تخلع نعليك وتنتعل الأرض.. تُمنطق ما سمعت عن الفقه فتنزع الحذاء الأيسر فالأيمن وتدخل باليمنى فاليسرى.. تطفح أنفك بروائح جوارب لأرجل عفنة، تسُد معها كل منافذ الإحساس بالجمال، تنبعج لديك مفاهيم الإيمان وتنسحب تخيلاتك عن النسائم العنبرية العطرة.. من ذات المنطق الفقهي تتحاشى تخطي الرقاب.. تقاوم شعورك بالرصد، تمحو شعورك المضني بأنك المذنب الأوحد هنا.. بأنك نفثة شر وسط أخيار... تُسقط كل العيون المتطلعة إليك من الذهن، تُقنع نفسك بأنها وسوسة شيطان، وأن رغبتك في تطهير الروح العطنة لن تأتي على طبق من زبرجد.. حين تضع حذاءك بين أقرانه _عظيمًا بين وضعاء_ يواتيك قلق تتذكر على أعتابه سرقة حذاء جارك من بعيد، وتستعيد مظهره المركب، (بدلة) وفي القدم قبقاب!، فتطفو على وجهك بسمة.. تتربع أرضًا فور سماعك للخطيب المرتقي فوق المنبر يُلقي السلام.. ترد مع الباقين، تخرج المسبحة الزرقاء من جيبك لتعيش الحالة.. تُكبّر، تحوقل، تستغفر فيرق القلب خضوعًا.. يختل النسق الروحاني بموسيقى تنبعث من نقال إثر رنة.. تلتف مع الجمع تجاه المصدر فيسارع باتخاذ ما يلزم ليواري خجله.. تحصد عيناك المكان.. ترنو أذنك لصوت مستنكر «استدر نحو المنبر والقبلة أثناء الخطبة.» تلحظ المعني جالسًا بمواجهتك تبدو من جبهته علامة سجود يستند بظهره إلى أحد الأعمدة الموسومة بالزخرف.. تستغرق منك الدهشة إزاء فعله المزري بعض الوقت.. تنتبه لصوت الخطيب يستنكر على البعض استدبار القبلة، تشك بأنه قد سمع.. تتتبع دهشتك قيام المواجه بتذمر، حذاؤه بيده، يتمتم أثناء حراكه للبعيد حيث يضيع. يتسلل لثغرتَي وجهك رحيق أعواد بخور هندي يستدعي تخيلاتك المنسحبة.. تتجلى مراسم خشوعك من جديد حين تحاول الغوص في حديث الشيخ.. تصعد مع ما يتلو من آيات حيث مراتب النور.. تخضع لتكفير دنسك بالتندم.. ترتد بك الذكريات حيث أوقات البوار، مناطق التشظي التي كانت تدب بعيشتك صبح مساء.. حينها كنت تبحث عن الوصال، عن التخلص من كل قيود الجسد الفاني والعودة. تفريطك مد المسافة، جعلها قاسية قصية.. لكنك كنت تعلم أن الباب منفتح لكل باحث عن سكينة، وأنت الآن في المنبع.... تخترقك كلمات المنبر «لابد وأن نأخذ بالأسباب.».. تشعر أنها موجهة نحوك، مسددة لعقر قلبك، تؤكد لك فداحة غيابك بالكلية عن الأصل.. وأن خطواتك إلى النبع كانت حتمية لتغتسل وتتطهر. تشمل خلايا جسدك قشعريرة وترق في العين دمعة توبة.... يتمازج بإحساسك صوت مزعج.. تستبعد توقعك عما يكون.. تبحث عن يمينك، يسارك، هناك رجل نائم!.. تخبط كفًا بكف وتهز الرأس.. يقفز لعقلك قول (يأكل أرزاً مع الملائكة) تُفكر، أفي وضع كهذا تحيطه ملائكة؟!.. تجف دمعتك فوق حبات المسبحة.. تلوح تعابير الاستياء من أرجائك.. تتخبط بتلافيفك كل آيات القرآن وأحاديث النبوة.. تتماهى كل المعاني وتبهت.. توقف بالتروي جموح كيانك وتتبرأ مضغتك من الخطايا... تصب كافة حواسك صوب المنبر، حتى نبرات اللعب الطفولية بين صغيرين بقربك تمحوها مسامعك، وتريحك زجرة لأحد الرجال تقذفهم بعيدًا عنك... تصفو وتنشد السكينة.... تسمع «ارفعوا أكف الضراعة بالدعاء.».. تلبي وأنت تسأل الله التثبيت وتعود تكررها.. تتأرجح فتُزيد الكَرّة.. تنظر الساحة تميل أمامك والأعمدة منقلبة.. تستعيذ وتدعو.... تلحظ شخصين أمامًا يتهامسان، وتسمع فردين خلفك يتضاحكان.. كل الشفاه تتحرك.. يصّعّد في السماء صدرك.. تعثو وسط أفكارك "كلنا مذنبون.".... تعود كلمات المنبر لاختراقك «اللهم انصرنا على القوم الكافرين.. اللهم دمر الـ...».. تنتبه!!.... «وحطم الـ.......».. تتوقف!!.... «اللهم خذ الـ......».. تتجمد وحدك بين كُل منساق لقول «آمين.». تتسمر كثيرًا هاهنا.. تتلمس نقطة ارتكاز.. تصفعك خدعة الأخذ بالأسباب وتجاهد لمنع أذنك عن أن تستطيل.. تُفتضح براهين العجز في ناظريك وتكتشف فجأة أن هنالك أكثر من قبلة.. تبتلعك دوامة الزيف المحيط.. تدور رحاها فيك.. خَدَعَ.. يخدعُ.. خدعة، فهو مخدوع.. وهم مخدوعون.. يخدعون أنفسهم وأنفسهم تخدعهم.. يخدعون بعضهم.. مثلك مثلهم.. أحكامك على وشك الصدور فالنفاذ.... يُختتم الدعاء وأنت على شفا حفرة.... من الباب الخلفي يدخل محمولاً حينها، جسد مُكفن بالبياض ليقبع في نهاية الساحة، تلاحقه أصوات عويل وصراخ يقوض جدران احتمالك.. تهز كل ما بقي منك.. تتداعى نفسك المطمئنة.. تجدك ذاتك كزجاجة في مرمى تراشق بالحصى... «حي على الصلاة.. حي على الفلاح.» الكل على الأقدام واقفون يولون إلى القبلة شطرهم.... بينما حصاتك تولي قدمك شطر الباب الخلفي.