وصلتني بالبريد الإلكتروني رسالة جميلة من قاريء كريم يسألني: كيف أصبح مثقفا وكيف أصير كاتبا؟ الحقيقة أنا أشكره جزيل الشكر على هذه الثقة الكبيرة ، وأحب أن يطمئن قلبه أني لن أجلس اليوم مجلس المعلم الذي يخاطب التلاميذ لأني ببساطة أؤمن يقينا أنه لكي يصح أن يسمى المرء كاتبا يجب أن يتأصل فيه عنصر الخبرة ، أكرر: الخبرة ، فالقراءة والثقافة وإن عظمت ليست شيئا بدون الخبرة التي تغذيك بفيتامينات العلم والثقافة ، وعليه فلا يصح أن أسمي نفسي كاتبا قبل مالا يقل عن مرور عشرين سنة على بدايتي في عالم الكتابة إن شاء الله ، فأنا ما زلت في بداية البداية. ونفس الشيء أقوله عن
مجالي وهو الترجمة لا سيما والترجمة فن تجوده وتصقله الخبرة وليس علما محكوما بقواعد ثابتة.
اليوم أحكي لكم باستفاضة عن آخر ما قرأت وهو كتاب ماتع للروائي صنع الله إبراهيم الذي أختلف معه بنسبة لا تقل عن مائة من المائة ، لكني أعترف بقدرته الفذة على جذبي لقراءة أعماله ، وخاصة كتابه الماتع الذي أحدثكم اليوم عنه وهو: "يوميات الواحات" التي يحكي فيها كيف صار كاتباً.
لفت نظري في كتابه قوله في صفحة 11 عن المسابقة الثانوية التي كانت تنظمها وزارة المعارف (وزارة التعليم حاليا) لقراءة وفهم أربعة كتب في الفلسفة منها:"التأملات الميتافيزيقية" لديكارت ترجمة عثمان أمين ، والمنقذ من الضلال للغزالي ، وكيف أن الفائز في هذه المسابقة كان يتمتع بميزة مجانية التعليم الجامعي ، انظر وقارن هذا بحال التعليم لدينا الآن.
تكلم عن قراءاته الأولى لجوركي (روايته: الأم التي سحرته كما يقول) وتشيخوف وشتاينبك وأمادو وبريخت وإيلوار وسارتر ، ولقائه بيوسف إدريس وأحمد بهاء الدين وإحسان عبد القدوس وصلاح حافظ. يبدو لي من قراءة هذا الكتاب أن صنع الله قد تقلبت به صروف الدهر سيما وأنه كان عضوا في حدتو وهي الحركة الشيوعية المعروفة ، كما أنه قد هجر الجامعة ولم يكمل تعليمه – وليس هذا بغريب، فالعلامة محمود شاكر ليس معه ليسانس – وحكى كيف أن محمد سيد أحمد كان يشرح له في طابور المشي في سجن القلعة النظرية النسبية!!
المهم الآن هو مشواره مع الكتب والمكتبة عند انتقاله لسجن مصر المركزي بينما كان عمره 21 عاما ، وكان مغرما بروايات المغامرات ، وحكى كيف أنه قرأ رواية إيروتيكية للمازني بها مشهد سحاق في مكتبة منزل ويعتقد صنع الله أنها إما مقتبسة أو ممصرة ، والحقيقة أني كتبت عن المازني لكن هذه هي أول مرة أعرف فيها هذه المعلومة.
انتقل إلى سجن الواحات ثم منه إلى القناطر الخيرية وتعرض لتعذيب بلغ حده رش جسده العاري بجرادل البول والبراز!!!
ذكر صنع الله الشتائم التي كيلت صراحة له ومن أخفها التي يمكن أن أذكرها قولهم له في أثناء التعذيب: إنت شيوعي يا ابن الكلب ، قول أنا مرة.
بالطبع حق لصنع الله ان يكون كاتبا ذا خبرة وثقافة عالية لأن السجن جمع من كل التيارات والثقافات والمهن حتى إنه ذكر الدكتور محمد عمارة الذي كان مسجونا معهم وكيف كانت تقام محاضرات في السجن عن الاقتصاد وتاريخ الفلسفة واللغات والرياضة البحتة ، فضلا عن مسابقات أدبية وندوات شعرية وممارسة للرياضة بل وصحف ناطقة باسم السجن من مثل واس (وكالة أنباء السجن) التي أسسها عبد الستار طويلة.
مع الوقت نشأت بينهم وبين الضباط علاقات ود ورشاوي جعلتهم يجلبون لهم الكتب في الأجازات ويدفنونها في الرمال ويعطونها لهم حتى صار في السجن مكتبة تضم أكثر من 10 آلاف كتاب!!!
الدرس الأول يعطيه لنا صنع الله في صفحة 39: لا تكتب عن شيء إلا إذا كنت تعرفه جيداً.
يقول صنع الله في آخر صفحة 54:" إن تكوين الكاتب ليس بالمسألة السهلة. إنه نضال طويل وشاق وقاس وصارم. إنه يتطلب إرادة كالحديد ، يتطلب تدريب هذه الإرادة وتكوينها على مر الأيام."
يتحدث صنع الله عن حب الصنعة والكتابة والأمل ويستشهد بقول توفيق الحكيم في زهرة العمر:"نحن نعيش داخل آمالنا ، فإذا اندكت فنحن كالنمل الشارد في الشتاء العاصف."
الجميل هو الخريطة الفكرية التي رسمها صنع الله بدقة للكتب التي أثرت به من مثل روايات الجيب على سبيل المثال التي كان يحضرها له والده.
النصيحة المهمة من صنع الله هي الإيمان بقضاء الله وقدره حيث يقول في صفحة 73:"كثير من المعاصرين لي وجدوا أنفسهم تحت عجلات الزمن ، وقد أفلت لا لأني كنت أقوى أو أبعد نظرا ولكن لأن هناك أوقاتا لا يكون فيها مصير الإنسان مثل لعبة الشطرنج يعتمد على المهارة ، وإنما مثل اليانصيب."
يتجول صنع الله في كثير وكثير من ضروب الأدب ويجمع قصاصات كثيرة من هنا وهناك أثناء قراءاته بالسجن حيث ينقل مثلا عن مجلة تايم قولها عن القصة القصيرة:"هي بالتأكيد أكثر أشكال النثر وعورة ، وقليل من المؤلفين من يستطيع كتابة واحدة جيدة ، لكن أي شيء أقل عبقرية ليست له قيمة." ويرى صنع الله نفسه رأيا جريئا حيث يقول:" كل الأدب السوفييتي ليس إلا ريبورتاجات صحفية تسجيلية." غير أنه تكلم باستفاضة عن بوشكين – الذي تأثر بالقصة التاريخية عند شكسبير ووالتر سكوت - وهو أبو الأدب الروسي وكلهم خرجوا من عباءته.
والحقيقة أني ذهلت من هذا الكم العظيم من الثقافة والفكر والأدب التي رشف من رحيقها صنع الله والذي أعتبره لا يقل مكانة وموهبة عن نجيب محفوظ بل هو أصرح لفظا وأصدق معنى من محفوظ ذلك أن صنع الله يدلف بك مباشرة إلى اللفظ وإن كان قاسيا بغير تجميل ولا استدرار عطف إلا بما يقتضيه السياق والموقف بينما أرى محفوظ مختبئا في عباءة الروائي وهو في الحقيقة مثقف ومفكر ذو رؤى صدامية أكثر منه روائي بل إن محفوظ حشاش ومقامر وصاحب صبوات لم يتورع فيها عن ممارسة الفحشاء والاعتراف بذلك كما روى حبيبه رجاء النقاش في كتابه:" في حب نجيب محفوظ" والذي طبعته دار الشروق.
الكتاب كبير يصل إلى ثلاثمائة صفحة ، وسأقول لك شيئا عزيزي القاريء: دعك من الكتاب ونصائح وحكم الحكماء وافعل شيئا واحدا هو: التجربة. فالتجربة خير معلم ، جرب واكتب لكن كما نصحتك اكتب فقط فيما تحب وبعزم وأمل وقراءة لا تتوقف ولا تشغل نفسك بالخطأ ، فالخطأ أول خطوة في طريق الصواب ، ومن أخطائنا نتعلم ، وضع هذا المثل الألماني في اعتبارك: Aller anfang ist schwerيعني كل بداية صعبة.



