بدايات الأشياء اختبار صعب حقا...بعد أيام الدعة و الاسترخاء من الصعب أن تنطلق أيام الجد و الكدح.
برد كانون الأول يغرز أظافره في جلدي اللحظة...الأرض مسترخية أمامي على مد البصر. تمثلت على الفور كتاب الأرض الذي وقعه الكاتب أميل زولا منذ عقود طويلة...أذكر جيدا إن بصري التهم صفحاته الدسمة في ساعة من ليل . هاهي التربة أمامي يتضوع من شقوقها عرق المزارعين و رائحة التبن و صخب ليالي الصيف المسافرة...تربة تنتظرني لأنتشلها من الكسل السرمدي و السبات العميق لأبث فيها مذاق الحياة من جديد. أطلقت العنان لمحراثي العتيق يغازل أحضانها الدافئة من وهج شمس الصيف...أكاد أن أشم رائحتها التي لا تحاكيها رائحة قط. رائحة كما عطر الغادة الذي لا يفكك شفرته سوى أنف الحبيب...بدأت طلائع الصباح تزحف وسط الحقول العطشى. تسللت الشمس الخجول بين الغيوم الباردة...انه يوم الجمعة حيث

ينعقد المؤتمر الأسبوعي للقرية. أقصد –السوق – هناك يتقاطر البشر كما النمل للتجوال و التسكع و التبضع...كذلك لتبادل الأفكار و أخبار القرى المجاورة. فرغت من حرث الأرض و يممت شطر السوق...من الجنون أن يفرط المرء في هذا الملتقى الصاخب الذي يعيد الحياة إلى القرية أو يعيد القرية إلى الحياة. شد انتباهي حلقة واسعة في عمق السوق الرحيب...قامتي الممشوقة أسعفتني للتطلع إلى وسط الحلقة. آآآآآآآآآآآآآآه ماذا أشاهد؟؟...شيخ ليس مثل الشيوخ الوقورين. لم يكن يرتدي جلبابا أو عمامة مثل أقرانه . كلا كلا ...كان يرتدي فستانا تعتليه القذارة. الشيخ يعقوب حكاية غامضة الرموز و تحفها الطلاسم...هو مولع بفساتين النساء. لا أحد يعلم من الشيخ و لا من أين أتى و لا أين يبيت و لا أين يتناول الطعام...ربما لم يكن الشيخ يحفل بالنوم و الطعام أصلا. كان يظهر فقط يوم الجمعة عند انبلاج الفجر...يتوسط فضاء السوق ليصيح بصوت أجش- افتح السووووووق- ثم يتنقل هنا و هناك. يلقي نكتة هنا و رقصة هناك و حكمة هنالك وسط تناثر بعض الدنانير بين يديه...و إذا أدركه العناء من ذلك كله أخرج من جوف فستانه مزمارا و راح يرسل الألحان في سخاء يطرب الأنفس...و قد يسبح به الخيال فيلوذ بصمت أطول من صمت القبور. لم يكن للسوق مذاق دون حضور الرجل الظاهرة. تمضي الأيام و يمسي السوق مزارا يرتاده سكان القرى المجاورة قاطبة ...صار صيت الشيخ يعقوب يملأ كل الآفاق و أمست قريتنا كلها حياة و نشاط و خصب بطلها –أبو الفساتين- كما كان يروق لولدي أن يناديه. جاء موعد جديد من أيام الجمعة الزاهرة...لكن الشيخ كان مغضبا و لا أحد يعلم السبب. فستانه كان نظيفا على غير العادة...ذقنه كانت حليقة على غير العادة أيضا. تصدر السوق و اعتلى صندوقا بالية ثم صاح ما وسعه الصياح- أغلق السوق... أغلق السوق – اختفى بعدها صاحبنا و لم يعلم له أحد خبرا. الناس كانوا ذاهلين لتلك المقالة الكئيبة...تصرمت الأيام متثاقلة وافتقدت الجماهير معشوقها. قال أحدهم أن غزالة بجناحين طارت بالشيخ بعيدا...تطرق الكساد إلى السوق و تجاره. انصرف عنه الناس و زهدوا فيه بعد أن أمسى سوقا خاملا لا صخب فيه و لا حياة و أمست القرية أيضا موضعا للبوار و الشؤم...سافرت يوما إلى إحدى المدن لبعض الشؤون . دخلت متجرا فخما و عند مغادرتي له شد انتباهي هناك ...كان قابعا على الرصيف و رذاذ المطر يغازل شفتيه المتصلبتين. لم يكن يرتدي فستانا هذه المرة بل بدلة رجالية. لم أحفل بالشيخ لأنه أمسى في نظري غير ذلك الشخص الذي كان يوما يشيع البهجة و المرح و الحياة في كل مكان.