رثاء تيهرت
محمد بوعلاوي باحث جامعة تلمسان – الجزائر -
تيهرت، « تيهرت أو تاهرت اسم لمدينتين متقابلتين بأقصى المغرب يقال لأحدهما تيهرت القديمة و للأخرى تيهرت المحدثة، وهي كثيرة الأنواء والضباب والأمطار»([1])، عاصمة الإمارة الرستمية:« تنسب هذه الإمارة الرستمية إلى "عبد الرحمن بن رستم" الفارسي الإباضي، حيث أسس مدينة تيهرت سنة(144هـ)، وأنشأ بها مقرَّ دولته الرستمية »([2]). فقد كانت « إسلامية في قضائها، عربية في معارفها، بربرية في عصبيتها... كثر سكانها و ازدهرت الحياة بها »([3])، و في سنة (296هـ) زحفت عليها جيوش الفاطميين فقتلت أميرها "اليقظان بن أبي اليقظان" وطائفة من أفراد أسرته، وبقتلهم انقرضت هذه الدولة من تيهرت والتجأ باقي أفرادها إلى الصحراء، فبكاها الشعراء لكن ما وصلنا من قطع شعرية متناثرة في ثنايا الكتب لشعراء مجهولين أخفوا أسماءهم إما تقية وخوفا من بطش الأعراب، وإمّاأن همهم الوحيد كان تصوير الحادثة دون الاهتمام بذكر أسمائهم، فهذا أحدهم يقول: (من بحرالطويل)
|
خليليَّ عوجا بالرسوم و سلمـَـا |
|
على طللٍ أقَوَى و أصبح أغبرا |
|
ألما على رسمٍ بتيــهرت دائـــرٍ |
|
عفته الغوادي الرائحاتِ فأقفرا |
|
كأن لم تكن تيهرت داراً لمعشرٍ |
|
فدمّرهـــا المقدورُ فيمن تدمّـــــــرا |
أبيات شجية ورغبة جامحة في رؤية موطن الأمجاد ، أطلقها الشاعر بعد أن تناهى إلى مسامعه أفول نجم تيهرت وتداعي حضارة - ربما - كان من صناعها، فهو يتحدث عن رسوم وأطلال عفا عليها الزمن فأصبحت خالية لا تجيب سائلا، وكان الشاعر يعرف المدينة أيام عزها، فلذلك كان وقع المصيبة عليه كبيرا، وقد نسب خرابها إلى القدر، والأبيات رغم قصرها فهي تعطي صورة شديدة الوضوح لما آلت إليه المدينة بعد الأحداث التي ألمت بها.
ولشاعرمجهول آخر مقطوعة « تشتمل على أبيات غزلية متكلفة »(4) ، صورفيها حضارة تيهرت الزائلة « ورغم ضعف أسلوبها وانحطاط رتبتها البلاغية، [ هي ] ذات سمة أدبية تمثل جانباً من أدب ذلك العصر» (5) ، يقول فيها: (من بحرالطويل)
|
فراغ الهوى شغلٌ، ومحياالهوى قتــلُ |
|
و يوم الهوى حولُ، وبعض الهوى كلّ |
|
وجودُالهوَى بخلُ، ورسل الهوى عدا |
|
و قرب الهوى بعد، وسبقُ الهوى مطلُ |
|
سقى الله تيــهرت الهــوَى وسويـــقةً |
|
بساكنـــها غيــــثٌ يطيب بـــه المحلُ |
بدأ الشاعرالمقطوعة ببيتين من الغزل المتكلف ، ثمّ عرّج راثياً مدينة تيهرت وذاكراً أهلها وأيامها البائدة، ويبدو أنه لم يعايش الأحداث التي عصفت بها بل يصف آثارا خلفتها هذه الأحداث، وهو يبكي المدينة والخليلة معا.
أمّا" بكر بن حماد " فقد رثى مدينته تيهرت قائلاً: (من بحرالبسيط)
|
زرنا منازلَ قوم لــم يزورونـا |
|
إنّا لفـــي غفلـــةٍ عمَّا يقاسـونا |
|
لو ينطقون لقالوا: الزاد ويحكـــم |
|
حلَّ الرحيلُ فما يرجو المقيمونا |
|
الموت أجحف بالدنيــا فخربـها |
|
و فعلنـــا فـعل قومٍ لا يموتــونا |
|
فالآن فابكوا فقد حق البكاء لكــم |
|
فالحـــــــاملـــون لــعرش الله باكونا |
|
ماذاعسى تنـفع الدنيــا مجمــعـــهـــا |
|
لــــو كان جمــع فيــها كنز قـــارونا |
الشاعر كعادته يحشد العبارات الزهدية ويرى بأنّ خراب المدينة شاهد على خراب الدنيا، وقد أحجم عن ذكراسمها حتى يخيل للدارس أن المقطوعة زهدية ، وهي مفعمة بالعاطفة الجياشة ، خاصة أن خراب المدينة تزامن مع مقتل ابنه "عبد الرحمن"، والشاعرفي آخر أيام حياته.
والملاحظ أنّ رثاء تيهرت كان عبارة عن مقطوعات مقتضبة وليست قصائد مطولة، تصف الأحداث وتستنهض الهمم، وهو يخلومن تقريع الأعداء، ولعلّ ذلك يرجع إلى سقوط المدينة المبرم، حيث لا أمل في عودتها إلى سابق عزها، مما جعل الشعراء يعرضون عن ذكرأسمائهم، فكانت أشعارهم عبارة عن تعزية وتسلية للنفس لا غير.
1) - ياقوت الحموي : معجم البلدان، دارصادر للطباعة والنشر، بيروت- 1955م. ج 5، ص 2.
2 ) - رابح بونار: المغرب العربي تاريخه و ثقافته، ص 27.
3 )- مبارك الميلي: تاريخ الجزائر قديماً و حديثاً، بيروت، ط 2، 1959، ج 2، ص 57.
4 )- المرجع السابق، ص 34.
5 )-المرجع نفسه، ص 34.