ليس بعد الكفر ذنب..الأمريكيون يركبون ظهورنا بموافقتنا!
بقلم : زياد ابوشاويش
عجيب أمر هذه الحقبة الزمنية وما بها من غرائب وقبح ومذلة لكل من قبل الذل والهوان. لا يتردد بعضهم في الاعتزاز بذلك علناً بقبوله أن يمتطيه العلوج الأمريكان ليس يوماً واحداً بل ثلاثة أعوام. قبل هذا بما يقرب من ستة أعوام وقع احتلال العراق، وخلاله لم يترك الجنود الأمريكيون أي نوع من الجرائم إلا واقترفوها بحق الشعب العراقي، ولم تترك آلة القتل والدمار الأمريكية مدينة أو قرية أو معلم حضاري عراقي إلا وحطمته، وليس سجن أبو غريب إلا نموذج باهت لتلك الجرائم، وما خفي أعظم ،وبمعنى أوضح فإن الاذلال الذي تعمدته قوات الاحتلال الأمريكي للمواطن العراقي يجعل أي إنسان عربي ناهيك عن العراقي يرفض بكل قوة أي نوع من التعامل مع هؤلاء القتلة فما بالكم بتوقيع معاهدة انتداب جديدة عليه كذب المالكي حين وصفها باتفاقية انسحاب ملزم للأمريكيين بعد ثلاثة أعوام حيث لا يوجد في النصوص ما يقطع بذلك وكل الأمر في كل بند يعود لاتفاق الطرفين، ويعلم جميع المراقبين ومن يملك قليل من المنطق أن تسريع التوقيع على الاتفاقية المهينة للشعب العراقي قصد منه تفويت أي فرصة على الإدارة الأمريكية الجديدة لتنهي احتلال العراق وسحب القوات خلال 16 شهر كما وعد السيد أوباما الرئيس الديمقراطي المنتخب.
إذن كان على السيد نوري المالكي (رئيس وزراء العراق في ظل الاحتلال) أن يتوخى الصدق والدقة حين يتحدث وباعتزار يدعو للسخرية عن السيادة والكرامة التي يوفرها صك الاذعان لثلاث سنوات قابلة للتجديد مع المحتل، والأوقح تلك التهجمات على بعض رافضي الاتفاق والزعم بأنهم قدموا موافقات سرية يظهر أصحابها رفضهم العلني لها ويتحدثون بلغة أخرى ولا ندري لماذا يوافق هؤلاء في السر ويرفضوها في العلن وأين تحسب مواقفهم هنا؟. إن طرح بعض المعارضين للاتفاقية مسألة الاستفتاء المباشر من الشعب العراقي لأخذ موافقته هو طرح اعتراضي صحيح لتعطيلها، وليس هناك من يقبل بهكذا اتفاق لو كانت لديه بعض كرامة وانتماء حقيقي للوطن العراقي، كما أن معظم المراجع الدينية أفتت بحرمة الموافقة عليها وهي في عرف أي قومي عربي أو أي عراقي منتمي لوطنه من أي عرق أو دين خيانة وطنية لا تجوز.
إن مصلحة العراق الأمنية بمقياس النتائج المترتبة على الاتفاق تقتضي رفضه من حيث المبدأ لأن بقاء الاحتلال سيعطل مشروع المصالحة الوطنية في الدرجة الأولى، كما سيعني المزيد من الدماء والقتل بين أبناء المذاهب والاعراق المختلفة لأن هذا يريح المحتل ويشتت جهد المقاومة، كما أن الاتفاق يفتح ثغرات كبرى في جدار التضامن العربي الضعيف أصلاً ويعرض بعض الدول للخطر وأمامنا عدوان أمريكي على منطقة البوكمال نموذجاً.
إن اعتماد العراق لثلاثة أعوام على الحارس الأمريكي وفي ظل اتفاق بهذه الصيغة سيكلف العراق معظم دخله القومي أثناءها وسيعطل كل برامج التنمية الحقيقية لمصلحة بعض مظاهر الرخاء الخادعة والاستعداد لفترة ما بعد تخفيف التواجد الأمريكي، كما سيجعل عودة الأمور الى طبيعتها في العراق شديدة الصعوبة والتعقيد. المشكلة الأخطر أن هذا الاتفاق سيحدث شرخاً عميقاً في وجدان الشعب العراقي وبين كل مكوناته الاجتماعية والسياسية والثقافية وهو التواق للحرية ورؤية بلده بدون نفوذ أجنبي فيها، وبقاء الأمريكيين على ظهر الشعب العراقي بموافقة الحكومة العراقية والبرلمان تشرع كل التدخلات الإقليمية الأخرى وحق الآخرين في مد نفوذهم الداخلي أسوة بالأمريكيين ... ولم لا في ظل اتفاق من هذا النوع وبهذه الكيفية؟.
لا يستطيع أحد من مؤيدي الاتفاق تسويغ هكذا اتفاق تحت ذريعة المصلحة الوطنية لأن هذه المصلحة يؤمنها فقط خروج القوات الغازية من أرض العراق، والأمر في حقيقته يعود لاقتراب فترة القرار الدولي المتعلق بولاية البند السابع وبالتالي فإن بقاء هذه القوات التي تحمي هؤلاء وبقاءهم في السلطة لتأمين مصالحهم الفئوية لا يمكن أن يستمر بشكل قانوني أو شرعي وأمريكا ملزمة بسحب قواتها في هذه الحالة وبدون تأخير. أما في حال توقيع الاتفاقية فإن تواجد القوات الأمريكية سيكون مشرعاً باتفاق مع حكومة البلد المحتل وبالتالي ستنتفي ولاية البند السابع الذي يغطي القرار المذكور.
إن أمن العراق ليس معزولاً عن أمن جواره وأشقائه فلماذا نتوجه لقاتل أبناءنا وأهلنا لنعطيه الولاية علينا وعلى بيوتنا وحرائرنا ؟ لماذا نقبل الدنية ولدينا البديل الكريم؟.
هل احتاجت سورية على سبيل المثال لهكذا اتفاقية سواء مع أمريكا أو مع غيرها وهي المعرضة باستمرار للعدوان الصهيوني وقسم من أرضها محتلة؟ وهل احتاج لبنان لذلك طوال تاريخه؟ ولماذا العراق الأبي وشعبه الكريم وصاحب العزة والكرامة يوضع في هذا الموقع المهين وتفرض عليه اتفاقات مذلة تمس كرامته بهذا الشكل؟. لماذا لا يعيد هؤلاء النظر في موقفهم المريب ويعطوا أنفسهم وغيرهم وقتاً إضافياً لإمعان النظر في كل الوجود الأمريكي الامبريالي فوق أرض العراق وفي كل الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه؟، فقد يجدوا وهم والحق سيجدون مصلحة حقيقية للعراق وللجميع في طرد الاحتلال وتطهير كل المنطقة وليس العراق فقط من الأمريكيين، وأن تأمين مصالحهم ونفوذهم لا يتم إلا من خلال شعبهم الذي أذاقه الاحتلال الأمريكي كل أشكال القهر والألم والذي شرد ما يقرب من ربع سكانه خارج وطنهم، هؤلاء يجب أن يكونوا مرجعيتهم ومن يوفر لهم الأمن والأمان وليس اتفاقية شوهاء تفرض على العراق وشعبه الأبي .
زياد ابوشاويش