يقوم هذا البحث على أصلٍ واحد: أنّ ما لم ينطق به القرآن لا يجوز أن يُبطِل ما نطق به القرآن. وهو لا يخوض في نقد الأسانيد جدلاً حديثيّاً، بل يصنع شيئاً أضيق وأحسم: يضع النصّ القرآنيّ إلى جانب الحكم المعمول به، ثم يسأل سؤالاً واحداً — أيّهما قال الآخر؟
والنتيجة التي تتكرّر في كلّ قسم أنّ البناء الفرضيّ السائد — سنّياً وإماميّاً — لم يقف عند تفسير النصّ، بل تصرّف فيه بأربع عمليّات:
- إلغاءُ شرطٍ منصوص — شرط ﴿إِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ﴾ في توريث الأخوة.
- إدخالُ قيدٍ غير منصوص — «من أمّ» في آية 12، و«الأشقّاء ومن للأب» في آية 176، و«ولا والد» في تعريف الكلالة.
- تجاوزُ الواحد الصحيح — العَوْل.
- تعطيلُ حكمٍ محكم — ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ بقاعدتين لا أصل لهما في الكتاب.
ثم يُقال بعد ذلك كلّه إنّ أحكام المواريث «قطعيّة».
حدودُ البحث: مسألة توزيع نصيب الأولاد في ما بينهم — دلالة ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ و﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ — مسألةٌ مستقلّة لا يتناولها هذا البحث. والموضوع هنا مَن يستحقّ ومَن يُحجَب، لا نسبةُ القسمة بين الأولاد؛ ولهذا تعبّر الأمثلة عن نصيب الأولاد مجموعاً («الثلثان»، «الكلّ») دون تفصيله.
القسم الأول: الشرط الذي أُلغِي — ﴿إِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ﴾
ذكر القرآن ميراث الأخوة في موضعين لا ثالث لهما، وقيّدهما كليهما بقيدٍ واحد:
﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء 12]
﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء 176]
فالأخوة في القرآن لا يظهرون في القسمة إلّا في حالة انعدام الولد. هذا شرطٌ منصوص، لا مستنبَط، وقد كرّره الله في الموضعين.
وفي مقابل هذا الشرط الصريح، يقضي المذهب السائد — سنّياً — بأنّ الأخ الشقيق يرث نصف التركة مع وجود بنتٍ للميّت. أي: يرث مع وجود الولد.
فما الذي أزال الشرط؟ خبرٌ واحد: «أَلْحِقُوا الفرائضَ بأهلها، فما بقي فهو لأَوْلى رجلٍ ذكر». ومن هذا الخبر وُلد نظامُ «التعصيب» بكامله — وهو مصطلحٌ لا وجود له في القرآن، ولا اشتقاقُه، ولا معناه.
وهنا موضع المخالفة بدقّة: لسنا في باب تخصيص عامّ ولا تقييد مطلق. النصّ لم يقل «للأخ السدس» ثم جاء الخبر يفصّل. النصّ قال: الأخ يرث إذا لم يكن ولد. والخبر قال: الأخ يرث وإن كان ولد. هذا رفعٌ للشرط، لا بيانٌ له. وأيّ قاعدةٍ أصوليّة تُجيز لخبر آحادٍ أن يرفع شرطاً قرآنيّاً منصوصاً مكرّراً في موضعين، فهي قاعدةٌ تُبطل نفسها: إذ لا يبقى في الكتاب شرطٌ مأمون.
القسم الثاني: كيف حُرمت النساء — التعصيب في الأرقام
آية الميراث الأولى — بشهادة كتب أسباب النزول نفسها — نزلت لتمنع عمّاً من استئثاره بمال أخيه دون بنتيه. فالمرويّ المشهور في سبب نزول ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ أنّ امرأة سعد بن الربيع جاءت تشكو أنّ عمّ البنتين أخذ المال، فنزلت الآية، فقيل للعمّ: أعطِ ابنتي سعدٍ الثلثين.
ثم استقرّ الفقه على أنّ العمّ — في المسألة عينها لو كانت البنت واحدة — يأخذ النصف. وإذا كان للميّت بنتان أخذ العمّ الثلث. أي أنّ الشخص الذي نزلت الآية لتمنعه صار مستحقّاً بقوّة الخبر.
| الحالة | التطبيق السائد (سنّياً) | ما ينطق به القرآن وحده |
|---|---|---|
| بنتٌ واحدة + أخٌ شقيق | البنت 1/2، الأخ 1/2 | البنت كلّ التركة — والأخ لا يرث لوجود الولد |
| بنتٌ واحدة + عمّ | البنت 1/2، العمّ 1/2 | البنت كلّ التركة |
| بنتان + عمّ | البنتان 2/3، العمّ 1/3 | البنتان كلّ التركة |
| بنتان + خمسةُ أعمام | البنتان 2/3، الأعمام 1/3 | البنتان كلّ التركة |
| زوجة + بنت + أخ | الزوجة 1/8، البنت 1/2، الأخ 3/8 | الزوجة 1/8، والبنت الباقي |
القراءة السائدة تتعامل مع ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾ على أنّها سقفٌ لا يجوز تجاوزه، فيلزم أن يوجد آخذٌ للنصف الثاني. والقرآن لم يقل ذلك: هو يعيّن نصيب البنت عند مزاحمة غيرها من أصحاب الأنصبة (زوج، أبوان)، لا ليضع لها حدّاً أقصى لصالح حاشيةٍ لم يذكرها. ولو كان النصف سقفاً لَلَزِم أن يكون الثلثان سقفاً كذلك، فيلزم أن يوجد في كلّ تركةٍ فيها بنتان مستحقٌّ للثلث الباقي — وهذا هو بالضبط ما وقع: صار الفراغُ الحسابيّ نفسُه دليلاً على مستحقٍّ لم تسمّه الآية.
والجهة التي تُعطى هذا الفراغ في النظام السنّي جهةٌ واحدة على الدوام: فرع الأب الذكر — الأخ، ثم ابن الأخ، ثم العمّ، ثم ابن العمّ، وإن بعد النسب حتى يبلغ الجدّ الخامس. فالمخالفة ليست في رقمٍ واحد، بل في أنّ الفائض في كلّ تركةٍ فيها نساءٌ يُحوَّل بحكمٍ ثابت إلى العصبة الذكور. وهذا هو معنى القول إنّ النساء حُرمن: لا أنّ نصيبهنّ المنصوص أُنقص، بل أنّ ما لم ينصّ القرآن على إخراجه عنهنّ أُخرِج.
وإنصافاً للفقه الإماميّ: هذا الموضع بعينه هو الذي أصلحه بإبطال التعصيب وإعمال الردّ، فالبنت عندهم تأخذ الكلّ ويُحجَب العمّ. لكنّ الإماميّة أوقعوا في مواضع أخرى — كما سيأتي — ما لا يقلّ عنه: طبقاتٌ لم يذكرها القرآن، وحَبْوةٌ للولد الأكبر، وحرمانُ الزوجة من عين الأرض. فالمقصود هنا ميزانٌ واحدٌ يُطبَّق على المدرستين، لا تفضيلُ إحداهما على الأخرى.
القسم الثالث: الأخ يحجب ذرّيّة البنات — أثقلُ المخالفات أثراً
هذه أخطر صورة في الباب، وأقلّها ذكراً.
الصورة: رجلٌ مات، وكانت بنته قد ماتت في حياته وتركت أولاداً — أحفاده — وللميّت أخ.
التطبيق السائد: أولاد البنت من «ذوي الأرحام». وعند المالكيّة والشافعيّة لا يرث ذوو الأرحام على أصل المذهب. وعند الحنفيّة والحنابلة يرثون، لكن بشرط ألّا يوجد عاصب — والأخ عاصب. فالنتيجة في المذاهب الأربعة جميعاً واحدة:
الأخ: كلّ التركة. أحفادُ الميّت من ابنته: صفر.
وفي القرآن:
- ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ — واللفظ عامّ في الفرع، وليس في الكتاب ما يقصره على الطبقة الأولى؛ والقرآن نفسه يستعمل «البنين» و«الأولاد» في الفروع النازلة: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾، ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
- والأخوة موقوفون بالنصّ على ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ — وأولاد البنت ولدُ ولدٍ، فرعٌ لا حاشية.
- ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال 75، الأحزاب 6] — وابنُ البنت أقرب رحماً من الأخ بأيّ ميزان.
ومَقتلُ القول السائد في هذا الموضع أنّه غير متّسق مع نفسه: فقد أُنزل ابنُ الابن منزلةَ الابن بلا خلاف، وأُعطيت بنتُ الابن السدسَ تكملةً للثلثين. فبأيّ نصٍّ نُزِّل فرعُ الابن ولم يُنزَّل فرعُ البنت؟ ليس في القرآن حرفٌ يفرّق بينهما. الفارق الوحيد أنّ فرع الابن ينتسب إلى الميّت بذكر، وفرع البنت ينتسب إليه بأنثى — وهذا معيار العصبة، لا معيار الكتاب. فالتفريق مأخوذ من البنية القبَليّة التي بُني عليها التعصيب، لا من دلالة «الأولاد».
مثال حسابيّ: تركةٌ قدرها 300,000. الميّت ترك أخاً، وثلاثةَ أحفادٍ أيتام من بنته المتوفّاة.
- التطبيق السائد: الأخ 300,000 — والأيتام 0.
- القرآن: الأحفاد 300,000 — والأخ لا شيء له لوجود الفرع.
وقد اضطرّت قوانين الأحوال الشخصيّة في القرن الماضي إلى ترقيع هذه النتيجة بما سُمّي «الوصيّة الواجبة»: إلزامُ التركة بنصيبٍ لفرع مَن مات في حياة أصله. وهو اعترافٌ تشريعيٌّ صريح بأنّ النظام كان يُنتج ظلماً — وأنّ العلاج جاء من خارج المذاهب الأربعة لا من داخلها. والقرآن كان قد سدّ الباب قبل أن يُفتح.
القسم الرابع: الكلمة التي أُدخِلت — «من أمّ»
قال الله في آية 12: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.
اللفظ مطلق: أخ، أخت. وأجمع الفرضيّون على أنّ المراد الأخ والأخت من الأمّ فقط. ونقل القرطبيّ الإجماع على ذلك.
فما دليل هذا التقييد؟ دليلان يُذكران في كتب التفسير:
الأوّل: قراءةٌ شاذّة. «وله أخٌ أو أختٌ من أمّ» — تُنسَب إلى سعد بن أبي وقّاص، وإلى ابن مسعود، وأخرجها البيهقيّ. وقد صرّح القاسميّ في «محاسن التأويل» — ناقلاً عن الكرخيّ — بالقاعدة التي تحكم الاستدلال بها: «القراءةُ الشاذّة كخبر الآحاد».
وهذا اعترافٌ لا يُطلب أوضح منه. فالقيدُ الذي يحدّد هويّة صنفٍ كاملٍ من الورثة، ويُخرج بقيّة الأخوة من نصّ الآية، ليس في المصحف؛ هو زيادةٌ تفسيريّة اندسّت في صورة قراءة، ثم عُومِلت معاملةَ خبر الواحد، ثم قُيِّد بها مطلقُ القرآن. ولو كانت هذه الزيادة قرآناً لكانت في المصحف؛ وإذ لم تكن فيه، فهي رأيٌ لقارئ.
الثاني: قرينةُ التسوية. قالوا: الآية سوّت بين الذكر والأنثى («لكلّ واحدٍ منهما السدس»، «شركاء في الثلث»)، والتسوية لا تكون إلّا في أولاد الأمّ؛ إذ العصبة يفضَّل فيهم الذكر. وهذه ليست قرينةً من النصّ، بل استنتاجٌ من قاعدةٍ خارجة عن النصّ (أنّ الأخوة عصبة يفضَّل ذكرُهم) طُبِّقت على النصّ ثم استُخرجت منه. وهو دَوْر: قُيِّدت الآية بقاعدةٍ ثم قيل إنّ الآية دلّت على القاعدة.
والوجهُ الطبيعيّ للتوفيق — دون زيادةٍ ولا حذف — أنّ الآيتين تعالجان حالتين مختلفتين لا صنفين مختلفين:
- آية 12 فيمن لا ولد له ومعه زوج أو والد— فالأخوة يرثون نصيباً تكميليّاً: السدس للواحد، والثلث للأكثر.
- آية 176 فيمن لا ولد له ولا زوج وربما كان هناك والد— فتنصرف التركة إلى الأب والأخوة: النصف للأخت الواحدة، والثلثان للأكثر، وبين الذكور والإناث النسبةُ المذكورة في آخر الآية.
والدليل على هذا التوفيق من الآيتين ذاتهما — لا من خارجهما — وهو ما يتبيّن في القسم التالي.
القسم الخامس: الكلالة = «مَن لا ولد له ولا والد» — القيد المضاف وعشرُ تبعات
المشهور في تعريف الكلالة أنّها: مَن مات وليس له ولدٌ ولا والد. وقد تردّد عمر نفسه فيها، ورُوي أنّه استقرّ على هذا آخراً وقال: «إني لأستحيي أن أخالف فيها أبا بكر» — أي بمرجّحٍ ليس نصّاً.
وموضعُ النظر أنّ القرآن ذكر الكلالة في موضعين، وعلّق الحكم فيهما على شرطٍ واحد لا ثانيَ له:
﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء 12]
﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء 176]
فالشرط المنصوص: انعدامُ الولد. وأمّا انعدامُ الوالد فليس في اللفظ في الموضعين، ولا في موضعٍ ثالث. ثم إنّ الآية 176 مصدَّرةٌ بأنّها فتوى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، ومختومةٌ بأنّها بيان: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا﴾. وفي صحيح مسلم أنّ النبيّ ﷺ أجاب عمر في الكلالة بقوله: «يكفيك آيةُ الصيف التي في آخر سورة النساء». فالجواب المرويّ إحالةٌ على الآية بوصفها كافية، والقيدُ المضاف يخرجها عن الكفاية؛ إذ يجعل فتوى الله في الكلالة مفتقرةً إلى شرطٍ لم تذكره.
وتبعاتُ هذا القيد عشرٌ، كلُّها من القرآن نفسه:
التبعة الأولى: مجموعةٌ يذكرها الله في آية الأنصبة ثم لا نصيب لها
قال في آية 11، في حالةٍ لا ولدَ فيها ومعها أبوان:
﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾
فالقرآن هنا يجمع في صورةٍ واحدة: انعدامَ الولد، ووجودَ الأبوين، ووجودَ الإخوة. فالإخوة موجودون في آية الأنصبة، مع أبٍ حيّ، ووجودُهم يغيّر القسمة.
ثم يقول التطبيق السائد: هؤلاء الإخوة لا يرثون شيئاً — لأنّهم محجوبون بالأب. ووظيفتهم الوحيدة أن ينقلوا سدساً من الأمّ… إلى الأب.
فتأمّل ما لزم من هذا: أنّ الله ذكر جماعةً في آيةٍ موضوعُها كلّه تعيينُ الأنصبة، لا لتأخذ شيئاً، بل لتُنقص أمَّها لصالح أبيها. وهذا وحده كافٍ لردّ التعريف: آيةُ فروضٍ لا تذكر أحداً إلّا وله حكمٌ يخصّه. وهو أيضاً نقضٌ مباشر للقيد: لو كان وجودُ الوالد يُخرج الإخوةَ من دائرة الميراث لَما ذُكِروا في صورةٍ الوالدُ فيها حيٌّ يرث.
والقراءةُ المتّسقة مع النصّ أنّ نزول الأمّ من الثلث إلى السدس إنّما كان لأنّ الإخوة أخذوا نصيبهم، وهو الثلث المذكور في آية 12 عند التعدّد:
| الأمّ | الإخوة | الأب | المجموع | |
|---|---|---|---|---|
| التطبيق السائد | 1/6 | صفر | 5/6 | 1 |
| جمعُ الآيتين 11 و12 | 1/6 | 1/3 (شركاء) | 1/2 | 1 |
والمجموع في القراءة الثانية واحدٌ صحيح تماماً، ولكلّ مذكورٍ في النصّ نصيبٌ في النصّ. وهذا هو الشاهد على أنّ آية 12 موضعُها حالةُ وجود الوالد، لا صنفُ «الإخوة لأمّ».
التبعة الثانية: تقييدان متعاكسان للفظٍ واحد في سورةٍ واحدة
لفظ «أخ/أخت/إخوة» يرد في النساء في ثلاثة مواضع (11، 12، 176)، فقُيِّد في 12 بـ«لأمّ»، وقُيِّد في 176 بـ«الأشقّاء ثم مَن للأب»، وأُطلق في 11 ليصلح للجميع. ثلاثة أحكامٍ لكلمةٍ واحدة، ولا واحدٌ منها في اللفظ. ومن يقول إنّ الأرقام قطعيّة فليقل: مَن المخاطَب بها إذاً؟ فإنّ الرقم بلا تعيينٍ للمستحقّ ليس حكماً.
التبعة الثالثة: العَوْل — برهانٌ حسابيّ على أنّ التوزيع خطأ
إذا كانت الآيتان 12 و176 تعالجان الحالة الواحدة (لا ولد ولا والد)، لزم أن يجتمع في تركةٍ واحدة: زوجٌ 1/2 + أختان شقيقتان 2/3 + إخوةٌ لأمّ 1/3 = 1.5 من الواحد. فيُصار إلى «العَوْل»: أن تُنقَص أنصبةُ الجميع نسبيّاً.
والعَوْل ليس علاجاً، بل دليلُ إدانة. إذ يستحيل أن يكون النصّ الإلهيّ قد وزّع سهاماً مجموعُها أكثر من المال. فحين يخرج الحاصل عن الواحد، فالخطأ في التوزيع الذي وضعناه، لا في الأرقام. وقد قالها ابن عبّاس بأصرح ما يمكن: «أتَحسَبون أنّ الذي أحصى رملَ عالجٍ عدداً جعل في مالٍ نصفاً ونصفاً وثُلثاً؟!»
وعلى مقتضى ظاهر النصّ لا يقع العَوْل أصلاً، لأنّ الحالتين لا تجتمعان: الأخوة إمّا في صورةِ وجود الوالد فلهم السدس/الثلث، وإمّا في صورةِ انعدامه فلهم النصف/الثلثان — ولا يجتمع النصفُ والثلثُ لجماعتين من الأخوة في تركةٍ واحدة.
التبعة الرابعة: فراغٌ في الأجداد يُسَدّ من خارج الكتاب
إذا فُسّر «الوالد» بالأب المباشر وحده، خلا القرآن من حكم الجدّ والجدّة بالكلّيّة. فاحتاج النظام إلى:
- سدسِ الجدّة — ومستنَده شهادةُ المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة، بعد أن قال أبو بكر للجدّة صريحاً: «ما لكِ في كتاب الله شيء».
- مسألةِ الجدّ مع الإخوة — التي انشقّ عليها كبار الصحابة، وقيل فيها: «مَن سرّه أن يتقحّم جراثيم جهنّم فليَقُلْ في الجدّ برأيه».
وفي القرآن نفسه ما يسدّ الفراغ: لفظ «الأب» يقع على الجدّ في القرآن غير مرّة — ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾، ﴿وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة 133] — فالجدّ والدٌ عند انعدام الوالد المباشر، بلا حاجةٍ إلى خبرٍ ولا شهادةِ اثنين.
ولاحظ الدور: مسألةُ الجدّ مع الإخوة — التي أنهكت الصحابة والمذاهب — لا تنشأ أصلاً إلّا بعد قبول القيد المضاف. فإنّ السؤال «أيحجب الجدُّ الإخوةَ أم يقاسمهم؟» فرعٌ عن مقدّمةٍ هي أنّ الأصلَ يحجب الحاشية. وليس في القرآن حجبُ إخوةٍ بأصلٍ ألبتّة؛ بل فيه عكسُه: أنّ الإخوة يوجدون مع الأبوين ويؤثّرون في القسمة.
التبعة الخامسة: «إخوة» في آية 11 صارت اثنين
﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ جمعٌ، والجمع في اللغة ثلاثة. فحُجِبت الأمّ بأخوين. وهي مناظرة ابن عبّاس لعثمان بعينها: «ليس الأخوان إخوةً في لسان قومك، فلمَ تحجُبُ بهما الأمّ؟» — فأجابه عثمان: «لا أستطيع أن أردّ شيئاً كان قبلي، ومضى في البلدان، وتوارث الناسُ به.»
الخليفة لم ينكر الحجّة اللغويّة. أجاب بحجّةِ الاستقرار. وهذا هو موضعُ الاعتبار الأكبر في الباب كلّه: الطريقُ الذي يصير به الرأيُ إجماعاً ليس انقطاعَ الخلاف، بل مضيَّ العمل.
التبعة السادسة: انقلابُ العلّة في حجب الأمّ
في التطبيق السائد يحجب الأخوةُ الأمَّ إلى السدس ولا يأخذون شيئاً. أمّا الفقه الإماميّ فقد أحسّ بغرابة هذا فاشترط للحجب شروطاً ستّة، منها أن يكون الأب حيّاً — أي أنّ الحجب لا يقع إلّا حيث يوجد مَن ينتفع به! فصار الشرط اعترافاً ضمنيّاً بأنّ الحجب في هذه الصورة نقلُ مالٍ من الأمّ إلى الأب، لا حكماً في الأخوة. ولا نظير لهذا الشرط في المذاهب الأربعة، ولا أصل له في القرآن — لكنّه يكشف الخلل بدقّة.
التبعة السابعة: فرضٌ منصوصٌ بالنصف يُلغى بشرطٍ غير مذكور
هذه أوضحُ تبعةٍ عمليّة، وأسهلُ ما يُعرَض على مُناظِر.
الصورة: رجلٌ توفّي وترك أباً وأختاً شقيقة. تركتُه 480,000.
- التطبيق السائد (سنّياً): الأب 480,000، الأخت صفر — لأنّ الميّت ليس «كلالة» بالتعريف، فالآية 176 لا تنطبق عليه.
- بالشرط القرآنيّ وحده: شرطُ الآية ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ متحقّقٌ قطعاً، فلها ﴿نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ = 240,000، والباقي للأب.
فانظر إلى بنية الحجّة: الشرطُ الذي ذكره الله متحقّق، والشرطُ الذي لم يذكره هو المستعمَل في الإسقاط. وليس الجواب بأنّ «الميّت ليس كلالة» جواباً، لأنّه عينُ المسألة: تعريفُ الكلالة هو المتنازَع فيه، فالاستدلال به دَوْر.
ومقدارُ الأثر أنّ فرضاً مسمّى برقمٍ في الكتاب — النصف — يخرج صاحبُه بصفر؛ وهذا أشدّ من الخلاف في الفائض غير المسمّى.
التبعة الثامنة: القيدُ يُضاعَف فتتعطّل مواضع الأخوة الثلاثة كلّها
لم يُعلَّق موضعُ الكلالة الأوّل (آية 12) على القيد أقلَّ من الثاني: فالإخوةُ لأمّ — الذين حُمِلت عليهم آية 12 — محجوبون بالأب أيضاً في المذاهب الأربعة. فالنتيجة المركّبة:
| موضع الأخوة في القرآن | الحكم المنصوص | متى يُعمَل به في التطبيق السائد |
|---|---|---|
| النساء 11 ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ | خفضُ الأمّ إلى السدس | يُعمل به مع وجود الأب — لكن الإخوة لا يأخذون شيئاً |
| النساء 12 (السدس/الثلث) | سدسٌ للواحد، وثلثٌ للأكثر | لا يُعمل به مع وجود الأب |
| النساء 176 (النصف/الثلثان) | نصفٌ للأخت، وثلثان للأختين | لا يُعمل به مع وجود الأب |
فصار الأخوةُ يؤثّرون حيث لا يأخذون، ولا يأخذون حيث ذُكرت لهم الأرقام. وهذا انقلابٌ تامّ لوظيفة النصّ: النصُّ الذي فيه الرقم يُعطَّل، والنصُّ الذي ليس فيه رقمٌ لهم يُعمَل به عليهم لا لهم.
التبعة التاسعة: تعريفُ الميّت أُقيم مقام تعريف الوارث
«الكلالة» في أصل اللغة مأخوذةٌ من معنى الإحاطة والانعطاف من الحواشي — ومنه الإكليل يُحيط بالرأس؛ وقيل من الكَلال بمعنى الانقطاع وبُعدِ الطرف. وأقوالُ أهل اللغة فيها متعدّدة، وليست كلُّها متّفقة، فلا يصحّ الجزم بواحدٍ منها. لكنّ القرآن كفانا الاختلاف فأورد التعريفَ عملاً في الآية نفسها: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ — حالةٌ موصوفةٌ بشرطٍ ظاهر ومستحقٍّ معيّن.
فحين يُترك التعريفُ القرآنيّ العمليّ ويُصطنَع تعريفٌ اصطلاحيّ للميّت («مَن لا ولد له ولا والد»)، ينتقل مركزُ الحكم من النصّ إلى المصطلح؛ ثم يُحاكَم النصّ إلى المصطلح. وهذه آليّةٌ يتكرّر أثرُها في أبواب الفرائض كلّها: يُصنَع اصطلاحٌ (الكلالة، العاصب، ذوو الأرحام، الحجب)، ثم يصير الاصطلاحُ هو المِسطرة التي تُقاس عليها الآية.
التبعة العاشرة: الآية تنقض غرضَها المعلن
﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا﴾ — فالآية تصرّح بأنّها بيانٌ مانعٌ من الضلال، وقد سبقها ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾، وتلاها في الرواية «يكفيك آيةُ الصيف».
فأيّ قراءةٍ تجعل هذه الآية بعينها مفتقرةً إلى شرطٍ لم تذكره (انعدام الوالد)، وإلى تقييدٍ لم تذكره (الأشقّاء دون الإخوة لأمّ)، وإلى مقدارٍ لم تذكره (استغراقُ الأخ للمال) — فهي قراءةٌ تناقض ما أعلنته الآية عن نفسها ثلاث مرّات. والاحتكامُ هنا ليس إلى ذوقٍ ولا استحسان، بل إلى وصفٍ صرّح به النصّ.
موضعٌ في القراءة النصّيّة يحتاج تحقيقاً
القراءةُ القائمة على ظاهر النصّ تُلزِم بأمرٍ يجب تسجيلُه لا تجاوزُه: التبعة الخامسة والحسابُ يتشادّان في صورةٍ واحدة.
فإن قلنا «إخوة» جمعٌ لا يصدق على اثنين (التبعة الخامسة)، ثم أخذنا بالأنصبة، لزم في صورة: أبوان + أختان أن تأخذ الأمّ الثلث (160,000 من 480,000) والأختان الثلثين (320,000) — فلا يبقى للأب شيء. وهي نتيجةٌ ثقيلة.
وإن قلنا إنّ الأختين «إخوة» في مصطلح آية 11 استقام الحساب: الأمّ السدس (80,000)، والأختان الثلثان (320,000)، والأب الباقي (80,000).
فالخياران متقابلان، ولا يصحّ أخذُ كلٍّ منهما في موضعه ترجيحاً للنتيجة. وهذا موضعُ اجتهادٍ في القراءة النصّيّة نفسها، يُسجَّل بوصفه كذلك: فأوّلُ شرطٍ في نقد اجتهاد الآخرين أن يُعرَض الاجتهادُ البديل بثغرته ظاهرة.
القسم السادس: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ﴾ — كيف صار إثباتُ الاستحقاق إثباتاً للاستغراق
هذه أدقّ مسائل الباب، وأكثرها بناءً على القليل: حرفٌ واحد حُمِل عليه نظامٌ كامل.
النصّ:
﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء 176]
التفسير السائد: لمّا سمّى الله للأخت نصفاً ولم يسمِّ للأخ شيئاً، حُمِل ﴿يَرِثُهَا﴾ على استيعاب المال كلّه — «يرثها» أي يرث مالها جميعاً. وقالوا: أُطلق الإرثُ في حقّه وقُيِّد في حقّها، والمطلقُ يُفيد الاستغراق؛ وهذا لأنّه عاصب، والعاصب يأخذ ما بقي، فإذا انفرد أخذ الكلّ.
وموضع الخلل سبعةُ أوجه، كلُّها من القرآن نفسه:
الوجه الأوّل: «يرثها» بيانُ استحقاقٍ لا بيانُ مقدار
الفعل المتعدّي «ورِثَ فلانٌ فلاناً» في القرآن معناه أنّه من ورثته، لا أنّه استوعب مالَه. قال زكريّا عليه السلام: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا • يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم 5-6] — ولم يكن المعنى أنّه يستأثر بكلّ ما لآل يعقوب. وقال: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل 16] — ولداودَ بنون غيرُه.
والسياق يبيّن الغرض: الجملة جاءت في مقام إثبات التوارث في الجهتين — أنّها ترثه وأنّه يرثها — لا في مقام تقدير سهمه؛ ولهذا لم يُذكر له رقم. وأصلُ الباب كلّه: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ﴾ [النساء 7] — و«النصيب» حِصّةٌ من شيء، لا الشيءُ كلُّه.
الوجه الثاني: النقضُ من آية 11 — الفعلُ نفسه مقروناً بالتقدير
هذا أقربُ نقضٍ وأصرحُه، وهو في السورة نفسها على مسافة آيتين:
﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء 11]
فهذا فعلٌ متعدٍّ إلى الميّت — «ورِثَه أبواه» — بلا تقييدٍ في الفعل، ثم جاء المقدار بعده مستقلّاً: للأمّ الثلث. فلو كان الفعل المطلق يُفيد الاستغراق، لَلزِم أن يستوعب كلٌّ من الأبوين المالَ كلَّه — وهو محال. فثبت بنصّ السورة أنّ «ورِثَ» يُثبت الوراثة، وأنّ المقدار يُطلب من موضعٍ آخر.
فإن قيل: المقدار في «يرثها» هو الباقي بعد الفروض — فهذا هو المطلوب إثباته، لا الاستدلال به؛ ثم إنّه ليس مقداراً بل أثرَ نظامٍ، وسيأتي في الوجه السادس أنّه ينقلب صفراً.
الوجه الثالث: مقدارُه مذكورٌ في الآية ذاتها
ختمت الآية بـ ﴿وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾. فالنسبة بين الذكر والأنثى من الأخوة منصوصةٌ في آخر الآية. فمن أين جاءت نسبةٌ أخرى — لا نهائيّة — لأوّل الآية؟
وأمّا استيعابُ المال عند الانفراد فليس خصوصيّةً للأخ: كلُّ وارثٍ منفردٍ لا مزاحمَ له يأخذ ما تُرِك، ذكراً كان أو أنثى. وهذا هو معنى الردّ الذي أخذ به الحنفيّة والحنابلة، ولم يأخذ به مالكٌ والشافعيّ على الأصل. فالفرق الحقيقيّ بين القراءتين ليس في الأخ المنفرد، بل في مَن يأخذ الفائضَ حين توجد الأخت: هي، أم ابنُ عمٍّ بعيد، أم بيت المال.
الوجه الرابع: حجّة «للذكر مثل حظ الأنثيين» تنهار بالحساب
يُقال: حَمْلُ «يرثها» على الكلّ هو الذي يحفظ نسبة الضِّعف، لأنّ الأخت الواحدة تأخذ النصف والأخ يأخذ الكلّ = ضِعفَها. وهذا صحيحٌ في صورةٍ واحدة فقط، ويسقط في ما بعدها:
| العدد | أخواتٌ فقط (السائد) | أخوةٌ فقط (السائد) | النسبة الفعليّة |
|---|---|---|---|
| واحد | 1/2 | الكلّ (1) | 2 : 1 ✔ |
| اثنان | 2/3 | الكلّ (1) | 1.5 : 1 ✘ |
| ثلاثة أو أكثر | 2/3 | الكلّ (1) | 1.5 : 1 ✘ |
فالنسبة لا تُحفَظ إلّا عند الواحد، ثم تنكسر. وأشدّ من ذلك: لو كانت القاعدةُ مقارنةَ الصور بعضِها ببعض ومضاعفةَ نصيب الأنثى، لَلزِم أن يأخذ الأخوان ثلثين مضاعفَين = 4/3 — وهو محالٌ رياضيّاً. فالنظام لا يعطيهما 4/3 بل يعطيهما الكلّ، أي أنّه يترك القاعدةَ التي احتجّ بها.
والتحقيق أنّ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ نصٌّ في القسمة عند الاجتماع — ﴿وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً﴾ — لا قاعدةَ مقارنةٍ بين تركتين مختلفتين. فاستعمالُها في تقدير سهم الأخ المنفرد استعمالٌ لها في غير موضعها، وقد ظهر بالحساب أنّه لا يستقيم.
الوجه الخامس: انعدامُ التقابل بين الجهتين
يلزم من التفسير السائد أنّ العلاقة الواحدة — الأخوّة — تُنتج حكمين متناقضين بحسب جنس الميّت والوارث. والتركة 480,000:
| الميّت | الوارث المنفرد | التطبيق السائد | الفارق |
|---|---|---|---|
| رجلٌ لا ولد له ولا والد | أختٌ شقيقة | 240,000، والباقي لبيت المال عند مالك والشافعيّ على الأصل، أو يُردّ عليها عند الحنفيّة والحنابلة | — |
| امرأةٌ لا ولد لها ولا والد | أخٌ شقيق | 480,000 بلا خلاف | إلى الضِّعف، وإلى ما لا نهاية عند مَن لا يقول بالردّ |
فالمسمّى له رقمٌ في الكتاب (الأخت: النصف) نصيبُه مشكوكٌ في تمامه ومختلَفٌ فيه بين المذاهب، ومَن لم يُسمَّ له رقم (الأخ) نصيبُه قاطعٌ متّفقٌ عليه وهو الكلّ. وهذا انقلابٌ في وظيفة التسمية: صارت التسميةُ بالرقم سبباً في النقص، وصار السكوتُ سبباً في الاستيعاب.
الوجه السادس: «الكلّ» ليس مقداراً — والدليلُ أنّه ينقلب صفراً
لو كان ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا﴾ إثباتَ مقدارٍ للأخ، لكان ثابتاً كما تثبت الكسور. وهو ليس كذلك: فهو في التطبيق السائد أثرٌ للفائض، يعلو ويهبط، ويبلغ الصفر.
الصورة (المسألة المشتركة): امرأةٌ توفّيت وتركت زوجاً، وأمّاً، وأخوين لأمّ، وأخاً شقيقاً. التركة 480,000:
- الزوج 1/2 = 240,000
- الأمّ 1/6 = 80,000
- الأخوان لأمّ 1/3 = 160,000
- الأخ الشقيق: صفر — عند أبي حنيفة وأحمد (لم يبقَ للعصبة شيء)؛ ويُشرِّكه مالكٌ والمعتمدُ عند الشافعيّة في الثلث فينقص نصيبُ غيره.
فالأخ الذي قيل إنّ الله «أطلق له الإرثَ فاستوعب المال» يخرج من هذه التركة بلا شيء — بينما لو كانت أختاً شقيقة في موضعه لطالبت بنصفٍ مسمّى، فوقع العَوْل وأخذت.
وهذه تبعةٌ مزدوجة: هي حجّةٌ على أنّ «الكلّ» ليس مقداراً منصوصاً بل موقعاً في هندسةٍ بشريّة؛ وهي في الوقت نفسه ردٌّ على مَن يظنّ أنّ التعصيب امتيازٌ للذكر في كلّ حال — فهو نظامٌ يُغرقه أحياناً كما يُغني أحياناً. وحكمٌ سمّاه الله ﴿وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ﴾ لا يكون رقماً معلّقاً على ما يبقى.
الوجه السابع: التبعةُ الكبرى — دَورانُ الاستدلال
أخطرُ ما في هذا التفسير أنّه صار السندَ القرآنيّ للتعصيب نفسه. فحين يُطلب دليلٌ من الكتاب على أنّ الذَّكَر من الحاشية يستوعب الفائض، يُشار إلى ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا﴾؛ وحين يُسأل: ولمَ فُهِمت «يرثها» على الاستيعاب؟ يُقال: لأنّه عاصب. فجملةٌ غرضُها إثباتُ التقابل صارت الأصلَ الذي حُرمت به البنات وذرّيّتُهنّ، ثم دار الدليل: التعصيبُ يفسّر «يرثها»، و«يرثها» يُثبت التعصيب.
ثم عُمّم الحكمُ خارج موضعه: فمن أخٍ منصوصٍ عليه في الآية، إلى ابن أخ، إلى عمّ، إلى ابن عمٍّ بعيد، إلى المولى المعتِق — وهؤلاء لم يذكرهم القرآن في آيات الأنصبة بحرف.
أمثلةٌ تُظهر الأثر عملاً
التركة 480,000 في الجميع:
- رجلٌ توفّي وترك بنتاً وأخاً شقيقاً. السائد: البنت 240,000، والأخ 240,000. والقرآن: شرطُ توريث الأخ ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ منتفٍ — والبنت ولد بشهادة السورة نفسها، إذ يُحجب بها الزوجُ من النصف إلى الربع. فالأخ لا يرث هنا بحال، والفائضُ يبقى في الفرع لا يخرج إليه.
- امرأةٌ توفّيت وتركت أختاً شقيقة وابنَ عمّ. السائد: الأخت 240,000، وابن العمّ 240,000. ولو كان في موضع الأخت أخٌ: الأخ 480,000، وابن العمّ صفر. فجنسُ الأخ هو الذي يقرّر بقاءَ نصفِ التركة في البيت أو خروجَها إلى ابن العمّ. والقرآن قدّم ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء 7] و﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ﴾ — والأختُ أقرب.
- امرأةٌ توفّيت وتركت زوجاً وأخاً شقيقاً. السائد: الزوج 240,000، والأخ 240,000. وهنا يظهر أنّ «يرثها = الكلّ» ليست إلّا صياغةً أخرى للتعصيب: الأخ يأخذ الباقي مهما كان، لا «الكلّ».
- امرأةٌ توفّيت وتركت أخاً شقيقاً وبنتَ أختٍ. السائد: الأخ 480,000، وبنتُ الأخت صفر عند مالك والشافعيّ (ذاتُ رحم)، وتُقدَّم عليها العصبةُ عند الحنفيّة والحنابلة. فذرّيّةُ الأخت لا شيء لها، وذرّيّةُ الأخ ترث. وهو الأثرُ نفسه الذي عُرض في القسم الثالث: الفرعُ يُقاس بجنس مَن جاء منه.
- امرأةٌ توفّيت وتركت زوجاً وأمّاً وأخوين لأمّ وأخاً شقيقاً. السائد: الأخ الشقيق صفر (كما في الوجه السادس)، والأختُ في موضعه تأخذ.
فحاصلُ التبعات خمسٌ: خروجُ الفائض من الفرع إلى الحاشية؛ وخروجُه من الحاشية القريبة إلى الحاشية البعيدة؛ وتعليقُ فرضٍ مسمّى (نصف الأخت) على مذهب البلد ووجودِ بيت مال؛ وانقلابُ نصيب الأخ إلى الصفر في صورةٍ من الصور؛ وتحويلُ جملةٍ في الأخوة إلى أصلٍ عامٍّ يُبنى عليه نظامُ الحاشية كلّه.
القسم السابع: الوصيّة — حكمٌ محكم عُطِّل بقاعدتين
النصوص أوّلاً
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة 180]
و«كُتِب عليكم» هي صيغةُ الفرض في القرآن نفسه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. ثم عقّب الله عليها بأحكامٍ تفصيليّة تدلّ على أنّها حكمٌ عمليٌّ قائم: تحريمُ تبديلها [البقرة 181]، ومعالجةُ الجَنَف والإثم فيها بالإصلاح لا بالإبطال [البقرة 182]، وتشريعُ الإشهاد عليها في المائدة ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ [المائدة 106].
وفي آيات المواريث نفسها، كرّر الله ثلاث مرّات أنّ القسمة تأتي بعد الوصيّة:
- ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾
- ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾
- ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ﴾
فالوصيّة في القرآن: مكتوبة، مقدَّمة على الأنصبة، موجَّهة إلى الوالدين والأقربين بالاسم، ومضبوطة بضابطين نوعيّين — ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ و﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾.
ثم جاءت قاعدتان فأبطلتاها
القاعدة الأولى: «لا وصيّة لوارث».
ولفظها: «إنّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيّةَ لوارث»، من حديث عمرو بن خارجة وأبي أُمامة، أخرجه أحمد وأصحاب السنن — وليس في الصحيحين. وحسّنه الترمذيّ وصحّحه غيره.
وأثرُها هو موضع العجب: ﴿لِلْوَالِدَيْنِ﴾ — والوالدان أوّلُ مَن سمّاه الله في آية الوصيّة، وهما وارثان بالفرض في آية 11. فالقاعدة تُبطل المثالَ الذي ضربه القرآن بنفسه. وكذلك ﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾: أقربُ الأقربين وارثون. فماذا بقي من الآية؟ لم يبق إلّا الأقربون غير الوارثين — أي أنّ حكماً وُجِّه بالنصّ إلى الوالدين والأقربين صار موجَّهاً إلى مَن ليس والداً ولا وارثاً من الأقربين، وهو عكسُ ما نطق به اللفظ.
ولمّا كان إبطالُ آيةٍ بخبرٍ ثقيلاً على الأصول، قيل: الآية منسوخة. لكنّ الناسخ نفسه لم يُتّفق عليه: قيل آيةُ الفرائض، وقيل الحديثُ المذكور، وقيل الإجماع «وإن لم يُعيَّن دليله». وهذا التردّد في تعيين الناسخ دليلُ عدمِه: فالنسخ حكمٌ شرعيّ يحتاج إلى دليلٍ قاطع، لا إلى ثلاثة احتمالات. وقد صرّح ابن عثيمين نفسه بأنّ القول بنسخ آية البقرة بالحديث «قولٌ لا يصحّ».
وثلاثةُ اعتراضاتٍ قرآنيّة على النسخ:
- آيةُ الفرائض لا تنسخ آيةَ الوصيّة، لأنّها تفترضها. ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ — والناسخُ لا يذكر المنسوخَ شرطاً لنفسه ثلاث مرّات.
- ترتيبُ النزول يقلب الدعوى. المائدة من أواخر ما نزل، وفيها تشريعُ الإشهاد على الوصيّة عند الموت. فلو كانت الوصيّة للأقربين قد أُلغيت بالنساء، لكان تشريعُ إجراءاتها بعد ذلك لغواً.
- آيةٌ صريحةٌ في المسألة نفسها لم تُنسخ. ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ [النساء 8] — وهي في سورة النساء نفسها، بعد آيات الفرائض بأربع آيات. وقد ثبت عن ابن عبّاس في البخاريّ أنّها محكمة، وقال: «إنّ ناساً يزعمون أنّ هذه الآية نُسخت، لا واللهِ ما نُسخت، ولكنّها ممّا تهاون به الناس». وفي روايةٍ عنه: «إنّما ذلك إلى الوصيّة» — أي أنّها في الوصيّة. ثم جعلها جمهور الفقهاء منسوخةً أو مندوبة، وقال قائلهم — كما في «روح البيان» — إنّها ليست فريضةً «فلو كان فريضةً لضُرِب له حدٌّ ومقدار»! وهي الحجّة نفسُها التي تُقلب على أصحابها في القسم التالي.
القاعدة الثانية: الثلث — من أين جاء الرقم؟
ليس في القرآن رقمٌ للوصيّة. والقرآن الذي حدّد النصف والربع والثمن والثلث والثلثين والسدس بدقّةٍ متناهية، سكت عن مقدار الوصيّة ووضع لها ضابطين نوعيّين: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ و﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾، وعلاجاً إجرائيّاً عند الانحراف: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة 182]. فالسكوتُ عن الرقم في نصٍّ بالغِ الدقّة في الأرقام قصدٌ لا إغفال؛ ولو أراد اللهُ حدّاً لضربه، كما ضربه لغيره.
ومصدرُ الثلث حديثُ سعد بن أبي وقّاص في الصحيحين: أراد أن يتصدّق بمالِه كلّه أو بثلثيه وله بنتٌ واحدة، فمنعه النبيّ ﷺ وقال: «الثلث، والثلث كثير». وهي — بأيّ نظر — واقعةُ عين: رجلٌ بعينه، ومرضٌ بعينه، وبنتٌ وحيدة، وتبرّعٌ لأجانب. فحُوِّلت الرخصةُ في حالةٍ خاصّة إلى سقفٍ كلّيٍّ مطلق على حكمٍ قرآنيّ لم يُسقَّف.
حاصلُ القاعدتين
القاعدتان معاً تُغلقان البابين اللذين فتحهما القرآن: الأولى تمنع الوصيّة عن الوالدين والأقربين — وهم المذكورون بالنصّ. والثانية تحدّ ما بقي بثلثٍ لم يُذكر. والنتيجة أنّ ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ — المكرّرة ثلاثاً — صارت في التطبيق تعني: من بعد وصيّةٍ لغير الأقارب الوارثين، في حدود الثلث، إن وُجدت. وهذا تعطيلٌ عمليّ.
والأثر ليس نظريّاً. الأب الذي له ولدٌ مقعَد يحتاج رعايةً مدى الحياة، والجدّ الذي له أحفادٌ أيتام من ابنته، والأمّ التي أنفق عليها ابنٌ بعينه — القرآن يتيح لكلٍّ من هؤلاء أن يُوصي «بالمعروف» بما يجبر الحاجة، ثم تُقسَم البقيّة بالفروض. والقاعدتان تسدّان الطريق، ثم يُسأل: أين العدل؟ وقد اضطرّ المشرّعون في النهاية إلى إدخال «الوصيّة الواجبة» قسراً — وهو إقرارٌ بأنّ الحاجة التي سدّها القرآن ابتداءً لم تكن وهماً.
القسم الثامن: جدول المقارنة العدديّة
تُقرأ الأنصبة أدناه بعد الدَّين والوصيّة. والعمود الثالث يعبّر عن نصيب الأولاد مجموعاً، لأنّ توزيعه بينهم مسألةٌ مستقلّة.
| # | الصورة | التطبيق السائد (سنّياً) | ما ينطق به القرآن وحده |
|---|---|---|---|
| 1 | بنتٌ + أخٌ شقيق | البنت 1/2، الأخ 1/2 | البنت الكلّ |
| 2 | بنتان + عمّ | البنتان 2/3، العمّ 1/3 | البنتان الكلّ |
| 3 | زوجة + أربع بنات + أخ | الزوجة 1/8، البنات 2/3، الأخ 5/24 | الزوجة 1/8، والبنات الباقي |
| 4 | ثلاثةُ أحفادٍ من بنتٍ متوفّاة + أخ | الأخ الكلّ، والأحفاد صفر | الأحفاد الكلّ |
| 5 | بنتٌ + بنتُ ابن + أخ | البنت 1/2، بنت الابن 1/6، الأخ 1/3 | الفرعُ يستوعب التركة |
| 6 | أبوان + أخوان | الأمّ 1/6، الأب 5/6، الأخوان صفر | الأمّ 1/6، الأخوان 1/3، الأب 1/2 |
| 7 | زوج + أمّ + أب | الزوج 1/2، الأمّ 1/6 («ثلث الباقي»)، الأب 1/3 | الزوج 1/2، الأمّ 1/3، الأب 1/6 |
| 8 | زوج + أختان شقيقتان | عَوْلٌ: الزوج 3/7، الأختان 4/7 | الزوج 1/2، الأختان 1/2 — بلا عَوْل |
| 9 | أختٌ شقيقة منفردة (لا ولد ولا والد) | 1/2 فرضاً، والباقي لبيت المال (مالك والشافعي) أو يُردّ عليها (الحنفيّة والحنابلة) | الكلّ |
| 10 | امرأةٌ تركت أخاً شقيقاً وحده | الأخ الكلّ بـ«يرثها» | نصيبُه، والباقي لأولي الأرحام |
| 11 | أختٌ شقيقة + ابنُ عمّ | الأخت 1/2، ابن العمّ 1/2 | الأخت أولى |
| 12 | ابنٌ معاق + وصيّةٌ له بالنصف | الوصيّة باطلة (لوارث، وفوق الثلث) | ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ نافذة |
يُلاحَظ أنّ الفارق في الصور 1–5 و9–11 يقع كلُّه في جهةٍ واحدة: من النساء والفروع إلى الحاشية الذكور. وهذا اتّجاهٌ منتظم، لا سلسلةُ صدف.
القسم التاسع: القواعد السبع المستحدثة — تلخيصُ ما لا أصل له في الكتاب
- التعصيب — إعطاء الفائض لأقرب رجلٍ ذكر من جهة الأب، مصطلحاً وحكماً. مستنَده خبرُ آحاد، وأثرُه رفعُ شرطٍ قرآنيّ منصوص.
- تقييد «أخ أو أخت» بـ«من أمّ» — مستنَده قراءةٌ شاذّة عُوملت معاملةَ خبر الآحاد بتصريح الفرضيّين أنفسهم.
- تقييد «إخوة» في آية 176 بالأشقّاء ومن للأب — بلا مستنَدٍ لفظيّ، وهو التقييد المعاكس للسابق للفظٍ واحد.
- العَوْل — تجاوزُ مجموعِ السهام الواحدَ الصحيح، وهو حسابيّاً برهانُ خطأٍ في التوزيع لا حكمٌ شرعيّ.
- «ثلث الباقي» للأمّ في المسألتين العُمَريّتين — قال زيد بن ثابت لابن عبّاس صريحاً إنّه يقول برأيه.
- «لا وصيّة لوارث» — خبرٌ ليس في الصحيحين، يُبطل المثالَ المسمّى في آية الوصيّة، ولم يُتّفق حتى على تعيين ناسخِ الآية.
- حدُّ الثلث — رقمٌ مأخوذ من واقعةِ عينٍ، أُقحِم على حكمٍ قرآنيٍّ ضابطُه نوعيّ لا كمّيّ.
وأضِف إليها في الفقه الإماميّ ما لا أصل له كذلك: الطبقات الثلاث بحدودها، والحَبْوة للولد الأكبر (المصحف والخاتم والسيف والثياب)، وحرمانُ الزوجة من عين الأرض — وهي مسائل مستنَدُها رواياتٌ خاصّة، فتخضع للميزان نفسه.
القسم العاشر: أقوى ما يُعترض به على القراءة النصّيّة
الإنصافُ يقتضي عرضَ أمتنِ ما يقوله المخالف، لا أضعفَه. وأقواه خمسةٌ، وثلاثةٌ منها يجب الاعتراف بثقلها.
الأوّل — راوي التعصيب هو ابن عبّاس نفسه. الحديث في البخاريّ ومسلم من روايته، وهو أشدُّ الصحابة تمسّكاً بظاهر القرآن في هذا الباب، وهو الذي أنكر العَوْل وثلثَ الباقي. فكيف يروي ما يهدم ظاهرَ الآية عنده؟ يقول المخالف: هذا برهانٌ على أنّ الحديث لا يعارض القرآن في فهم أعلمِ الصحابة بتفسيره. وهذا اعتراضٌ ثقيل، ولا يُدفَع إلّا بمقدّمةٍ في حجّيّة الآحاد لا تُثبَت من الآية نفسها.
الثاني — العملُ المستقرّ. جوابُ عثمان لابن عبّاس يُقرأ من الجهة الأخرى: توارثُ الناس بحكمٍ قروناً مديدةً حجّةٌ عمليّة، وإعادةُ فتح الباب تُلزم بإعادة قسمةِ ما لا يُحصى. وهذا اعتراضٌ في المآل لا في الدليل — لكنّه واقعيّ.
الثالث — القراءةُ النصّيّة تحتاج اجتهاداً أيضاً. وهذا أصدقُ الاعتراضات وألزمُها. فالقرآن لم يرتّب أولي الأرحام، ولم يقدّر نصيبَ الخال والعمّة، ولم يبيّن مصير الفائض حين لا يوجد فرعٌ ولا أصلٌ ولا أخوة، ولم يذكر الجدّة باسمها. فأيُّ نظامٍ عمليّ — بما في ذلك هذا — سيسدّ فجوةً بالاجتهاد.
والجوابُ عنه ليس إنكارَه، بل التمييزُ بين نوعين من الاجتهاد:
- اجتهادٌ يسدّ فراغاً حيث سكت النصّ — كترتيب أولي الأرحام. وهذا لازمٌ ومشروع، وحاصلُه ظنّيٌّ لا يُسمّى قطعيّاً.
- واجتهادٌ يُلغي شرطاً حيث نطق النصّ — كتوريث الأخ مع وجود الولد. وهذا ليس سدَّ فراغ، بل تصرّفٌ في محكم.
فالدعوى ليست أنّ القراءة القرآنيّة تُغني عن الاجتهاد؛ بل أنّها لا تحتاج إلى اجتهادٍ من النوع الثاني، والبناءُ السائد قائمٌ عليه في مواضعه الحاسمة.
الرابع — إلغاءُ حدّ الثلث يفتح باب الإضرار. وهذا وجهٌ حقيقيّ. لكنّ القرآن أجاب عنه بضابطٍ نوعيّ ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ ومخرجٍ إجرائيّ ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾. فيبقى للقاضي تقديرُ «المعروف» و«المضارّة» — وهو تقديرٌ في التطبيق لا سقفٌ في التشريع. ولا مانع من أن يضع الحاكم حدّاً تنظيميّاً؛ إنّما الممنوع أن يُنسَب الحدُّ إلى الشرع نسبةَ القطع.
الخامس — دلالة ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾. يقول الجمهور إنّها في نسخ التوارث بالحِلْف والهجرة لا في ترتيب القرابة، فلا يصحّ بناءُ نظامٍ عليها. وهو احتمالٌ قائم؛ ولذلك لم تُبنَ عليها في هذا البحث أحكامٌ مستقلّة، وإنّما استُعملت مؤيّداً لما دلّ عليه غيرُها.
خلاصة
الأرقام في آيات المواريث محكمة، ولم يمسّها أحد. المسّ وقع في ثلاثة مواضع أخرى:
- الشروط — أُلغي شرطُ ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾، فصار الأخ والعمّ وارثين مع الفرع.
- الأسماء — قُيّد «أخ أو أخت» بما ليس في المصحف، وأُنزل فرعُ الابن ولم يُنزَّل فرعُ البنت، وحُجبت ذرّيّةُ البنات بالحواشي.
- الوصيّة — وهي الحكمُ الذي قدّمه اللهُ على الأنصبة ثلاث مرّات، فأُبطل في أهله المسمّين وسُقِّف برقمٍ لا وجود له في الكتاب.
وما يقال في وصف ذلك بأنّه «قطعيّ» يخلط ثلاث مراتب: ما لا خلاف فيه، وما استقرّ عليه العمل بعد خلافٍ صحابيٍّ معروفٍ بأسماء المخالفين، وما اختلف فيه المذاهبُ نفسُها. وجوابُ عثمان — «لا أستطيع أن أردّ شيئاً كان قبلي، ومضى في البلدان» — يشرح كيف تنتقل مسألةٌ من المرتبة الثانية إلى ما يُظنّ أنّه الأولى: بمضيّ العمل، لا بانقطاع الحجّة.
وليس في هذا طعنٌ في أحد. الصحابة اجتهدوا فيما سكت عنه النصّ، ورجع بعضُهم عن قضائه — وقال عمر بنفسه: «تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي». إنّما الطعنُ في أن يُنسَب اجتهادُهم إلى الله، فيصير المجتهدُ فيه قطعيّاً، ويصير مَن يعود إلى النصّ متّهماً بالخروج عليه.
ملحق: مرتبة التوثيق
قطعيّ — نصُّ القرآن
كلّ ما بين ﴿﴾ في هذا البحث نصٌّ قرآنيٌّ بمواضعه: النساء 7، 8، 11، 12، 176؛ البقرة 133، 180، 181، 182؛ المائدة 106؛ مريم 5-6؛ النمل 16؛ الأنفال 75؛ الأحزاب 6.
ثابتٌ مخرَّجٌ في المصادر المعتمدة
- «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأَوْلى رجلٍ ذكر» — البخاريّ (6732) ومسلم (1615)، من حديث ابن عبّاس.
- إنكارُ ابن عبّاس نسخَ آية ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ وقولُه «ولكنّها ممّا تهاون به الناس» — البخاريّ؛ وقولُه «إنّما ذلك إلى الوصيّة» — أورده ابن كثير في تفسيره.
- «الثلث، والثلث كثير» — البخاريّ ومسلم، من حديث سعد بن أبي وقّاص.
- «ما لكِ في كتاب الله شيء» — قولُ أبي بكر للجدّة، الموطّأ عن قبيصة بن ذؤيب، وأبو داود والترمذيّ.
- محاورةُ ابن عبّاس وعثمان في الأخوين — ابن قدامة، المغني؛ وسنن البيهقيّ.
- «يكفيك آيةُ الصيف التي في آخر سورة النساء» — صحيح مسلم، من حديث عمر؛ وقولُه «ما راجعتُ رسولَ الله ﷺ في شيءٍ ما راجعتُه في الكلالة» عنده أيضاً.
- قراءةُ «وله أخٌ أو أختٌ من أمّ» — قراءةٌ شاذّة لا متواترة، تُنسَب إلى سعد بن أبي وقّاص وإلى ابن مسعود، أخرجها البيهقيّ؛ ونقلُ الإجماع على إرادة الإخوة لأمّ عند القرطبيّ. وقولُ الكرخيّ «القراءةُ الشاذّة كخبر الآحاد» — نقله القاسميّ في محاسن التأويل عند النساء 12.
مختلَفٌ في درجته أو في تخريجه
- «إنّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيّةَ لوارث» — أحمد وأبو داود (2870) والترمذيّ والنسائيّ وابن ماجه، من حديث عمرو بن خارجة وأبي أُمامة. ليس في الصحيحين. حسّنه الترمذيّ وصحّحه الألبانيّ. وقولُ ابن عثيمين إنّ نسخ آية البقرة بالحديث «قولٌ لا يصحّ» — منقولٌ عنه في مصادر فتاويه.
- الاختلافُ في تعيين ناسخ آية الوصيّة (آيةُ الفرائض / الحديث / الإجماع «وإن لم يُعيَّن دليله») — منقولٌ في شروح الحديث وكتب النسخ.
- سببُ نزول ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ في بنتَي سعد بن الربيع ومنعِ عمّهما لهما — مشهورٌ في أسباب النزول من حديث جابر (أبو داود والترمذيّ)، وأشار إليه ابن حجر في فتح الباري. وهو خبرُ آحاد — أُورد هنا إلزاماً لمن يحتجّ به، لا بناءً عليه.
- «مَن سرّه أن يتقحّم جراثيم جهنّم فليَقُلْ في الجدّ برأيه» — مرويّ بألفاظٍ متقاربة، ويُنسَب إلى أكثر من صحابيّ.
- «تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي» — قولُ عمر في المسألة المشتركة، مشهورٌ عند الفرضيّين.
- مناظرةُ ابن عبّاس وزيد في «ثلث ما بقي» — تتفاوت ألفاظها، فأُوردت بصيغة النقل.
- «إني لأستحيي أن أخالف فيها أبا بكر» — منسوبٌ إلى عمر في الكلالة، مشهورٌ في كتب الفرائض والتفسير، وليس في الصحيحين.
- اشتقاقُ «الكلالة» (من الإكليل والإحاطة، أو من الكَلال والانقطاع) — أقوالُ أهل اللغة فيها متعدّدة وغيرُ متّفقة، فلم يُبنَ على واحدٍ منها حكم، وإنّما اعتُمد على الشرط المنصوص في الآية.
ما اعتُمد فيه على المتون الفقهيّة
- نسبةُ الأقوال إلى المذاهب الأربعة، ومسائلُ الردّ وذوي الأرحام وبيت المال — المغني لابن قدامة، والمبسوط للسرخسيّ، وبداية المجتهد لابن رشد.
- تفاصيلُ الفقه الإماميّ (الطبقات، الحَبْوة، شروطُ حجب الأمّ الستّة ومنها حياةُ الأب، حرمانُ الزوجة من عين الأرض) — منهاج الصالحين، كتاب الميراث. وحرمانُ الزوجة من عين الأرض هو المشهور، وفيه تفصيلٌ عند جماعةٍ بين ذاتِ الولد وغيرها.
- قولُ «لو كان فريضةً لضُرِب له حدٌّ ومقدار» في آية ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ — روح البيان، عند النساء 8.
تنبيه: الأنصبةُ العدديّة في الجداول محسوبةٌ على قواعد المذاهب كما هي مقرّرة فيها، والعمودُ القرآنيّ يعبّر عن مقتضى ظاهر النصّ وحده — لا عن قولٍ منسوبٍ إلى أحد.