توقفت زخات المطر أخيرا...أنعشت هذه الأرض العطشى والتي تأوي فوق ظهرها الحاني ألوانا من البشر و أشكالا من الناس. و صنوفا من الحيوان و الأطيار، كلها تتلهف شوقا لهذا الزائر السخي..مطر عاد من رحم الغياب مثلما يؤوب الغريب من منفاه إلى قريته و ذويه بعد أن كاد ينسى و تتلاشى ذكراه من الصدور.

-ارمي الكرة يا حليم ،صوب المرمى و لا تبطئ- صاح أحد الرفاق....

 رد حليم و هو يلهث جريا وراء الكرة- حسنا يا رفاق ،سأسجل هدفي المعتاد-

و سرعان ما سدد كرته و أحرز الهدف الموعود وسط صياح الصبية و ابتهاجهم.

ذلك هو حليم، صبي هادئ الطباع ،وادع النفس، يناديه الجميع –الدرويش-  تعارفت العامة منذ القديم على هذا الاسم الذي يخلع على المتخلفين عقليا... أو على من تأخر نمو عقولهم مقارنة إلى أجسادهم كما يقول أطباء علم النفس..

و الحق أن الدرويش لم يكن مؤذيا و لا يستعدي أحدا قط ،إلا انه غضوب  إن استفزه أحدهم أو ابتدره الصبية بالمساءة  ..و ما يفتأ أن يفيء إلى السكينة و الهدوء ، منطلق  الوجه و منشرح النفس ،يشيع الفرح و البشر في نفوس الكبار و الصغار جميعا.

كان ذلك طبعه و معدنه ... ألفه الناس فأحبوا حلاوة منطقه و نقاوة سريرته...فهو لا يعرف الحسد أو الالتواء أو الضغينة.

دخل الدرويش إلى البيت.. فصاحت ربة البيت بهية مرتاعة لمنظر القذارة و قد اعتلت ثيابه و سحنته ...ولمنظر العرق المتصبب من بدنه النحيل –آه منك يا حليم .. إلى متى و أنت تدخل البيت بهذه الهيئة القرفة عقب كل مباراة؟؟- ويجيب الصبي ببراءة تستهوي سيدة البيت و تكفكف من روعها –سأدخل كل مرة على هذه الحال ، فأنا أعلم عين اليقين أن أمي بهية في انتظاري- وتتأثر المرأة لرقة الكلمات و تغالبها نشوة الفرح ، فتهرع إلى الدرويش و توسعه عناقا و تقبيلا.. ثم تنظف ثوبه وجسده و تكرمه بما تشاء من قطع الكعك و الحلوى.

إن الدرويش وردة الدار و بهجتها و مبعث السرور و البشر بين سكانها .. فمنذ عقد من الزمن وجده أهل البيت رضيعا مهملا في لفة أمام الباب.. الحقيقة ألا أحد عرف له أبا أو أما أو عشيرة، فآواه أهل الدار واتخذوه ولدا.. فنشأ بين صبيتهم عزيزا مصان الجانب.

وتقول بهية دائما أن البركة غمرت أرجاء البيت مذ دخلها الدرويش .. و بين جدران ذلك البيت الوسيع تعيش ثلاث أسر في وفاق و تآلف رائعين ،لا يكدر صفوهم هموم أو احن . بهية و زوجها و النجل الأكبر و زوجه و أولادهما ، و البنت الكبرى و زوجها و صبيتهما.

و يأبى الدهر إلا أن يسوق البلايا و الرزايا إلى ذلك البيت الوادع السعيد... و يشكو الدرويش يوما مغصا في بطنه ، ويلح الوجع كثيرا على الصبي ثم يسكن قليلا ،فيتغافل الدرويش عن الألم أو يتغافل الألم عن الدرويش حينا... لكن المغص يعاوده مرة و مرة و يمعن في الإيلام  فلا يجد الصبي إلى الصبر سبيلا...يصرخ صراخا منكرا و تقهره وطأة الوجع، و ينتفض سكان البيت لصراخ الدرويش و يستنفرون لنجدته...و ما أسرع ما يرسلون في طلب الطبيب.. و يصعق الجميع حينما يتسامعون أحد الأطباء يقول بتأثر شديد - أخشى أن داءا خبيثا يستقر في أحشاء الولد -...و تمضي الأيام سراعا و يتضح من الكشوف أن المغص الأليم مبعثه سرطان ينخر في أمعاء الدرويش.

و تتبدل الدار غير الدار ،و تخيم سحابة حزن قاتمة على رؤوس سكانها و يمسي التوتر و الترقب و القلق سمات ترتسم على الوجوه...و لكن بدن الدرويش ينهشه الداء في صمت.. يسوء جسده و يتدهور.لقد ذهب بريقه و ذوت زهرته ،والتصق جلده بعظمه ،و فارقت البسمة ثغره الضحوك .. ولم تفلح صنوف الدواء و ألوان العلاج في أن تردع السرطان أو أن ترد العافية إلى حليم أو أن ترد حليم إلى العافية.

في صبيحة يوم غائم و كئيب سمعت أصوات النحيب و عويل النسوة تنبعث من دار الدرويش تنبئ أن رزءا عظيما قد ألم بالصبي...لقد خطفت المنية ذلك الولد، وانطفأت جذوة قلبه بعد أن كابد ضراوة ذلك السرطان في صمت و لأيام قلائل ..و شهد جميع سكان الحي موكب جنازته المهيب ،وما أكثر ما سار فيها من الصبيان.

 بعد أيام من رحيل الدرويش تتكشف لأهل الدار مفاجآت غير سارة..  الأنوار و الخير و البركات غادرت تلك الدار يوم أن غادرها الدرويش...لم يمض زمن قليل عن وفاته حتى تسللت الخصومة إلى العائلة و دب الشقاق بين أفرادها...فأما ربة البيت بهية فخرجت مغاضبة إلى الريف عند أخيها، وأما زوجها فقد تطرق الكساد و البوار إلى تجارته .و اضطر إلى رهن هذه الدار الكبيرة. و أما النجل الأكبر فقد طلق زوجته بعد خصام طويل ،و أما البنت الكبرى فقد ارتحلت إلى منزل خارج البلدة بعد تلاسن بين زوجها و والدها...و هكذا تشتت شمل الدار يمنة و يسرة و أضحت خاوية على عروشها بعد أن كانت ترفل في النعيم و الدعة و خفض العيش يوم أن كان الدرويش على قيد الحياة..