تأملت أحلام قدمها اليمنى باهتمام .. راحت تعد (واحد.اثنان.ثلاثة.أربعة.خمسة)..ابتسمت و أشرق وجهها الناصع البياض مثلما يتألق الربيع بين الأغصان اليابسة و يشيع فيها الحياة و الخضرة و الورود و تغريد العنادل...تريثت قليلا و حدقت في قدمها اليسرى ، راحت تعد في ضجر (واحد.اثنان.ثلاثة.أربعة.خمسة و...).سكتت كأنها تنتظر انفجار قنبلة...تجهم وجهها و استحال بياضه الآسر

إلى وشاح قاتم. صرخ الببغاء هناك في قفصه الفضي (ستة )..و راح يكرر ذاك العدد بطريقة آلية مملة. صاحبتنا تبغض الرقم ( ستة ) لأنه يذكرها بمأساة تظلل حياتها منذ نعومة أظفارها.

- ستة..يا أخلام..ستة.. يا أخلام.- عاود الطائر لهوه في حماس غير معتاد...قاطعته أحلام – أصمت إلى الأبد أيها الببغاء المعتوه – و دست رأسها بين ذراعيها الغضين و أغرقت في النحيب ..صاح الببغاء متأثرا و كأنه رق لحال الفتاة – خبيبتي أخلام رجاءا أمسكي عن اهراق الدموع الغالية –

- أنا بائسة يا صديقي. أنا أتعس أنثى على هذا الكوكب الرحيب. لست أدري كيف أن الكاتب فيكتور هوجو أهملني و لم يضم أسمي إلى كتاب *البؤساء*-

أجهشت بالبكاء مجددا. ألقت ببصرها المترع بالعبرات صوب قدميها المتشابهين إلا في عدد الأصابع...لقد أطفأت أحلام شمعتها الخامسة و الثلاثون منذ أسبوع فقط...يؤلمها كل الألم إذا ترامى إلى أسماعها أن إحدى صديقاتها قد زفت إلى عريسها و ينهش الأسى قلبها في ضراوة. لقد أوتيت من الحسن و الجمال حظا عظيما، و لكن حظها من الزواج كان صفرا ...صفر كبير يكاد أن يبتلع هذه الحجرة الكئيبة أبدا.

( صاف.صاف.صاف.صاف) لوح الببغاء بجناحيه الطويلين هناك في قفصه الرحب. تأملته الفتاة في حنو و قد استردت هدوءها و بعضا من بريقها المفقود. وعاد التألق ليحيي عروقها التي غادرتها الدماء منذ حين – أخلام خبيبتي دموعك أغلى من أن تذرف على رجل – صاح الطائر الجميل مواسيا و أرياشه الحمراء و الخضراء و الصفراء تكاد أن تنطق هي أيضا و تودع لغة الصمت إلى الأبد.

حدقت فيه الفتاة ذاهلة ..و أردف – أخلام أخبك ،لو كنت آدميا من هؤلاء الآدميين لتقدمت للزواج منك –

نجح الببغاء أخيرا في إضحاك صاحبتنا و أجابته هامسة – لو. يا لهما من حرفين ضئيلين لكن مع الأسف  *لو* هذه كلمة تفصل بين واقعين متناقضين أشد التناقض –

اقتحمت الوالدة المكان و هي تقول – قائمة طويلة من الشباب تقدموا لطلب الزواج منك يا أحلام و لكن؟-

قاطعتها أحلام في ألم – لكنهم كانوا يتلاشون في صمت حين يعلمون الحقيقة –

- ماذا يجري لو أخفيت عنهم تلك الحقيقة التافهة –

أجابت الفتاة بسرعة – الصراحة هي كل ما أملك يا أماه – سكتت مطولا و أردفت في نبرة حازمة – من الأخلاق و المروءة أن أخبر عريس المستقبل أن إصبعا إضافيا يقبع بإصرار في قدمي اليسرى و إلا أكون قد غششت الرجل –

ردت الوالدة في شرود – سنوات طويلة و أنت تعيدين نفس الحديث لكل شاب يتقدم إليك- و تابعت و هي تغادر الغرفة – إلى متى تعيشين في هذه الحلقة المفرغة يا بنيتي ؟؟-

أطبق الصمت مجددا على هذه الحجرة التي ولدت من مدن الصقيع..كل شيء يشي بالسأم و التكرار و الكآبة. غاغو..غاغو..غاغو..هدير الببغاء يبدد و حشة المكان ثانية . كان يبدو عليه الانزعاج و الإشفاق على تلك الأنثى الجريحة .الشباب يتقاطرون كما النمل أمام بيتها عسى أن يظفروا بهذه الحسناء الفاتنة. لكن هذا الرقم المشئوم (ستة ) كان عقبة كئودا أمام أحلامها الوردية المشروعة...غاغو.غاغو.غاغو. الببغاء في هياج شديد .لا يريد الإمساك عن ذلك العزف المنفرد  ...و أحلام هناك في زاوية الحجرة فوق سريرها ترنو إلى السقف الذي يحول بينها و بين تلك السماء المزدحمة بالأنجم المتألقة و النيازك العابثة .

انتصف ليل ذلك اليوم في بطء شديد. فجأة صراخ ذلك الطائر يخرق هدوء البيت .                             ( أخلام..أخلام..أخلام..أخلام ) ..ينتفض أهل الدار مسرعين إلى حجرة الفتاة  . كارثة غير متوقعة في هذا الليل الحزين...بركة كبيرة من الدماء تتوسط البلاط. الفتاة مغمي عليها . في يدها اليمنى مقص ضخم ملطخ بآثار الحادثة...كانت أحلام للتو قد قطعت و إلى الأبد.  ذلك العضو الغريب... الإصبع رقم (ستة ).