أحمد شوقي و مفدي زكريّا
مِن حَقيقة التقاطُع الشعْريِّ إلى ترْجيح فِكرَة التأثر و التأثير
بقلم: فريد أمعضـــشو – المغرب.
يعدُّ أحمد شوقي (1868-1932م) عَلماً من أعلام القصيدة العربية الحديثة، ترك بصمات واضحة في الشعــر العربي منذ أواخر القرن التاسع عشر، و انتشرت أشعاره مشرقا و مغرباً و هو على قيْد الحياة، و أسْهم ،بصورة أجْلى، في بَعْث القصيدة العربية الأصيلة و إحيائها، و كان له ،كذلك، أثرٌ بيِّنٌ في تجديدها مَبْنَوياً و مَعْنَوياً. يقول محمد سعيد العريان في تقديمه للجزء الرابع من "الشوقيات": "كان شوقي ،رحمه الله، شاعرا ملأ سمْع الشرق، و ما يلفظ من قول إلا لَقفَـتْه الآلاف عن الآلاف من أبناء الأمة العربية، تنشده و تتغنّى به و تضربه مثلا. و ما أحْسِب شاعراً في الأمة العربية، منذ كانت و كان الشعر، قد ذهب صَيْته في الناس حيّا مذهبَ شوقي، و لا بلغ مَبْلغَه، و قد كان حَقيقاً بما بلغ، لا من أنه شاعر العربية الأول، و لا مِن أن الأمة العربية قد عَقمت فلم تنْجِب مثله في تاريخها المتطاول، و لكنه جاء على فترة انقطع فيها أمل الآمِـل في نهضة الشعر العربي بعـدما نـاله من الانحـطاط و الـرِّكّـة و ضـيْق المــذهب و سوء التناوُل. و كأنما كان البارودي من قبله إرهاصاً له، و دعوة إليه، و تنبيها إلى فضله و مكانه. و قد كان البارودي ،بما اجتمع له من أدوات الشعر و بما تهيّأ له من أسبابه العامة و الخاصة، أولَ مَن بعَث الحياة في هذا الجسد الهامد، و نفخ فيه من قوته، و خلع عليه من شبابه، فكان تصديراً بليغا لهذا الفصل الجديد في تاريخ الشعر العربي؛ فلمّا خلا مكانه، تلفّت الناس ينْطرون على حَذر و خِشية، يريدون أن يسمعوا نغَماً صافيا كهذا الذي عَوّدَهم البارودي أن يسْمعوه من إنشاده و تطْريبه، و ما منهم إلا مَن ظنّ أن الشعر بعده منتكِسٌ بعلته، و أن الرجلَ الذي كان يمدّه بأسباب الحياة و القوة قد ذهب، فلا سبيل إليه بَعْدُ و لا أملَ. في هذه الفترة ظهر شوقي..."
و بالنظر إلى مكانة شوقي و تأثيره الغائر و حضوره المتميز في الأدب العربي النهْضوي، فقد خصّصت منظمة اليونيسكو عام 1968م ليكون احتفالا عالميا لإحياء ذكرى شوقي المئوية... و قادت هذه الأمور كذلك إلى ظهور عدد من الدراسات و الأبحاث حول شوقي و أدبه؛ من ذلك دراستا الدكتور فوزي عطوي "أحمد شوقي أمير الشعراء" الصادرة عام 1969، و "أحمد شوقي: شاعر الوطنية و المسرح و التاريخ" المنشورة عام 1989، و من ذلك أيضاً كـتاب "حـافظ و شـوقي" للدكـتور طه حســين، و كـتاب "شــوقي أو صـداقة أربعــين سـنة" للأمـير شكـيب أرسلان، و دراسة "شوقي شاعر العصر الحديث" للراحل شوقي ضيف، و دراسة "أحمد شوقي شاعر الوطــنية" للأستاذ أحمد زكي عبد الحليم... عِلاوة على عشــرات المقالات حول شوقي. و بالمـقابل، فقد وُجِّـــهت إليه جمـلة من الانتــقادات، و لاسيما من قِـبل عباس محمود العقاد (1889-1964م). يقول ميخائيل نعــيمه في هذا الإطار: "إن مَن يرى شوقي في ميزان العقاد يشـْفِق على شوقي، و تكاد شـفـقـته تنقلب نقمة على الناقد الذي لم يشأ إلا أن يكسر رجلـيِ الجـبّار الخَزَفي ليرى الناس أنه من خزف".(1) إن هذه الانتقادات لا تنقِص من قيمة شوقي و ريادته، و لا ينبغي أن تمْنــعنا من الإقـرار بشاعرية شوقي و تأثيره العميق في مُجـايِليه و في مَـن تــلاه من الشــعراء العـرب المُحْــدَثين و المعاصرين.
لقد أثّر شوقي ،فعلاً، في عددٍ من الشعراء المشارقة و المغاربة. و يُهِمُّنا في هذا المقال أن نتطرق إلى تأثير الرجل في أحد الشعراء المَغاربيين المرموقين؛ و يتعلق الأمر بـ"مفدي زكريا" (1913-1977م) الذي يعد "شاعر الثورة الجزائرية" بلا منازع و لا مدافع. و سنحاول إبراز ذلك من خلال الوقوف عند مجموعة من النقط التي يبدو لنا فيها أثر شوقي في جوانبَ مِن مُنْجَز مفدي الشعريِّ، كــالآتي:
* يقول مفدي زكريا في البيت الأخير من قصيدته ".. حروفها حمراء": [الخفيف التام]
اعْـترافٌ... فـدَوْلة... فسَــلاَمٌ... فكـَـلامٌ... فمَـــوْعِدٌ... فجَــلاَءُ...
فهذا البيتُ شديدُ التأثر بقول شوقي: [الخفيف التام]
نَـــظْرَة، فابْتِــسامَة، فــــسَلامٌ فكــَـلامٌ، فمَـــوْعِدٌ، فلـِــــــــقاءُ
ففـِـــراقٌ يكـُـون فــــــيه دَواءٌ أو فِــــراقٌ يكـــون فيه الــــداءُ
و يقول مفدي في قصيدته "ذروا الأحلام و اطّرحوا الأماني": [الوافر التام]
و مَن طلبَ الكرامةَ، و ابْتغاها يُقـدِّمْ مَهْرَها المُهَجَ الحِرَارَا
معنى هذا أن من أراد تحقيق الكرامة أو أي شيء آخر، فمن الواجب عليه أن يسعى إليه بالجدّ و الاجتهاد تاركاً الكسلَ و الخُمولَ و التّــكلان؛ لأن "السماء لا تمطر ذهبا و لا فضة" كما يُقــال. و يمكن أن نلمس خيطا رفيعا دقيــقاً بين هذا البيت و بيت شوقي الشهير الذي أجْراه مَجْرى الحكمة: [الوافر التام]
و ما نيْـــل المَطالب بالتـــمني و لـكنْ تُــؤخَذ الدّنْــيا غِـــلابَا
و يقول مفدي في قصيدة عينيةٍ له بعنوان "معجزة الصانع": [الكامل التام]
يا جَارة الوادي، (ببردونها)(2) طرِبْــتُ، في فِـرْدَوْسِكِ الماتِعِ
و لا شك في أن الشاعر قد تأثر في هذا البيت الشعري بشوقي الذي سبق أن نظم قصيدة في هذا المنحى. يقول في قصيدته الموسومة بـ"جارة الوادي":
يا جارة الوادي طربْتُ و عادَني ما يُشْــبه الأحْــلامَ من ذِكْــراكِ
و تجدر الإشارة إلى أن هذه القصيدة الشوقية قد لحِّنت و حُوِّلت إلى أغنية أدّاها ،باقتدار، الفنان الراحل محمد عبد الوهاب...
* نلمس في أشعار شوقي حضور "الوطنية" الصادقة و الدافقة، ذلك بأنه كان قويَّ الارتباط بوطنه، شديدَ الالتحام بمجتمعه؛ يعبر عن آلامه و آماله بلغة واضحة و أسلوب جَزْل رصين، و لاسيما بعد عودته من مَنفاه القسْري. يقول د. فوزي عطوي: "إن أحمد شوقي شاعر وطني، صادقُ العاطفة، دافئ النبرة، عاش قضايا عصره، و دافع عنها دفاعا مشكورا".(3) و نـُلفي في شعر شوقي كذلك الولاء العميق للعُروبة، و التعبير الصادق عن مآسي العرب و تطلعاتهم. يقول ذ. أحمد زكي عبد الحليم: "كان شوقي شاعر الحرية و الوطنية، ليس بالنسبة لمصر فقط، و إنما هو شاعر العروبة قبل كل شيء. هو الطائر العربي الذي يشدو فوق الأفـْنان العربية، و لا يتقيّد بحدود أوطانٍ صنعها الاستعمارُ و مزّقها إرباً. هناك فوق كل شيء، و قبل كل شيء، الوطنُ العربي الكبير".(4) و من الأبيات التي تبرز الحب الخالص الذي كان يكنّه شوقي لوطنه ما يأتي: [الخفيف التام]
وَطـني لو شُـغِلتُ بالخُــلدِ عنه نازَعـَــتْني في الخـُـلْدِ نَفـْـــسي
و نجد هذه الوطنية واضحة ،بقوة، في العديد من قصائد مفدي زكريا. من ذلك قوله في قصيدته "أنا ثائر":
أنا ثــائِرْ
في الجَــــزائِرْ
أنا ثــائرْ
إن أمُـتْ: تحْــيا الجَـــزائِرْ...
* تتخلــل بعضَ قصائد شوقي أبياتٌ حِكْمية بليغة. و هو ما يمكن اعتباره مَلمحاً من ملامح تأثر شوقي بأبي الطــيب المتنبي (ت354هـ). و من المعروف أن شوقياً كان شديد الإعجاب بالمتنبي، كثيرَ التأثر بحِكمه و أسلوبه و صُوره الشعرية البَديعة. يقول بعض الدارسين عن شوقي: "كان من أحبّ شعراء العربية لديه المتنبي، ثم أستاذه البارودي، ثم يلي ذلك ابن الرومي و البحتري".(5) و من أبيات شوقي التي تجري مجرى الحكمة قولُه: [الوافر التام]
و ما نيْلُ المَطالب بالتّمَـــــني و لكنْ تؤخَـذ الدنــيا غِــلابا
و ما اسْتعْصى على قوْمٍ مَنالٌ إذا الإقـْـدامُ كان لهمْ رِكــابا
و يقول في إحدى ميمياته: [الكامل التام]
إنّ الغُــرورَ إذا تَمَلـَّـك أمّــــةً كالزَّهْر، يُخْـفي المَوْتَ، و هْوَ زُؤامُ
و يقول كذلك: [البسيط التام]
و إنما الأمَمُ الأخْلاقُ ما بَقيَتْ فإنْ هُـــمُ ذهبَـــتْ أخلاقُهمْ ذَهَـــبوا
و مَن يتصفحْ قصيدَ مفدي زكريا يُلفي فيه ،كذلك، أبياتاً حِكْمية قيِّمة. و هو ما يمكن عدُّه تأثراً بشوقي و بالمتنبي. يقول مفدي مثلا: [البسيط التام]
و ما الزَّعامَةُ أقوالٌ و شَقشَـقةٌ إنّ الزّعــــامةَ إصْــــلاحٌ و تشْــييدُ
* تأثر شوقي بالشعراء العــرب القدامى – العباسـيين و الأندلســيين خاصةً-، و هذا يبدو ،بجلاء، في معارضـته لهم و في القــصائد التي نظمها تقــليداً لها. و نجد هذا التــأثر ،كذلك، لدى مفدي الذي قلَّــد و اقتبسَ بعضَ شعر العــباسيين و الأندلسيين. يقول مفدي في قصيدته "ماذا تخبّئه يا عام سِتّينا؟": [البسيط التام]
الشرُّ بالشرِّ..! و الأيّامُ تجْـربةٌ مَن سَرَّهُ الدّهرُ حِيــناً، سَاءَه حِـــينا
فهذا البيت ينظر إلى قول أبي البقاء الرُّندي الأندلسي (601-686هـ): [البسيط التام]
هيَ الأمورُ - كما شاهَدْتَها- دُوَلٌ مَـن سَــرَّه زمَــنٌ ســاءتْه أزْمـــانُ
و يقول مفدي في قصيدته "و تعطلت لغة الكلام..": [الكامل التام]
نطقَ الرَّصاصُ، فما يُباحُ كلامٌ! و جَرى القِـصاصُ، فما يُتاحُ مَلامُ!
السَّـيْفُ أصْدَقُ لهْجَةً من أحْرُفٍ كُــتِبت، فــكانَ بَيَانَــــها الإبْـــــهامُ
ففي هذا الشاهد الشعري تناصّ واضحٌ مع بيت أبي تمام الطائي (ت231هـ) الشهير: [البسيط التام]
اَلسّيفُ أصْدقُ إنْباءً مِن الكُـــتب في حَـدِّه الحَـدُّ بين الجِــدّ و اللّعِبِ
و قد سبق لشوقي أن عارض هذا البيت بقوله: [البسيط التام]
اللهُ أكبَرُ كمْ في الفَتح من عَجَـبٍ يا خالِدَ التُّـرْكِ خَلّدْتَ خالدَ العَربِ
* من الظواهر التي نجدها عند كل من شوقي و مفدي ما يسمى "الشعر المُناسباتي". فكلاهما نظم القصائد في مناسبات وطنية و قومية و دينية، و كلاهما نطم قصائد المديح في السلاطين... و هكذا، فقد دبّج شوقي القصائد الطِّوال في مناسبات عدة؛ مِن مثل المَوالد النّبَوية و الأعياد الوطنية، و خصّ قصائد أخرى بمدْح السلاطين الخِدّيويّين اعترافاً بنِعَمهم و آلائِهم عليه. يقول في إحْداها: [الكامل التام]
المُـــلكُ فيكم، آلَ إسْـــــــماعيلا لا زالَ بيْـــتُكُمُ يُظِـــلُّ النّــــــــيلاَ
و قد فعل مفدي الشيء نفسَه، بحيث إنه نظم قصائدَ من الوفرة بمكان في مناسبات متعددة و متنوعة، و هو غالبا ما ينص على مناسبة القصيدة في أولها. و للرجل كذلك عددٌ من القصائد في مدح الملوك المغاربة و خاصة محمد الخامس و الحسن الثاني(6). و من القواسم المشترَكة بين الشاعرين أن كلا منهما أثار الجانب الديني، بيد أن هذا الجانب يرتبط ارتباطا وثيقا بالحِسّ القومي لدى مفدي. يقول د. نسيب نشاوي عن هذا الأخير: "في شعره ترتبط الفكرة الدينية بالفكرة القومية، و أظْهرُ ما يتجلى ذلك في عَرْضه أسبابَ كارثة زلزال أرض الأصنام سنة 1954م، فهو يَعْزوها إلى الإثم و الفُجور و اللهو و العَبَث الذي استدْعى نقمة الله".(7)
* لكل من شوقي و مفدي قصائدُ في تصوير حال الأمة العربية التي تعاني الاضطراب و الانكسار و البؤس في زمن أفول نجْمها. و قد حاولت هذه القصائد نقل آلام العرب و آمالهم في لبنان و غيرها من أقطار الوطن العربي الكبير.
* احتفل شوقي بتجْويد مطالع قصائده و إحْكام نَسْج خُيوطها. و يَستعمل كثيراً فعلَ الأمر في افتتاح قصائده. يقول في إحدى قصائده: [الكامل التام]
آذارُ أقـــــبلْ، فــقم بـــنا يا صـــاح حَـــيِّ الرّبــيعَ حَديــقةَ الأرْواحِ
و اجْمَع نَدامى الظَّرْف تحْت لِـوائه و انْــشُرْ بـــسَاحَته بِساطَ الرّاح
صَــفوٌ أتِيــحَ، فخُــذ لنفسِـك قِسْطَها فالصَّفوُ ليسَ على المَدى بمُتاح
و ٱجْلسْ بضاحِكةِ الرِّيَاض مُصَفـِّقاً لتَـــجاوُبِ الأوْتــار و الأقـْــداح
و اسْـــتأنِـــسَنَّ من السُّــــقاة بـرُفقةٍ غُــرٍّ، كأمْـــثال النُّجـوم، صِباحِ
و يقول في قصيدته عن المعلم: [الكامل التام]
قـُـــــم للمُعَلم وَفـِّهِ التبْجـــــــــــــيلا كاد المُـــعلمُ أنْ يـــكون رَسـولاَ
و يقول في قصيدته عن الملك الفرعوني القديم "توت عنخ آمون": [الوافر التام]
قِــفي يا أخْـــتَ يُوشَـــعَ خَبـِّـــــرينَا أحـــاديثَ القـُــرون الغابِـــــرينَا
و عندما نستقري قصائد مفدي و نتصفحُها نلفي أن عدداً منها قد استُهلّ بفعل الأمر كما فعل شوقي تماماً، و هو ما يمكن اعتباره تجلياً من تجليات تأثير شوقي في مفدي. يقول مفدي في مطلع قصيدته "لا تعجبوا إنْ جاءكم برسالة!!": [الكامل التام]
قِفْ بـي، أقـْـدِسْ للحَياة نِضـــالَها(8) فلَــكَم وقفـْـتُ، أقَدِّسُ اسْتِـــقلالها
و يقول في أول قصيدته ".. لذهبنا نحالف الشيطانا!": [الخفيف التام]
قُـــمْ و خَــلد ،يومَ البَيانِ، "البَيانا"(9) حَيِّ ،باسْم الجَــزائرِ، المِهْـرَجانَا
و يقول في مُفتتَح قصيدته "على عهد العروبة سوف نبقى": [الوافر التام]
سَلِ الفُصْحى.. و قلْ للضّاد رِفـْقاً.. لسانُ الحال أفْـصَحُ مِــنكَ نـُـطقاَ
* يحضر معجم الثورة عند كل من شوقي و مفدي. و من الثابت أن كلا من مصر و الجزائر قد خضعت لنيْــر المستعمِر الغربي الغاشم، فكان لزاماً على الشاعرين بحُكم وطنيتهما الصادقة و المتدَفقة أن يعبِّرا عن موقف مجتمــعيْهما من الاستعمار، و أنْ يشْحَذا هِمَمَ الجــماهير للثورة و مُدافعة الغُـزاة بالنفس و النفيس. يقول شــوقي عن الثورة: [الوافر التام]
دمُ الثـُّـــوّار تعْـــــرفُه فرَنْــــــــسا و تعْـــلمُ أنّـــهُ نورٌ و حَــــــــــقُّ
و نجد معجم الثورة حاضراً بقوة في جُـل شعر مفدي؛ فهو "شاعر الثورة الجزائرية"، كما أسلفنا القيل، و المعبِّــر عن هُموم شعبه و انشغالاته و تطلعاته أصدق تعبير. و الثورة عنده تمتحُ من العروبة و الإسلام، و تتجاوز نطاق الجزائر لتشمل الوطنَ العربيَّ رُمَّتـَــه. يقول د. نشاوي عن مفدي: "فلسفة الثورة عنده تنبع من الدين و العروبة؛ فلم يفصل بين وطنه و البلاد العربية، و كافح دائما من أجل لغته و قوميته و إسلامه، فكابَد من جرّاء ذلك ألواناً من الآلام".(10)
* نظَم شوقي الشعر الفصـيح، و كذا الــعامّي (الزجَل). و هذا ما نجده لدى مفدي أيضاً. يقول شوقي في أحد أزْجــاله الشعرية مثلا:
النـــــيل نجاشي حلـــيوه أســـمر
عجــب للـــــونه دهـب و مرمـر
أرغـوله في أيده يســبَّـح لســـيده
حــياة بــــــلادنا يــا رب زيـــده
و يقول مفدي ،مثلا، في مطلع نشيد جيش التحرير الجزائري الذي نظمه بسجن "البرواڤية" بلغة شعبية جزائرية قريبة من الفصحى:
هـذي دِمـانا الغــاليه دفـّاڤهْ
وعلى الحبالْ عْلامْنا خَفّاڤهْ
و للــجهادْ أرْواحْـنا سَبَّــاڤهْ
جيش التحرير احْنا... ما نَاشْ "فَــلاّڤهْ"(11)
و لشوقي أناشيدُ يترنّم بها الصغار، و يردِّدونه في مناسباتٍ و أحايينَ كثيرةٍ. و لمفدي ،كذلك، عددٌ من الأناشيد الحَماسية الوطنية الرائعة. و من يتصفح ديوانه "اللهب المقدَّس" يجد أن صاحبه قد أفرَدَ حيّزا مهمّاً للأناشيد التي نظمها، و عَنْوَن هذا الحيز باسم "تســابيح الخــلود".
* ذكر د. عبد الله الطيب السوداني المجــذوب ،رحمه الله، في مرشــده أن وزن الكامل كثيرُ الوُرود في أشــعار شوقي(12). ففي ديوانه الأول إحدى و عشرين قصيدة كامِلية، و أكثرُ ديوانه الثالث كاملياتٌ، و عددُهنّ في الديوان الثاني ليس بالقليل. و الكامل - كما يقول عبد الله الطيب- ذو نغمٍ مُجَلْجل رَنّان، يصْلح لكل ما هو عنيف من الكلام، كما يصلح للترَنُّم الخالِـص. و نجد هذا الأمر كذلك في ديوان مفدي "اللهب المقدَّس" الذي حوى عدداً كبيراً من القصائد المنظومة على زِنَة الكامل(13). و هو ما يمكن اعتباره مظهراً آخرَ من مظاهر تأثير شوقي في مفدي زكريا.
* و مما يُـلاحَظ على لغة كل من شوقي و مفدي أنها واضـحة، رصيـنة، جَزْلة، سليـمة من الناحية اللغوية (النحــوية و الصرفية و الإملائية). و يُعزى ذلك أساساً إلى تضَلـُّع الرجلين من اللغة العربية، و تمكُّنهما منها؛ لأنهما كانا كثيريْ قراءةِ أمّاتِ كتب التراث و الاحتكاك بالمَظانّ القديمة التي كانت تستعمل لغة قوية و رفيعة المستوى.
تلكم ،إذاً، بعضُ نقط الائتلاف و التشابُه الملحوظة في شعر كل من أحمد شوقي و مفدي زكريا. و يمكن القول – بحكم أسبقية شوقي و اطّلاع مفدي على الأشعار الشوقية – إن شوقياً قد أثـّر أيَّما تأثير في مفدي، و ذلك في الجوانب و الأمور المعروضة آنفاً بتفصيل على الأقلّ؛ و هو تأثيرٌ تزكّيه جملة من القرائن و المؤشرات القوية و الشهادات كذلك...!
الهوامش:
1- ميخائيل نعيمه: الغربال، مؤسسة نوفل، بيروت، ط.12، 1981، ص213.
2- البردوني: نهر موجود في "زحلة" بلبنان.
3- د. فوزي عطوي: أحمد شوقي – شاعر الوطنية و المسرح و التاريخ، سلسلة "أعلام الفكر العربي"، دار الفكر العربي، بيروت، ط.1، 1989، ص44.
4- ذ. أحمد زكي عبد الحليم: أحمد شوقي شاعر الوطنية، سلسلة "كتاب الهلال"، ع.322، القاهرة، 1977، ص162.
5- جماعة من المؤلفين: في الفكر و الأدب، دار الراشاد الحديثة، الدار البيضاء، ط.1، 1988، ص213.
6- انظر مثلا قصائدَه: قالوا نريد – على عهد العروبة سوف نبقى – لا تعجبوا... إلخ.
7- د. نسيب نشاوي: مدخل إلى دراسة المدارس الأدبية في الشعر العربي المعاصر، دمشق، ط.1، 1980، ص357.
8- الضمير ها هنا عائدٌ على بلاد المغرب.
9- صحيفة عربية كانت تصدر من البرازيل.
10- د. نسيب نشاوي: مدخل إلى دراسة المدارس الأدبية في الشعر العربي المعاصر، م.س، ص358.
11- فلاڤة: كلمة يطلقها المغاربيون ،و لاسيما أهالي تونس، على المُجرمين.
12- عبد الله الطيب: المرشد إلى فهم أشعار العرب و صناعتها، دار الفكر، ط.2، 1970، انظر على وجه الخصوص المحور الحامل لعنوان "كامليات شوقي".
13- مثل قصائده: و تعطلت لغة الكلام.. – اقرأ كتابَك.. – قالوا نريد – أهدافنا في العالمين صريحة! ... إلخ.