ذاكرة مثقوبة وأشياء أخرى
قصة : محمد عارف مشّة
يمسك بطرف ثوب أمه . تزداد قدماه تمسكا وثباتا
بالأرض . يزداد بكاؤه . تشده امه من كتفه كي يمشي . يزداد تساقط الدموع من عينيه فتختلط بالخيط السائل من انفه وتتشبث قدماه في الآرض كبغل ارعن.
تمسك الام بطرف ثوبها . تمسح سائل انفه المختلط بالدموع بطرف غطاء رأسها. تحثه على السير . يزداد ثباته وتمسكه بالثبات.تصرخ عينا الام : مامعي
يزداد اصرار الطفل .
انظر نحو الطفل . اجد عينيه تتجه إلى هناك . انتبه إلى هناك ولا انتبه الا على صوت سائق السيارة يلعن غبائي
وغباء المارة الذين لا يلتفون وقت عبورهم الشارع المؤدي إلى شارع سقف السيل القادم من قرب راس العين الى فندق صلاح الدين واحيانا يمتد وصفه إلى مكتبة الامانة التي تستقبل الطلبة والقراء مجانا ومايحتوي عليه الشارع من لصوص وعاطلين عن العمل وبائعي اقراص الفيديو ( الطقع ) . والطقع مصطلح له دلالته الخاصة عند بائعي الاقراص وزبائنهم لا يعلمها سواهم باعتقادهم رغم ان دلالة المصطلح باتت واضحة.
كدت انسى الطفل وأمه في زحمة السيارات والمارة لولا استمرار صراخ الطفل وتشبثه بالمكان . وصلت الى جوار الطفل وأمه وقد التف من حوله العديد من الباحثين عن فرص السرقة المتاحة او العابثين باجساد النساء او لربما بدافع حب الاستطلاع . وماكدت ارى وجه المرأة ووجه الطفل بسبب ازدحام الواقفين كل يبدي برأي خاص به ويصر على تنفيذه كحل لمشكلة الطفل الرافض للمشي والتزحزح من مكانه .
اثرت الصمت قليلا كي استمع للحلول المقترحة وماوجدت حلا مقنعا ، لكني لم اجد رغبة للخوض في وضع الحلول والمقترحات وفضلت الصمت على الكلام .
ازداد احراج الام . ازداد بكاء الطفل . عجزت الام على اجبار ابنها على المشي . عجزت كل الحلول المقترحة على اجبار الولد على المشي . عجزت انا عن تقديم حل مقنع في ذاكرتي .
تمد الام يدها الى صدرها . تخفي صدرها بغطاء رأسها الابيض . يدها تغوص كثيرا في صدرها . تحني جسدها قليلا . محترفوا التلصلص زادوا في بحلقة عيونهم لعلهم يقعون على شيء من جسد المرأة الذي انحنى قليلا . النساء لهن خبراتهن في هذا المجال . شدت المرأة غطاء رأسها اكثر نحو صدرها . فأصيبت العيون الباحثة بخيبة ولم تر شيئا .
خفت صراخ الطفل قليلا لكنه ظل يبكي
تراجعت بعض المارة
انفض كثير من الجمع المحتشد
مازالت يد المرأة تبحث في صدرها عن شيء مجهول يستره ثوبها الطويل . ماعاد احد سواي. صرخت المرأة بي : ماذا تريد ؟
ا . ا . انا
أ . ا. انا............ ماذا تريد؟
الطفل مازال باكيا
الام حائرة ماذا تفعل
عينا الطفل تتعلق بذاك المكان
اعرفه جيدا عندما كنت بعمره اجيء مع أبي الى هنا ولا نمتلك أجرة الطريق عائدين إلى بيتنا . لكني أبدا لم أجرؤ على البكاء يوما في هذا الشارع الممتد بأقراص الفلافل ورائحة شواء اللحم والعصائر . لم اجرؤ يوما على البكاء طفلا . فبكيت الان . بكيت . بكيت كثرا. صرخت . ازداد صراخ الطفل في داخلي . تجمهر الناس من حولي . منحت الطفل كل مافي جيبي من نقود. ومضيت مسرعا نحو بيتي مشيا على الاقدام . قبل ان يجيء الليل واللصوص في هذا الشارع . ولا اجد ثمن اجرة مواصلاتي . بعد ان منحت الطفل كل مااملك . وازاد بكائي أكثر لاني لم ابك حين كنت طفلا كي انام مستريحا من عناء طفولتي