هواجس خالد شاتي الليل يرخي سدوله على اركان البيت الاربعة وكأنه يوزع سكونه بالتساوٍ على جميع الاشياء فيه، عزفت الرياح انشودتها من خلال رفيف الاشجار الواقفة في حديقة البيت،ذلك الرفيف الذي يرتفع وينخفض بطريقة غريبة نوعا ما وكأن من ورائها احد الهة الاغريق القديمة، تشاركه جوقة من الاصوات المختلفة من اوان للطعام وخزانات الماء المعلقة فوق بيوت الجيران المتهرئة من الرطوبة والقدم ، واغصان تتراقص وكأنها في كرنفال سحري كل مافي الليل يساهم فيه وكأنه جزء منه. تشاركهم اصوات الاطفال الذين ناموا مجبرين بعد انقطاع الكهرباء، الذي ينذر بنوم قسري، وهاهي الرياح النيسانية تعبث بالاشياء كما تشاء وتتحرك بهواها من دون كلل او ملل وكأنها تشرف على النهاية وتنازع في انفاسها الاخيرة. كل شي أمامه يزيده قلقا ويشارك في بقاءه يقظا مع ان الساعة شارفت على الواحدة ليلاً، فيخرج في فِناء الدار ينظر الى الاشياء بصورها القاتمة التي لم تبقي منها مع اختلافها الا كتلا سوداء تاخذ اشكال غريبة وكانها مخلوقات غريبة جاءت لتحل في كل تلك الامكنة لتقيم حفلا لكل الجمادات الراقصة بفعل تلك الريح وفي تلك الليلة بالذات, ينتابه القلق وربما الخوف وخصوصا في هذه الايام التي صار القتل فيها عاديا، ذلك القلق الذي سار كفايروس بيننا ووصل الىا لجيران عندما يهمون وقبل وقت الغروب بقفل ابواب بيوتهم حتى تسمع مع بداية الظلام اصوات الاقفال و(الزناجيل) الحديدية تشتبك ببعضها وكانها لابواب قلاع كبيرة او حتى سجن كبير! كل شي اختلف في عينيه وخصوصا في الاونة الاخيرة ،لم يعد يأبه لاي شي يضفي عليه اسباب قلق جديد بعدما تكررت حوادث القتل والتفخيخ التي يسمع بها كل يوم؟ يطمئن نفسه من أنه لم يؤذ احد من قبل، كان وكما يقال (خيره كافٍ شره) وكان الكل يعطف عليه هذا الامر الذي ترك ظلاله عليه فجعله جزء من الاخرين القريبين منه. حتى سلاحه الذي كان يحمله معه لحالات الطوارىء التي ربما تضطره الى أستخدامه ،لم يجربه ولم يطلق منه طلقة واحدة وحتى عندما اشتراه أشترط تاجر الاسلحة أن يجربه أمامه من خلال اطلاق نار لمرة أو مرتين، دعا أخيه الاصغر فقال له: - خذ جرب هذا السلاح، فأخذه وهو في حالة من عدم القناعة با لامر، حتى أنه أبتسم بمكر ظاهر أرتسم على محياه وهو يأخذ السلاح من يد اخيه الاكبر وكأنه يقول: - أنك الاكبر والمفروض أننا بحمايتك بعد أن توفي والدنا وتركنا صغارا لكن هذا الامر لم يمر بباله من أنه يجب على الابن الاكبر أن يكون ملما بالسلاح لاسيما أنه تربى وكما يقال (على القلم والدفتر) هذا ما تقوله والدته عندما كان صغيرا وهو يذهب معها الى السوق القريب من بيتهم مع بعض نساء المنطقة وهي تصف ولدها البكر، وكيف انها لا تبخل عليه بشي مهما غلا ثمنه ، هذا الامر الذي اصبح وبالا عليه عندما يختلف معها أحيانا بسبب مشاجرته الدائمة مع أخوته، فعندما تسمع أصواتهم المرتفعة والتي تصل احيانا الى الجيران فيأتون اليهم مسرعين لفض النزاع بينهم,كانت تصرخ بشدة (لم أبخل عليك بشي يوما)(اني فنيت عمري في تربيتك)(لم تبق على حالي حال). فيطأطىء راسه ويسكت، حتى لايزيد من غضبها عليه. كان شخصا مسالما لم يجره رفاق السوء الى سوحهم يوما، وحتى تلك الهدايا التي كانوا يبعثون بها اليه من قصص العشق والاشعار لاستدراجه والتي كان يرفضها ويوبخ اخاه لانه كان رسولهم اليه والذي كان يحتفظ بهدايهم فيشكرهم نيابة عنه وهو لا يعلم شيئا من ذلك. كانوا يبتسمون ويغمزون بأعينهم عندما يمرون به، وكأنهم يستهزئون بتلك الحصافة التي وحسب ظنهم أنه يتقمصونها، كيف لا وهو يأخذ تلك الهدايا بطيب خاطر ويتعالى عليهم،حتى أستوقف احدهم يوما وسأله عن سبب الضحك والاستهزاء اللذان يُستقبل بهن عندما يمر من قربهم، وكم كانت دهشته كبيرة عندما أخبروهاأن أخيه الاصغر كان يأخذ تلك الاشياء وينقل لهم تحيات أخيه الاكبر وشكره عليها، فذهب ومن دون تفكير الى أخيه الاصغر وأنهال عليه ضربا مما جعل البيت في تلك الليلة جحيما لا يطاق وسط دعوات الام بالهلال للجميع وتندب حظها العاثر في عدم وجود ولد يريح بالها ويكون لها عونا على هذه الحياة اللعينة، يفرك صدغه بقوة ويحدث نفسه صامتا: - (يبأأأأه) مال تلك الوساوس تهجم علي كلما وضعت رأسي المتعب على الوسادة. هذا ماقاله وهو ينظر الى الساعة الكبيرة أمامه التي تقف عقاربها على الثانية بعد منتصف الليل، فيستلقي على فراشه ويمدد جسده المتعب ويحاول أن يبعد عن فكره تلك الهواجس لعله يحظى بأغفاءةٍ تعينه على أسدال الستارعلى هواجس يوم فائت.