تخفق سيارة ( خضرا) على الطريق السريع متجهة إلى (إنديانا بوليس) في مهمة صحفية لتغطية مؤتمر إسلامي يعقد في مركز الدعوة في المدينة .
(خضرا الشامي) نشأت في ولاية إنديانا و قضت معظم حياتها بين الجالية المسلمة. و ولاية إنديانا بانبساطها و امتدادها و رائحة حقول الذرة تعيد إليها ذلك الإحساس الثقيل الضارب بجذوره إلى مرحلة الطفولة
و المراهقة. لكنها الآن شابة قاربت الثلاثين ، و قد انتزعت نفسها إراديا من الجالية المسلمة حيث قررت العيش وحيدة في بنسلفانيا و عملت في مجال التصوير الفوتوغرافي. ترتطم عند عودتها إلى مركز الدعوة ب( حكيم) الأمريكي الأفريقي ، إمام المسجد و صديق الطفولة المقرب.
و هنا تبدأ خضرا بالتداعي الذي يستمر في ٤٤٤ صفحة من القطع المتوسط و يمتد بين حقبة السبعينيات و حقبة الثمانينيات.
خضرا بطلة الرواية ، تشبه كثيرا (مهجة قحف) كاتبة الرواية ، و مهجة بروفيسورة في الأدب المقارن في جامعة أركنسا ، تنحدر من عائلة سورية و قد ترعرت فعليا في إنديانا في الحقبة الزمنية نفسها. تتقاطع ظروفها مع ظروف خضرا كثيرا لكنها نفت أن تكون الرواية سيرة ذاتية بقدر ما هي تجربة شخصية تمتزج بالخيال . الغلاف يحمل صورة فوتوغرافية لفتاة تضع وشاحا برتقاليا تظهر من خلاله غرتها ، ترتدي بنطلون جينز و بلوزة منحسرة الأكمام ، لكن الوشاح الحريري يستر ما انكشف .
" تحتاج إلى قرية بأكملها كي تربي طفلا "
مثل نيجيري
تنحدر عائلة الشامي من أصول دمشقية عريقة. و قد جاء وجدي و ابتهاج من سوريا إلى الولايات المتحدة هربا من الطوق السياسي الذي فرضته الحكومة على جماعة الإخوان المسلمين. يستقر المقام بالعائلة المكونة من أبوين و ثلاثة أطفال - إياد ، خضرا ، جهاد - في وسط الولايات المتحدة حيث يسود العرق الأبيض الرافض لأي أقلية مختلفة لونا و شكلا و لكنة و عقيدة.
تعيش خضرا وسط عائلة متدينة ، تصلي فروضها ، تصوم رمضان ، تحفظ القرآن و تمارس الإسلام المعتدل ، و لم يبد لي من سياق الأحداث بأن والدها قد انخرط في أي تجمع سياسي أثناء إقامته في أمريكا. تنحصر تلك الطفولة في يوميات الجالية المسلمة التي تلم أجناسا مختلفة من أفارقة أمريكيين ، فلسطينيين، مصريين ، كينيين ، باكستانيين، عراقيين، إلخ. تمر الأسرة بظروف مادية صعبة، فعمل وجدي كإمام و مرشد لمركز الدعوة لا يجني له المال الكثير. لكن خضرا تمرح مع أبناء الجالية الكادحة ، و جميعهم يعانون من تحرشات الأطفال الأمريكيين الذين ينعتونهم بكل النعوت العنصرية ، كما يقاسون من التمييز العنصري في المدارس . تلك العنصرية تشمل الدين و العرق، فالذبذبات السياسة التي تحدث في الشرق الأوسط يمتد صداها إلى القلب الأمريكي بدءا بالثورة الخمينية ، ثم حرب العراق و إيران ، فحرب لبنان و انتهاء بمجازر صبرا و شاتيلا. كل ذلك يجعل من الجالية أقلية مستهدفة من المجتمع الأبيض ، مهملة من المؤسسات الحكومية الأمريكية ، و متقوقعة على ذاتها رغما عنها.
تتطرق (مهجة قحف) في هذا الجزء إلى نشاطات مركز الدعوة ، علاقة الأقليات ببعضها البعض و تباينها ، المشاكل التي تواجه خضرا خصوصا حين تبلغ سن المراهقة و تضع على رأسها حجابا فتضرب و تهان و ينزع غطاء رأسها في ساحة المدرسة دون أن يتدخل أي شخص من الطاقم التعليمي. كما تتعرض لقصة زهرة ، الطالبة الجامعية الكينية الناشطة في مركز الدعوة ، و التي يتم قتلها و اغتصابها من مجموعة أمريكية متشددة في إنديانا . تسهب أيضا في نظرة المجتمع المسلم للمجتمع الأمريكي من الداخل في أبسط الأمور كالطهارة و الاستنجاء ، و في أدق تفاصيلها كالآراء السياسية في أمريكا راعية الحروب و الاستبداد في الوطن العربي.
يعد هذا الجزء من الرواية واقعيا جدا و قد أضحكتني الكاتبة في مواقف متعددة خصوصا بعد مرور خمسين صفحة من الرواية. و بينت ما تعانيه الجالية المسلمة نفسها من تمييز مبطن بين السني و الشيعي و الأبيض و الأسود و الغني و الفقير. يتجلى ذلك لخضرا و أخيها في صفحة ١٣٩ حين أراد إياد الارتباط بفتاة سودانية من الجالية ، فوجد والده يقول بتلقائية غير مقصودة ، " يا إلهي ، إنها سوداء كالفحم " بينما صمتت والدته لوهلة ثم قالت بدبلوماسية " الأهم من ذلك أنها تكبرك بعدة أشهر!"
حينها، شعرت خضرا بأن الفجوة بين ما يتعلمه الأبناء من مبادئ نظرية و ما يحدث على أرض الواقع كبيرة جدا.
نشرت مهجة في هذا الجزء غسيل الجالية كله للقارئ الأمريكي ، دون تجميل أو تبسيط أو تحايل أو إيحاء لدرجة مبتذلة أحيانا و فجة أحيانا أخرى ، لكنها كانت واقعية في معظم الأحيان. و كما يقال :
الحقيقة نادرا ما تكون نقية ، لكنها لا يمكن أن تكون سهلة و بسيطة !
" نصفا حقيقة لا يصنعان حقيقة ، و نصفا حضارة لا يصنعان حضارة "
آرثر كوستلر
لا أعرف ما هي اللحظة التنويرية في حياة خضرا في النصف الثاني من الرواية و لا سبب تحولها.
فخضرا ستذهب في رحلة إلى مكة المكرمة للقيام بفريضة الحج ، و هناك ستتعرض لتحرش جنسي أثناء إحرامها من أحد أقرباء صديقة والدتها ، و حينها ستكتشف بأن الإسلام الذي تعلمته في أمريكا لا يمارس في الدول الإسلامية ، و بأن ابتهاجا - والدتها - علمتها بأن العقيدة تنحصر في شقين : أبيض و أسود ، طاهر و نجس، حلال و حرام.
تتذبذب خضرا في مرحلة الجامعة بين مذاهب العقيدة و طرائقها، و تصبح من أهم الناشطات في الجمعية الطلابية المسلمة. ستختار التكنولوجيا الطبية كتخصص و ستقابل (جمعة) طالب الهندسة الكويتي. يتم الزواج و يستمر فترة لا تتجاوز العام لأن خضرا (المتدينة) تصر على الإجهاض فهي ليست جاهزة للإنجاب في السنة الأخيرة من الجامعة ، يسبق هذا الحدث انفصال نفسي بينهما لأسباب واهية سخيفة كاعتراضه على ركوبها دراجتها في الأماكن العامة ، و انفعالهما الطفولي بسبب الخلاف على تحضير وجبة العشاء . يقع الطلاق بناء على رغبتها ، تعرض على جمعة الخلع (في مطلع الثمانينيات) حتى لا يدفع لها مؤخر الصداق ، و قد قابل جمعة عرضها عليه بقوله : ماذا ؟ خلع؟
و أزيد على مقولته ، " و لو !"
يبدو لي أن خضرا قد فاقت قوانين الأحوال الشخصية في الدول العربية استبصارا و علما أو أنها تأثرت بفيلم فاتن حمامة " أريد حلا"!
تبدأ أحداث الرواية بأخذ منعطفات غريبة بعد طلاق خضرا و زيارتها لجدتها في دمشق خصوصا حين تلتقي شاعرا ، مجهول الاسم ، يلقي بهذيانه الشعري عليها فتشعر حينها بأنها قد بدأت تتحرر من قيود الجالية المسلمة ، تشتري وشاحا برتقالي اللون و تقرر العودة إلى أمريكا بنظرة جديدة خارج جدران مركز الدعوة. و لا أدري ما الذي جعل (مهجة قحف) تختار شاعرا مجهول الهوية لإحداث تغيير جذري في حياة خضرا ببضع حوارات صغيرة لا يتعدى بعضها عدة جمل . ألأن الشعراء يتبعهم الغاوون ؟ و في الروايات أيضا ؟
لا أدري!
تقرر خضرا الانفصال عن عائلتها و ترك دراستها التكنولوجية و الذهاب إلى بنسلفانيا لدراسة التصوير الفوتوغرافي حيث توجد مجتمعات أخرى من البشر تختلف عن جالية مركز الدعوة. تتعرف إلى فتاة يهودية أرثودكس متشددة و تتفقان على مجيئهما من مجتمع متدين منغلق متشابه، لتصبحا صديقتين حميمتين فيما بعد. تلوم خضرا أبويها لوما صريحا على طفولتها و مراهقتها المكبوتة و تتحمل ابتهاج اللوم الأكبر في حالة عدم الاستقرار التي تمر بها خضرا ، لدرجة أنها تصفهما بالعنصرية و ضيق الأفق. و قد خفت حقا بأن يمتد الوصف إلى الإرهاب أو الأصولية المتطرفة.
من هنا بدأ الهراء و اتخذ منحى مطردا كدت على إثره أن أنتف شعري !
ستخلع خضرا الحجاب حين تريد ثم ستضعه حين تريد. تبدأ في القراءة للمذهب الصوفي و تنخرط في التصوف مع مجموعة أمريكية تقودها شيخة بنغالية تؤم حلقات الذكر. تتعرف إلى أصدقاء و صديقات جدد من ديانات مختلفة و اتجاهات متعددة، من ضمنهم شاب تونسي علماني يغرم كل منهما بالآخر لكن الأمور تتدهور بينهما حين يطلب منها أن يمارسا المعاشرة الحقيقية دون قيود الزواج ، و وقتها تنتفض بداخلها خضرا القديمة.
اختفى الحدث تماما في النصف الثاني من الرواية فصار أشبه بمخاض عسر يتعبه جنين صامت. استمرت (مهجة قحف) في التنقل بين فكرة و أخرى دون ترابط ، حالة مشتتة من السيلان الذهني و العشوائية التي تناقش مواضيع يطرحها الأمريكيون في واقع الحياة عن المجتمع المسلم دون أن تدخل في نسيج القصة.
و قد فقدت سيطرتها تماما على مجرى الرواية فلم أعد أعرف هل هي بصدد كتابة يوميات خضرا ؟ هل تناقش العقيدة الإسلامية في الثوابت أم في الفروع؟ هل تدعو إلى اعتناق الصوفية ؟ هل تدعو إلى العلمانية كما أرادها أتاتورك؟ أين تكمن المشكلة ؛ في تغلب العرف على الدين ، أم في امتزاج كليهما ؟ و هل تريد أن تصبح الشريعة عملية انتقائية ، فاليوم خمر و غدا أمر ؟ أم أنها تريد من مسلمي أمريكا أن يكونوا أمريكيين في كل شيء حياتي بالإضافة إلى بعض الفروض الشرعية؟ و هل سيرضى عنها المجتمع الأمريكي الأبيض على اعتبار أنها كانت تصف هذه الفئة تحديدا بالآخر؟ إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم يقدر الأفارقة الأمريكيون و الهيسبانك الأمريكيون على الاندماج اندماجا كاملا في المجتمع الأمريكي الأبيض على مدى قرنين كاملين رغم عدم وجود اختلاف عقائدي؟
تعود خضرا إلى الجالية لتقديم ريبورتاج صحفي للمجلة التي تعمل بها ، يصور أفرادها في أمورهم المعيشية المختلفة و يلقي الضوء على مجتمعهم المسالم، و أثناء قيامها بالمهمة تحس بأن شيئا ما في داخلها ينزع إلى الماضي. طلاق حكيم من زوجته و تخليه عن إمامة المسجد من أجل عزف موسيقى الجاز في ملهى ليلي، و من ثم نزوعه لا كتشاف الحياة خارج الجالية ، و عرضه عليها بأن يلتقيها في بنسلفانيا يخلق لديها إحساسا جديدا تجاه المستقبل.
أما أنا فقد تخلقت لدي رغبة ملحة بالتهام ليمونة صفراء طازجة شديدة الحموضة مع ملح بحري لعلي أتخلص من هذا الغثيان النارنجي.
" صاخب من الخارج ، فارغ من الداخل "
مقولة صينية
تعرف مهجة قحف كشاعرة في الأوساط الثقافية الأمريكية ، و قد صدرت روايتها الأولى عام ٢٠٠٦م. مهجة محبوبة في الأوساط العربية الأمريكية و الأوساط المسلمة الأمريكية أيضا ، و تعد من المدافعين عن خصوصية المسلمين في أمريكا في مواضيع مختلفة كالحجاب ، المرأة المسلمة ، و الجنس في الإسلام ، لكنها لم تنجح في النصف الثاني من الرواية في إثبات هذا الحق. مهجة حاولت أن تقول على لسان خضرا إن عقيدة الفتاة المسلمة لا تتعارض مع اندماجها في المجتمع الأمريكي لكن حسن النوايا لا يصنع رواية ناجحة ، و تأويل الثوابت حسب المزاج الأمريكي العام لا يلغي حقيقة مهمة و هي أن العرب و المسلمين مكرهون و منبوذون من المجتمع الأمريكي قبل 11 سبتمبر و بعده و ليس العكس. و لا أدري إلى متى ستظل كتاباتنا الموجهة للغرب دفاعية و تبريرية و حائرة بين الذات التي يريدها الغرب لنا و بين الجذور التي ننتمي إليها.
خضرا الشامي تمثل أزمة جيل ممزق بين حضارتين ، و هذا الجيل الممزق تجاوز الجغرافيا الأمريكية ، فما مرت به خضرا يمر به الآن جيل بأكمله موزع على العالم. جيل يشعر بأنه أقل تحضرا ، أقل حرية ، أقل فرصا، أقل متعا في الدنيا ، أقل وزنا على خارطة الحياة . الهوية الدينية كانت دائما - و ستظل - محط لبس و تشكيك و تمرد ، لكن إسقاط غضبنا على الدين هو محض فرية، لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي. و خضرا لم تقدم سببا كافيا لحقدها على الجالية المسلمة فقد كانت تمرح طوال الوقت خارج المنزل مع الجيران في طفولتها. أسرتها لم تفرض عليها نوع الدراسة الجامعية أو نوع النشاط داخل الجمعية الطلابية. خيارها بقبول (جمعة) كان بيدها و لم يدفعها إليه أحد. إجهاضها للجنين لم يقابل بأكثر من غضب عادي من والديها و انتهى بانتهاء الزواج . قرار طلاقها لم يقابل بهجوم شرس أو بقهر عاطفي ، و خروجها من حضن الجالية لم يتبعه تهديد بالقتل أو الضرب أو الشتيمة ، فعن أي عائلة مسلمة أرثودكسية - كما وصفتها - كانت تتحدث؟
البناء الروائي كان متعبا في الصفحات الأولى و من ثم صار سلسا في النصف الأول و انتهى الأمر إلى غياب الحدث و تلاشيه في النصف الثاني من الرواية ، و كان من الممكن تجاوز أي صفحة في الثلث الأخير من الرواية دون أن يؤثر ذلك على مجرى القراءة. بدأت أحداث الرواية بعودة خضرا إلى الجالية و من ثم بدأ الفلاش باك، ثم قطعت الكاتبة سير الفلاش باك إلى الحاضر ، ثم عادت إلى الفلاش باك فالحاضر ، ثم استمر الفلاش باك حتى قاربت الرواية على الانتهاء ، و قد وجدت ذلك مربكا. استخدمت الكاتبة الراوي العليم و لم تقسم الرواية إلى فصول مرقمة ، فقد استهلت كل فصل بمقولة لأحد العظماء أو المشاهير ، و كانت الاقتباسات متنوعة و مشتقة من الدين و الأدب و الحياة . استخدمت بعض الكلمات العربية في الحوارات و أغفلت ترجمتها للقارئ الأمريكي. لم تترك مهجة خلافا عربيا أو إيرانيا أو اسرائيليا أو أرمنيا أو قوقازيا أو ناصريا أو بعثيا إلا و تطرقت إليه في الرواية. و أجد أنها بعثرت القارئ و أنهكته بكل تلك المعلومات التي جاءت عابرة في سياق الرواية و حشوا لا يخدم الأحداث. ثقافة خضرا لا تطابق عمرها فقد كانت تتحدث في كتب التفسير و الفقه و الصوفية و السياسة و الأدب و الشعر وهي لم تتجاوز العشرين ، و أعتقد أن وجود تلك الكتب في أمريكا و قبل موجة الإنترنت كان صعبا للغاية. (مهجة) لديها لغة جميلة فهي شاعرة في المقام الأول ، و لديها ذاكرة بصرية تحسن ترجمتها على الورق و لا تخلو كتابتها من خفة الظل، و رقة الإحساس ، و أعتقد أنها تحسن الكتابة الرومانسية و لو جعلتها رواية رومانسية لكان أفضل !
ذكرتني خضرا بزمن الثمانينيات حين كنا طالبات في المرحلة الإعدادية ، و كنا نحشو مفردات انجليزية وسط العربية المحكية ، كانت مدرسة اللغة العربية تهز رأسها باستنكار و تطلق علينا جيل (الأربش) / عرب – انجليش. وجدت رواية " ذات الوشاح النارنجي" تعبر عن هذه الكلمة بمصداقية أكبر و قد أوردت خضرا لقبا جديدا في سياق روايتها لوصف مسلمي أمريكا المندمجين في الحياة الأمريكية ألا و هو : ماك مسلم
McMuslim.
بقي أن أقول إن هذه الرواية حائرة ، مشوشة ، مضطربة ، و لا عزاء للبرتقال !
٭The Girl in the Tangerine Scarf



