الرثــاء

محمد بوعلاوي   باحث : جامعة تلمسان – الجزائر –

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لا يفجع الروح ويفطر الفؤاد مثل الفقد ، إنّه أكثر الأحزان والآلام إيغالاً في النفس والبدن، وأكثر مرارات الفراق هو الموت نهاية النهايات وغاية الغايات،هذا الفقد النهائي الذي يستعصي فهمه ، لأنه مرض الأمراض الذي لا شفاء منه أبدا ولا علاج له مطلقا.

والمــــوت آخــــــــــــر عـلـــــــــــــة        يـــــعتــلـها الـــــبـدن الـــــــــعلـــــــــيل

     ولقد مضى على الإنسان حين من الدهر كان فيه مفكرا وباحثا عما أسماه                     « جنة الخلد التي لا تفنى» ، ولهذا - ربّما-  كانت الفلسفة ذاتها في تعريفاتها  كما رآها " أفلاطون " هي  « تأمل الموت ».

 فالرثاء هو التفجع على الميت ، وإبداء الحزن على فقده ، وتصوير الخسارة التي نجمت عن فراقه « وتحمل الأشعار التي تتضمنه فيضاً من العاطفة، ودعوة إلى التأمل في حقيقة الحياة ، وإن تجاوز ذلك أحياناً إلى النواح والصراخ »([1]).

 ولقد نبّهت الشجون المرتبطة بالموت سيلا من المشاعر الجياشة صبّها الشعراء في قوالب شعرية مثيرة؛ فإذا كان الشعر موسيقى حزينة، فليس كالموت ماهو أقرب إلى هذا النغم الحزين .

 ولقد كانت قصيدة الرثاء إطاراً فنياً جمع فيه الشاعر مختلف المثل العليا لمن رثاهم ، ممّا جعل المرثية تقترب من المدحة ، لولا صياغتها بألفاظ تدل على أنها رثاء « ليس بين المرثية والمدْحة فصل إلا أن يذكر في اللفظ ما يدل على أنها لهالك مثل (كان) و(تولى) و(قضى نحبه) وما أشبه ذلك ، وهذا لا يزيد المعنى ولا   ينقص منه ، لأنّ تأبين الميّت إنما هو بمثـل ما كان يمدح به في حياته»([2]).

 وممن أشار إلى هذه القضية أيضاً " ابن رشيق المسيلي" ، حيث أورد باباً كاملاً للرثاء ، وممّا قال فيه: « ليس بين الرثاء والمدح فرق، إلا أن يُخلط بالرثاء شيء يدل على أنّ المقصود به ميّت، مثل (كان) أو(عَدِمنا به كيت و كيت) وما بشكل هذا، ليُعلم أنه ميّت»(3 ).

فهل يوجد رثاء جزائري قديم ؟  وما هي المواضيع التي طرقها ؟  وما خصائصه وسماته الفنية؟ وهل كان النص الشعري الجزائري بحجم المأساة ؟.

الرثـاء لغة:

يرى" ابن فارس" أنّ المعتل « رثى» « أصلي في الثلاثي، ويدلّ على رقة وإشفاق، يقال: رثيت لفلان أي رققت»(4). رثى فلان، يرثيه، ورثيا ومرثيا، إذا   بكاه بعد موته. وقال " ابن سيده": « فإنْ مدحه بعد موته قيل رثاه، يرثيه، ورثيت الميّت رثيا ورثاءً، ومرثاة ومرثية، رثيته: مدحته بعد الموت» (5 ). ورثى له إذا رقَّ وتوجع من وقوع مكروه « وقيل بل الصواب مرثاة لك لأنه رثاء للحي»(6).  كما قالوا: عن المهموز ( رثأ ) « أنه أصلي في دلالته على معنى الاختلاط »([3]) نقول: رثأت اللبن، أي: خلطته بالحليب. فرثأ أي: خثر، وعن المضعف « رثّ » قالوا:« أنّ اجتماع الراء والثاء أصلي ويدل على معنى الإخلاق والسقوط ، فنقول: ثوب رث وحبل رث، أي: خلق وبالي»(7). كما استعمل الشعراء كلمة « رثى» في رثاء الأحياء من الناس ، فهذا حجّة " بن المضرب" يقول:

و لمّا رأيت النفس أن لا يقــــــرها
رثيت لهم لمــا رأيت سوامـــــهــم

 

هدايا لهم في كلّ قِعْبٍ مشَــــــــــــعَّبٍ
عطـــاء الموالــى من أقبــل و مصعب

ويتضح ممّا سبق أنّ المعنى اللغوي للمعتل « رثى» ارتبط برثاء الأحياء أكثر منه برثاء الأموات، لأنه يعبّرعن النكبات التي تصيبهم في حياتهم فتؤدي بهم إلى الضعف.

الرثاء اصطلاحاً:

 الرثاء باصطلاح أهل اللغة هو« بكاء الميّت ، وتعداد حسناته بالشعرأوالنثر، نقول: رثى الرّجل ميتاً، يرثيه رثيا، أي: يبكيه ويمدحه ، والاسم المرثية»(8). ويعدّ بعض النقاد الرثاء من أسمى أغراض الشعر وغالباً ما يصعبُ على المبدعين، لأنّه يُعمل رغبة لا رهبة وتزلفاً، وقيل للأصمعي : « ما بال المراثي أجود أشعاركم؟» قال: « لأننا نقولها و أكبادنا تحترق » وكانت " بنو أمية" لا تقبل الراوية ما لم  يكن راوية للمراثي، قيل: ولم ذلك؟ قيل:« لأنها تدل على مكارم الأخلاق»(9).

فالقصيدة الرثائية هي كلام شعري يشخّص الخصال الحميدة للميت « كما   يبيّن في نبذة مختصرة صفاته، وملامح شخصيته البارزة...[ و] تعني أيضاً   القطعة  الغنائية  الشعرية في حالة الموت»(10).

أنماط الرثاء:

الرثاء ألوان ثلاثة هي « الندب والتأبين والعزاء »(11).

أ) النـدب:

هو بكاء الأهل والأقارب « حين يعصف بهم الموت، فيئن الشاعر ويتفجع... فيبكي بالدموع الغزار، وينظم الأشعار يبث فيها لوعة قلبه وحرقته»(12). ولقد عرّفه    " ابن منظور" بقوله: « ندب الميّت بعد موته من غير أن يقيد ببكاء وهو من الندب للجراح ، لأنه احتراق و لذع » (13).

وقد عرف العرب المآتم منذ القديم، حيث يجتمع النساء للصياح والعويل على الميّت، ولما جاء الإسلام أباحه الرسول  صلى الله عليه وسام  محرّمًا ما كان يقترن به من خمش للوجوه وحلق للرؤوس، و يروي الرواة أنه لمّا بكت نساء المدينة على قتلى غزوة أحد من ذويهن قال الرسول صلى الله عليه وسام : « لكن  "حمزة بن عبد المطلب"  لا باكية له» ، فأصبح سنة في نساء المدينة أن لا يقمن مأتماً على مرالعصورإلا بدأن بالبكاء على"حمزة" عم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكانت النساء النادبات في الجاهلية يؤلفن الأشعار التي يندبن بها موتاهم « و" الغريض"  مغني مكة في العصر الأموي هو من أهم من احترفوا صناعة الندب في عصره »(14).

ومن أقدم صور النّدب والنواح في شعرنا العربي هي صورة ندب الأهل والأقارب والنواح عليهم ، وأشهر من بكت واستبكت " الخنساء " في رثاء أخويها    " معاوية" و" صخر".

 كما ندب الشعراء أنفسهم، ويقال أنّ أول من بكى نفسه "يزيد بن خذاق" ، بقوله:

هل للفتى من بَنَاتِ الدَّهْر من واقِى
قد رَجلونى وما بالشَّعْر من شَعَثٍ
ورَفَعُونى وقالوا أَيُّما رَجـــــــلٍ

 

أَم هل له من حِمَام المَوْتِ مِن رَاقِى
وأَلْبَسُوِنى ثِيَاباً غَيْرَ أَخْــــــــــــلاَقِ
وأَدْرَجُونى كأَنى طي مِخْــــــــرَاقِ


       وبكى الشعراء الدول التي سقطت بقصائد تفيض عاطفة وأسى ، وأول دولة      بكاها الباكون، دولة " بني أمية " التي سقطت سنة 132 هـ ، وأهم من بكاها               " أبو العبّاس الأعمى" الشاعر المكي، وفيهم يقول:

ليت شعري أفــــاح رائحة المســـــ



كِ و ما إن أخال بالخيف أنسي

حيــــن غابــــت بنــــــو أميّــة عنه




و البهاليل من بني عبد شمس

خطباء على المنابــــر فرســــــــــا





ن عليــــها و قالـةٍ غيــر خـــــــرس

  

وقد وجد الشعراء في الندب راحة وسلوة ، قال " أبو بكر بن عيّاش": « نزلت بي مصيبة أوجعتني، فذكرت قول " ذي الرمّة ":

لعلّ انحدار الدمــع يعقب راحـــــة

 

من الوجد أو يشفي شجيّ البلابـــل

فخلوت فبكيت فسلوت »(15) ، وقال " الفرزدق" في هذا المعنى:

ألم تر أنّ يـــوم جوِّ سُرَيْقــــةٍ



بكيـــــــــــتُ فنادتنـي هنيدة ماليا

فقلت لها إنّ البكـــاء لراحـــــة


 

به يشتفـــي من ظـنّ ألا تـــلاقيـا(16)

ب) التأبـين:

أحد أنماط الرثاء الثلاثة، وهو مدح الشخص بعد موته بذكر مآثره « أبّن الرجل    تأبيناً، أي: مدحه بعد موته وبكاه »(17). فلقد كان من عادة العرب في الجاهلية « أن يقفوا على قبر الميّت، فيذكروا مناقبه»(18) ، وكأنهم بذلك يصوّرون تصويراً دقيقا مدى الخسارة والمصيبة في الفقيد، حيث يصوغ الشاعرأبياتاً يذكر فيها محاسنه ومناقبه، وكأنّه يريد أن يحفرها في الأذهان حفراً، حتى تخلد على مرّ الزمان، وحتى تبقى صورة الميّت ماثلة أمامهم على الدوام ، يقول "السموأل" ( -560 م) مشيرا إلى ذلك :

يا ليت شعري حيـن أنْدَبُ هَالِكًا


 

مـــــاذا تؤبنــــي بــــــه أنواحــــي





 وقد أبّن الشعراء الأشراف والأجواد والقوّاد، وكان مقياس الشرف في الجاهلية الكرم والشجاعة والسيادة ... ومن أقدم المراثي التي نذكرها في هذا الجانب مرثية                  " أوس بن حجر" في " فضالة بن كلدة الأسدي" ، يقول فيها:

أيتها النفس اجملـــي جزعـــــاً




إنّ الذي تحذرين قد وقــعا

إنّ الذي جمَّعَ السماحة و النَّجْــ




دة و الحزم والقوى جُمَعَا

أوْدى و هل تنفع الإشاحـــة من




أمرٍ لمــنْ قد يُحاول البِدعَا

الألمعـي الذي يظـــن لك الـــ


 

ظـنَّ كـأن قــد رأى و قــد سمعــا

عدّد الشاعر مناقب الفقيد من سماحة ونجدة وحزم ... فالمفقود هو هذه القيم وليس الشخص بعينه .

وكان للعلماء والأدباء مكانهم في التأبين والرثاء ، لأنّ تأثيرهم كان فكريا ثقافياً ودينياً روحيا، فقد أبن بعض الشعراء الشاميين " الأوزاعي" فقيه  الشام، وإمام أهله لعصر" بني أميّة " بقوله:

جاد الحَيَا بالشام كلّ عشيّـــــة



قبراً تضمن لحــــــــــــــــده الأوزاعي

قبرٌ تضمن فيه طودُ شريعــــة





سقيـــــــا لــــــــه من عالــــــم نفــــاعٍ