في الأول من يونيو عام 1885، خرجت باريس كلها تقريبًا لتشييع رجل واحد. سار في جنازته، بحسب التقديرات المتداولة، أكثر من مليوني شخص، أي ما يفوق عدد سكان المدينة آنذاك، وسُجّي جثمانه تحت قوس النصر، ثم نُقل إلى مقبرة العظماء "البانتيون". لم يكن الراحل ملكًا ولا قائدًا عسكريًا، بل كان شاعرًا وروائيًا وكاتبًا مسرحيًا اسمه فيكتور هوغو. وقد عاش ثلاثة وثمانين عامًا، شهد خلالها ثورات وإمبراطوريات وجمهوريات، ونُفي تسعة عشر عامًا، وكتب أعمالًا ما زالت تُقرأ وتُمثَّل وتُغنّى في كل قارات العالم، وفي مقدمتها رائعته "البؤساء".

طفولة بين جيشين

وُلد فيكتور ماري هوغو في 26 فبراير 1802، في مدينة بيزانسون شرق فرنسا. وكان أبوه ضابطًا في جيش نابليون، ارتقى إلى رتبة جنرال، وتنقّل بأسرته بين إيطاليا وإسبانيا، أما أمه فكانت ذات ميول ملكية مختلفة عن ميول زوجها. وقد عاش الطفل فيكتور بين هذين القطبين، وانفصل أبواه، فتربى في باريس في كنف أمه غالبًا.

أظهر هوغو موهبة شعرية مبكرة لافتة، حتى إنه كتب في مراهقته في دفتره عبارته الشهيرة التي يتناقلها كتّاب سيرته: "أريد أن أكون شاتوبريان أو لا شيء"، في إشارة إلى الأديب الفرنسي الكبير شاتوبريان، رائد الرومانسية آنذاك. ونشر أول ديوان له وهو في العشرين من عمره، فنال إعجاب الملك لويس الثامن عشر الذي منحه راتبًا سنويًا.

زعيم الرومانسية ومعركة "هرناني"

في عشرينيات القرن التاسع عشر، أصبح هوغو زعيمًا لحركة الرومانسية الفرنسية، التي ثارت على قواعد الأدب الكلاسيكي الصارمة، ودعت إلى حرية الخيال والعاطفة، ومزج الجليل بالمضحك، والجميل بالقبيح. وقد كتب هوغو في عام 1827 مقدمة مسرحيته "كرومويل"، التي صارت بيانًا نظريًا للحركة الرومانسية، دعا فيها إلى التحرر من "الوحدات الثلاث" في المسرح الكلاسيكي: وحدة الزمان والمكان والحدث.

ثم جاءت الليلة الحاسمة في 25 فبراير 1830، مع العرض الأول لمسرحيته "هرناني" في مسرح "الكوميدي فرانسيز". فقد تحوّل العرض إلى معركة حقيقية بين أنصار الكلاسيكية الذين جاؤوا ليُسقطوا المسرحية بالصفير والسخرية، وأنصار الرومانسية من الشباب الذين جاؤوا للدفاع عنها بالتصفيق والهتاف. وتكررت المواجهات في العروض التالية، ودخلت هذه الأحداث تاريخ الأدب باسم "معركة هرناني"، وعُدّت إعلانًا لانتصار الرومانسية في فرنسا.

"نوتردام دو باري": الكاتدرائية بطلةً

في عام 1831، أصدر هوغو روايته "نوتردام دو باري"، التي عُرفت في العربية وكثير من اللغات باسم "أحدب نوتردام". وتدور أحداثها في باريس القرن الخامس عشر، حول الغجرية الجميلة إزميرالدا، والأحدب المشوه كوازيمودو قارع أجراس الكاتدرائية، ورئيس الشمامسة فرولو الذي يعذبه هواه.

لكن البطل الحقيقي للرواية هو الكاتدرائية نفسها. فقد كان هوغو منزعجًا من الإهمال الذي تتعرض له المباني القوطية القديمة في باريس، ومن عمليات الهدم والترميم العشوائي، فكتب روايته جزئيًا للدفاع عن هذا التراث المعماري. وقد نجحت الرواية في إثارة اهتمام الفرنسيين بكاتدرائية نوتردام، مما أسهم في إطلاق مشروع كبير لترميمها في أربعينيات القرن التاسع عشر. ومن المفارقات المؤثرة أن الرواية عادت إلى قوائم الكتب الأكثر مبيعًا في فرنسا بعد الحريق الكبير الذي أصاب الكاتدرائية في أبريل 2019.

الأديب في السياسة

لم يكن هوغو أديبًا معتزلًا في برجه العاجي. فقد انتُخب عضوًا في الأكاديمية الفرنسية عام 1841، ثم دخل الحياة السياسية، ومرّ بتحولات فكرية كبيرة: من الملكية في شبابه، إلى الليبرالية، ثم إلى الجمهورية والدفاع عن الفقراء. وقد ألقى خطبًا شهيرة ضد عقوبة الإعدام، وضد الفقر، وطالب بالتعليم المجاني الإلزامي، ودعا إلى ما سماه "الولايات المتحدة الأوروبية"، في رؤية سبقت عصرها.

المنفى: تسعة عشر عامًا على صخرة في البحر

في الثاني من ديسمبر 1851، قاد لويس نابليون بونابرت، ابن أخي نابليون الأول ورئيس الجمهورية المنتخب، انقلابًا على الجمهورية، ثم أعلن نفسه إمبراطورًا باسم نابليون الثالث. وكان هوغو من أشد معارضيه، فحاول تنظيم المقاومة، ثم اضطر إلى الفرار من فرنسا متخفيًا.

بدأ هوغو منفاه في بروكسل، ثم انتقل إلى جزيرة جيرسي البريطانية في بحر المانش، ثم إلى جزيرة غيرنزي المجاورة، حيث اشترى بيتًا عُرف باسم "أوتفيل هاوس" وعاش فيه سنوات طويلة. وحين أصدر نابليون الثالث عفوًا عامًا عن المنفيين عام 1859، رفض هوغو العودة، وكتب عبارته الشهيرة التي معناها: "حين تعود الحرية، سأعود".

وكانت سنوات المنفى من أخصب سنوات حياته الإبداعية. ففيها كتب ديوانه الهجائي "العقوبات" ضد الإمبراطور، وديوانه التأملي "التأملات" الذي ضم قصائد مؤثرة في رثاء ابنته ليوبولدين التي غرقت عام 1843، وبدأ ملحمته الشعرية "أسطورة القرون"، وأكمل رائعته الكبرى "البؤساء".

"البؤساء": ملحمة الإنسان المسحوق

صدرت "البؤساء" عام 1862، بعد سنوات طويلة من الكتابة والتنقيح، وحققت نجاحًا جماهيريًا هائلًا منذ أيامها الأولى، وتُرجمت سريعًا إلى لغات عديدة.

تروي الرواية قصة جان فالجان، الرجل الذي قضى تسعة عشر عامًا في الأشغال الشاقة لأنه سرق رغيف خبز لإطعام أطفال أخته الجائعين، ثم حاول الهرب مرات عدة. ويخرج من السجن رجلًا مُرًّا، يرفضه المجتمع في كل مكان بسبب ورقة الإفراج الصفراء التي تكشف ماضيه. ثم يلتقي بالأسقف ميريل، الذي يستقبله في بيته، فيسرق جان فالجان فضيات الأسقف ويهرب. وحين تقبض عليه الشرطة وتعيده، يقول الأسقف إنه أهدى الفضيات له، بل ويعطيه الشمعدانين الفضيين أيضًا، ويطلب منه أن يستخدم هذه الفضة ليصبح إنسانًا صالحًا. وهذا المشهد هو نقطة التحول في حياة جان فالجان، ومن أشهر مشاهد الأدب العالمي.

تتشابك في الرواية مصائر شخصيات لا تُنسى: فانتين، العاملة الفقيرة التي تبيع شعرها وأسنانها ثم جسدها لتنفق على طفلتها؛ وكوزيت، الطفلة اليتيمة التي تعيش عند عائلة تيناردييه الجشعة؛ والمفتش جافير، الشرطي الصارم الذي يطارد جان فالجان طوال حياته باسم القانون؛ وماريوس، الشاب الثائر؛ والصبي غافروش، رمز أطفال الشوارع الأذكياء الشجعان في باريس.

وتصل الرواية إلى ذروتها في مشاهد انتفاضة يونيو 1832 في باريس، حيث يقيم الثوار الشباب المتاريس في الشوارع. ويرسم هوغو لوحة واسعة للمجتمع الفرنسي في القرن التاسع عشر، بكل طبقاته وتناقضاته.

رسالة الرواية

كتب هوغو في مقدمة "البؤساء" كلمات يمكن تلخيص معناها في أن الكتاب سيظل ضروريًا ما دامت هناك ثلاث مشكلات لم تُحل في هذا العصر: انحطاط الرجل بسبب الفقر، وسقوط المرأة بسبب الجوع، وذبول الطفل بسبب الجهل. وهي رسالة تجعل الرواية أكثر من حكاية مؤثرة، فهي دعوة إلى العدالة الاجتماعية، ونقد لنظام عقابي لا يرى في الإنسان إلا خطأه، ودفاع عن الرحمة بوصفها قوة قادرة على تغيير الإنسان أكثر مما يغيره العقاب.

ويمثل الصراع بين جان فالجان وجافير جوهر الرواية: صراع بين الرحمة والقانون الأعمى، بين إنسان يتغير وآخر عاجز عن تصور أن الإنسان يمكن أن يتغير.

رواية لا تموت

تحوّلت "البؤساء" إلى عشرات الأفلام والمسلسلات والمسرحيات، ومن أشهرها المسرحية الغنائية التي عُرضت لأول مرة في باريس عام 1980، ثم في لندن عام 1985، وصارت من أطول المسرحيات الغنائية عرضًا في تاريخ مسرح "الويست إند" اللندني، وتحولت إلى فيلم سينمائي عام 2012.

البؤساء بالعربية: حافظ إبراهيم وما بعده

وصل صدى "البؤساء" إلى العالم العربي مبكرًا. وكان شاعر النيل حافظ إبراهيم من أوائل من نقلوا الرواية إلى العربية، إذ ترجم جزءًا منها في مطلع القرن العشرين بأسلوب أدبي بليغ، يميل إلى التعريب والتصرف أكثر من الترجمة الحرفية، على عادة مترجمي ذلك العصر. ثم توالت الترجمات العربية الكاملة والمختصرة، ومن أشهرها ترجمة الأديب اللبناني منير البعلبكي، وصارت الرواية من أكثر الروايات الأجنبية قراءة في العالم العربي.

وقد وجد القراء العرب في "البؤساء" ما يلامس واقعهم: الفقر، والظلم الاجتماعي، وقسوة السلطة، والتوق إلى العدالة. كما تأثر بها عدد من الكتّاب العرب الذين اهتموا بالأدب الاجتماعي وتصوير حياة المهمشين.

العودة والمجد الأخير

عاد هوغو إلى فرنسا في سبتمبر 1870، بعد سقوط نابليون الثالث إثر هزيمته أمام بروسيا في معركة سيدان، فاستُقبل في باريس استقبال الأبطال. وعاش في المدينة أيام حصارها الصعبة، ثم أيام الكومونة، ودافع عن العفو عن الكومونيين المحكومين. وانتُخب لاحقًا عضوًا في مجلس الشيوخ.

وفي سنواته الأخيرة، أصبح هوغو رمزًا وطنيًا حيًا، يُحتفل بعيد ميلاده احتفالًا شعبيًا، وسُمّي الشارع الذي يسكن فيه باسمه وهو ما يزال حيًا. وتوفي في 22 مايو 1885، وأوصى بأن يُحمل في "عربة الفقراء"، وأن يُدفن دون طقوس كنسية، وأن تُخصص مبالغ من ثروته للفقراء.

إرث متعدد الوجوه

لم يكن هوغو روائيًا فقط، بل كان شاعرًا يعده كثير من الفرنسيين أعظم شعرائهم، وكاتبًا مسرحيًا، ومفكرًا سياسيًا، بل ورسامًا موهوبًا ترك آلاف الرسوم بالحبر. وقد ترك أثرًا عميقًا في الأدب العالمي، وأسهم في ترسيخ صورة الأديب بوصفه ضميرًا للأمة، وصوتًا للمظلومين، ومعارضًا للاستبداد.

"آخر يوم لمحكوم بالإعدام": أدب ضد المشنقة

من أعمال هوغو التي لا تحظى بالشهرة نفسها، لكنها تكشف عن جانب مهم من شخصيته، روايته القصيرة "آخر يوم لمحكوم بالإعدام"، التي نشرها عام 1829 وهو في السابعة والعشرين من عمره. وتأتي الرواية في صورة مذكرات يكتبها رجل محكوم بالإعدام في ساعاته الأخيرة، دون أن يذكر اسمه أو جريمته، لأن هوغو أراد أن يجعل منه رمزًا لكل محكوم، وأن يركز القارئ على المعاناة الإنسانية لا على تفاصيل القضية.

وقد كتب هوغو لاحقًا مقدمة طويلة لطبعة جديدة من الرواية، دافع فيها صراحة عن إلغاء عقوبة الإعدام، وظل طوال حياته من أشد المعارضين لها، فكتب الرسائل والمقالات والخطب، وتدخل لإنقاذ محكومين في فرنسا وخارجها. ومن اللافت أن فرنسا لم تلغِ عقوبة الإعدام إلا عام 1981، أي بعد نحو قرن ونصف من صدور هذه الرواية، وقد استشهد المدافعون عن الإلغاء آنذاك بهوغو مرارًا.

هوغو والشرق

ومن الجوانب التي تهم القارئ العربي أن هوغو أصدر عام 1829 ديوانًا بعنوان "الشرقيات"، استلهم فيه صورًا من الشرق كما تخيله الأوروبيون في عصره، ولا سيما في ظل حرب استقلال اليونان عن الدولة العثمانية. ويعكس الديوان النظرة الرومانسية الأوروبية إلى الشرق بوصفه عالمًا من الألوان والأساطير والعواطف الجامحة، وهي النظرة التي سيدرسها لاحقًا المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق"، كاشفًا ما فيها من تخيلات وأحكام مسبقة. ويبقى الديوان، رغم ذلك، شاهدًا على افتتان الأدباء الأوروبيين بالشرق في القرن التاسع عشر.

خاتمة

كتب فيكتور هوغو "البؤساء" في القرن التاسع عشر، لكن بؤساءه ما زالوا بيننا: في كل طفل يُحرم من التعليم، وكل امرأة يدفعها الفقر إلى ما لا تريد، وكل إنسان يحكم عليه المجتمع بماضيه ولا يمنحه فرصة ثانية. ولهذا تبقى رواياته حية، لأنها لا تحكي عن فرنسا وحدها، بل عن الإنسان في كل مكان وزمان. ولعل أعظم ما علّمنا إياه هوغو، من خلال شمعداني الأسقف الفضيين، أن لحظة رحمة واحدة قد تغيّر حياة إنسان بأكملها، وأن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا حين تلتقي بالرحمة.