشمس" و " القمر" فلكل فائدته وأهميته:

فجــــاءت بـهذا كشمس النهــــــار

 

و جـــاءت بـــهذا كبـــدر الدجـى

وقد جسدت مادة الشمس ذات المعاني التي جسدها كل من النجم والكوكب والشهاب والبدر والهلال، حيث اقتصرت موصوفات الشمس التي أوردهاهؤلاء الشعراء على الإنسان وعلو شأنه ومدى العلوم التي بلغها.

ب ) البــدر:

" البدر" أداة استعملها جل الشعراء إما في صورهم الرثائية حيث كانت ترمزإلى الأفول والزوال، أوالمدحية إذ كانت ترمز إلى الطلعة البهية والإشراقة النيرة .

فـ "ابن رشيق المسيلي" يصورالمرثي  ببدر أفل ، وبهلال رفيع  لشدة زهده وصومه.

ذهب الحِمَام ببدر تمٍ لم يــــــدع

 

منه التـــقـــــى إلاّ هـــــلال محــــاقٍ

ج )  النجــم:

حظي النجم بنصيب لا يستهان به في مجال التصوير من بين العناصر الطبيعية المضيئة التي استلهمها الشعراء ، واستطاعوا من خلالها تجسيد معاني الرفعة والسمو وبعد الهمة، حيث استأثر الإنسان بأغلبها، كقول

"محمد بن الحداد الواد آشي" :

رأيت نجوم الليل تبكي حزينـة

 

على فقد حبْرٍ كان قطب أولى العليا


شبه الشاعر أصحاب الفقيد بالنجوم التي تبكيه وشبه الفقيد بالقطب، والقطب كوكب بين الجدي والفرقدين يدور حوله الفلك ، والمعنى أن الفقيد يدور حوله أمر أصحابه كما يدور الفلك حول القطب.

واستعار"عفيف الدين التلمساني" للنجم جفنا ناعسا لا يقوى على مكابدة السهر،  خلاف المرثي الذي كان يحي الليل الطويل مسهد الجفون، في قوله:

لقد كان يحي الليل مسهد الجفون

 

وجفن النجم في الأفق ناعس

وشبه "محمد بن حماد الصنهاجي" القباب العاليات بالقصر بسعود النجوم التي طلعت، ويقال: هي عشرة نجوم واحدها السعد والصورة تشير إلى علوها كما قد تشير إلى عددها ، إذ قال:

كأن القباب المشرقات بأفقه  

 

نجوم تبدت في سعود المنازل

 

د ) الكواكـب:

يقول "ابن هانئ":

وراعى النجوم فأعشينه  

 

فبات يظن الثريا السهى

 

الثريا سميت بذلك لكثرة كواكبها وسهولة الاهتداء إليها أما السهى فنجم خفي من نجوم بنات نعش ومنه المثل " أريها السهى وتريني القمر".

وقد أشار"ابن هانئ" إلى تقلب الأيام وقسوتها ،  قائلا :

ترتبي مرهوبة تحسبها

 

كوكب الليل على الليل رصد

فكما يرصد الكوكب الليل، ترصد الأيام الإنسان ولا نجاة له من شراكها، فقد استعمل الشاعر الكوكب في هذه الصورة للرصد وهو معنى قليل التداول عند الشعراء عامة.

هـ ) الشهـــب:

صور الشعراء بالشهب لشدة توهجها وسرعة أفولها كقول " ابن هانئ" في رثاء طفل:

إنما كان شهابا ثاقبا 



 

صعق الليــــــــل له ثم خمد


 

وعلى الرغم مما في هذه الصورمن المبالغة فإنها توحي بمدى استفادة الشعراء  من مشاهداتهم الطبيعية وتوظيفها لخدمة الغرض ، فللنجم خصائص كثيرة كالعلو والبعد والإشراق والسريان والهداية، وأحيانا لجأ الشعراء إلى توظيف "الشهاب" بدل "النجم" إشارة إلى سرعة زوال المرثي أما الكوكب الأكثر ورودا في هذه الصورهو الشمس، وقد دأب الشعراء على تفضيلها منذ القدم، كقول "النابغة" مادحا:

أنت شمس والملوك كواكب   

 

إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

 

و ) النـــار:

النار تحرق الأكباد والحشا وقد مثل بها الشعراء الحزن الذي يفتت الكبد ويدمي القلب.

فـ" بكربن حماد" أخذ من النار الحرق والكي ليدلل عن مدى الحزن الذي يضمره قلبه، واللوعة التي تذيب كبده ،  في قوله:

فيا نسلي بقاؤك كان ذخرا

 

وفقدك قد كوى الأكباد كيا

وكثيرا ما جمع الشعراء في صورهم بين الضدين الماء والنار، فالدمع الذي تذرفه العين كيف لا يطفئ النار التي تذيب القلب ؟.

كقول " ابو حمو موسى الزياني":

الماء والنار مجموعان في كبدي

 

فاعجب لضدين قد ائتلفا

نار تشب وأكباد تذوب بها

 

ويح المعذب بالجنسين وا لهفا