قطرات المطر تنقر زجاج الحافلة في حنو..كنت أرنو إلى تلك القطرات المسافرة من كبد السماء لتحط الرحال على هذا الزجاج الأسيل و سرعان ما تتلاشى في خجل لتعود في صمت إلى تلك الأرض الخصيبة كما تعودت الطيور المهاجرة أن تؤوب إلى أوطانها و أوكارها بعد تطواف طويل .
الحافلة تلتهم الإسفلت المشرب بالمياه، مسرعة كما الريح. كان بصري يوشك أن يتذوق طعم تلك الغيوم التي ترصع خاصرة السماء..بيضاء ناصعة قد قدمت للتو من هناك ،من أعماق ذلك
الأفق الصامت أبدا ...تحتضن تلك الغيوم المتلألئة رائحة الماء في أحشاءها ..و سرعان ما تدفع بهذا القطر المبارك إلى مرج من هذه المروج العطشى في سخاء يستحي منه الأسخياء.و ما أسرع ما تهتز الأرض و تربو فتغدو مثل أنثى فاتنة استعادت رونقها و رواءها بلمسة سحرية من علبة الماكياج...الحافلة ترزح دائما تحت وطأة هذا الزخم الآدمي القابع في جوفها. رائحة العرق تتضوع في كل مكان لتصنع مشهدا قاتما من السآمة و الضجر. الأجساد متراصة كأنه الحشر. و أمزجة المسافرين يساورها القلق و التوثب لافتعال مشكلة لأتفه الأسباب.
- تذاكر يا أخي الكريم- قطع علي المحصل خيط تأملاتي.
نقدت الرجل و أنا مبتسم – تفضل عم علي كان الله في عونك-
إحدى السيدات هناك في عمق الحافلة تصيح بتذمر- افتح الشباك يا فتى . إن رائحة عفنة تكتسح المكان و تؤذي أنفي –
صرخ الفتى متبرما – أتريدين أن يصيبني البرد بالحمى؟ قولي...لن أفتحها و اركبي إن شئت سيارة أجرة لتشمي هواء نقيا خالصا-
-يا له من شباب عاق و طائش – تمتم كهل و عيناه متسمرتان فوق جريدته.
- يا لها من حسناء فاتنة – هتفت ذاهلا لمرأى تلك الغادة الواقفة هناك...لم أدري متى صعدت إلى الحافلة...ربما هي حورية لفظتها السماء منذ لحظة، أو تسللت من رحم الغيم مع قطرات المطر...سلبت تركيزي هذه الأنثى الشاردة. أكيد هي لوحة رسمتها أصابع القدر و ألقت بها في طريقي القاحلة...إنها واحة يانعة الثمر نبتت للتو وسط الصحاري المتراكمة بين أضالعي. استهواني التأمل في الغدران المترنحة في جفنيها...افترستني الأنوثة المتوثبة من جسدها.
بلووووووووف...شيء ما ينكسر في أحشاء هذه الحافلة المسنة . صوت منكر حطم الصمت الذي كاد أن يستتب أخيرا..تتوقف الحافلة مباشرة..القلوب لدى الحناجر. تميل المركبة ميلا شديد إلى الجانب الأيمن و توشك أن تنقلب –حادث...حريق...انفجار- ترتفع الحناجر الملتاعة بالصياح. الجلبة و الفوضى هما سيدا الموقف ..أجسام بشرية بدأت تثب إلى الخارج عبر الشبابيك طلبا للنجاة.
ينطق السائق أخيرا و هو يصطنع التجلد و الثبات – انكسار في إحدى العجلات ، التزموا الهدوء و انزلوا في روية و أناة ريثما نتدبر الأمر و نستدعي حافلة بديلة –
في الحين كانت الحافلة المعطوبة تلفظ كتلة من المسافرين ...وسط التدافع شديد و لغط النسوة و صياحهن.. الكل يفر من الموت الذي يحوم حول هذه المركبة المشئومة...إلى هذا المكان المجهول ، فلاة مترامية الأطراف لا تطال العيون مداها..المطر لا يزال ينزف و قد اشتد ضراوة...و صلة مطرية مطولة على إيقاع الرعد الذي أخذ يقصف هناك في أصقاع هذه الجغرافيا المنقطعة عن كل أشكال الحضارة...البلل أخذ يصنع تضاريس جديدة على أثواب المسافرين و ملابسهم...أوووف.أوووف في كل مكان ،أصبحت للضجر لغة في هذه اللحظات العسيرة...فجأة تفقدت أنثاي المتمردة . لم أعثر لها على أثر...هل ابتلعتها تلك الغيوم المتخمة بالماء؟ طاش عقلي لفقدانها. – آآآآآآآآه هي هناك. لا أصدق. ماذا أرى ؟؟؟- هتفت مأخوذا ...إنها جالسة و متوارية هناك كأنها اقترفت جريمة. يا له من مشهد خارق لا يشاهد إلا في أفلام العبقري هيتشكوك...لعله كابوس يراودني . فركت عيناي لأتحقق من المشهد.. مياه الأمطار هزمت صاحبتنا شر هزيمة...أزاحت كل مساحيق الزينة و الألوان و الأصباغ من سحنة هذه المرأة. واستحالت في لحظات إلى سيدة تكالبت التجاعيد على وجهها . و تكاد الأخاذيذ أن تصرخ من جلدها..و بدت المرأة و كأن عجلة الزمن تقدمت بها عشرون سنة إلى الأمام.



