شارعنا ككل شوارع الدنيا الصغيرة ، نعيش بداخله و يحيا بداخلنا ، على جانبيه بيوت تؤوينا في أحشائها ، و في جوفه أنبوب ضيق نستمد من بدايته و نهايته نقاط الخلاص من رحم الضيق .

***

أبرز سكان شارعنا لم يكن من أعيانه أو وجهائه ولا حتى من مثقفيه ، كان البربري هالة من هالات الغموض في حياة كل واحد فينا ، هيئته كالدراويش و حركته كالبهلوانات و كلامه دائما غير مفهوم ، الوحيد الذي يستطيع أن يُوجَدَ في شارعنا رغم حظر التجول الذي يفرضه جنود الاحتلال بعد أذان العشاء .

 نسمعه يتحدث إليهم بلغتهم و أحيانا يصرخ فيهم ، و يعلو صوته على أصواتهم ، قدر الكثيرون عمره فوق

الستين .

فسر الكبار من حكماء شارعنا غرابة أطواره أنه مسكون بجنيِّ من جنسية الجنود ، برر ذلك أن الغرباء و كبار شارعنا يخافونه ويتجنبون إيذاءه .

أُمِرَ كل الصغار بعدم الاقتراب منه ، وطُلب من الشباب تجنب الحديث إليه أو مصادقته .

***

شارعنا ككل شوارع الدنيا الفقيرة ، أحيانا نعطيه قدر ما نأخذ ، لكننا في الأعم لا نأخذ بقدر ما نعطي ولا نعطي بقدر ما نأخذ، وجدنا أنفسنا مع وجود الغرباء قد قنعنا بألا نعطي و ألا نأخذ .

فقط نعيش .

***

البربري أقوى من ضابط النقطة الذي يرفع يديه في الذهاب و الإياب مؤديا التحية العسكرية لجنود القمع ، و إيمانه أقوى من شيخ الجامع الذي يخشى أن يرفع صوته بالأذان حتى لا يؤذي أسماعهم بينما يفترش البربري حصوات الأرض ليصلي أمام حواجزهم ، كان أقوى من الصغار الذين يسمعون كلام الكبار بعدم النزول إلى الشارع أو النظر إلى الجنود من الشرفات ، و أقوى من الكبار الذين لا يستطيعون حماية صغارهم .

 الكبار يكرهونه و الشباب يَعُدُّونه بطلا و الصغار يؤمنون أنه أسطورة من أساطير حكايات الليل الملهمة بالنوم .

و لأننا نتشبث بالخيالات فقد كنا نردد أن البربري هو المخلص المنتظر ، هو بلا سلاح ولا جيش ، لكن شارعنا انتظر منه الخلاص .

*   *   *

شارعنا ككل شوارع الدنيا المحتلة ، تُزَيِّن أبوابه حواجز من حديد صدئت بفعل عدائية نظراتنا إليها و دموع من أهينوا أمام عيونها .

تخترق صمته المكبل بالذل بين الحين و الحين صوت رصاصات ترسم على جزء من أرض أو جدار لوحة غير منتظمة كل لونها أحمر ، تتحول إلى الأسود مع مرور الصمت .

*   *   *

بدأ اختفاء جنود من بين صفوفهم في الليالي التي يخاصمها القمر ، فانتقلت حواجزهم من أنبوب الشارع لتذوب في أبواب بيوتنا ، و مع اختفاء الجنود ، اختفى البربري فتسلل اليأس إلى قلوب مريديه و الرضا إلى كارهيه و روح الانتقام إلى آخرين ، و تزايدت لوحات الأحمر على جدران بيوتنا حتى لم يعد في شارعنا بيت لا يحوي جدارا أحمر و لم يعد في شارعنا فم امرأة لا يصرخ حزنا ولا جسدا لا يرتدي السواد .

و ازدادت الدموع فازداد معها صدأ حواجزهم ؛ فَلَوَّنوها بالأحمر كلون وجوههم و زيهم و راياتهم ، و قاومهم سكان شارعنا برفع الرايات السود على الأسطح و الشرفات ، فتوقفت مظاهر الحياة إلا من نزال لا يهدأ بين الألوان ، و على الرغم من أن كل شوارع حينا كانت تحت قيد الاحتلال ، إلا أن شارعنا كان الوحيد الذي اتخذ السواد شعارا للرفض ، فأطلق عليه " الشارع الأسود ".

*   *   *

شارعنا ككل شوارع الدنيا السوداء ، دائما يبحث عن لون أكثر أناقة ليتناغم مع ألوان الحياة ، و كلما خطا خطوة نحو اللاأسود .... ازداد السواد .

*   *   *

ازدادت نوبات اختطاف الجنود أكثر من ذي قبل ، و تكرر استيقاظ الشارع على مشهد جندي مسلوب السلاح يغرق في الأحمر وسط الأنبوب ، يزداد الأحمر ، يلمع بريق الأسود و يتناسى الناس بديهيات حياة حفرت في تاريخ شارعنا ، الأطفال يلعبون الكرة داخل سراويلهم و يخفونها تحت الأسرَّةِ ، النساء يفتقدن أحاديث النميمة في المآتم و حفلات الزواج ، و يتلمس الشباب الحب فقط من موروث الأغنيات ، و باتت أمنية كل كبير في شارعنا أن يصلي الفجر في الجامع قبل أن يتحول إلى لوحة حمراء غير منتظمة . قُتل الكثيرون من جنود الغرباء ، لم يستطع أحدهم أن يعرف الفاعل ، نحن أيضا لم نكن نعرفه .

*   *   *

شارعنا ككل شوارع الدنيا الطيبة ، يهاب الموت و يعشق الحياة ، فإذا جاءه الموت استكان ، و إذا لاحت له الحياة بحث عن الموت.

*   *   *

لم يكن في شارعنا من يرغب في البحث عن مبرراتٍ أو دوافع لقرارٍ اتخذه الحُمُر .

عربات حمراء تحمل مكبرات للصوت تجوب شارعنا منذ بداية النهار ، تذيع بييانا للجميع :

"إننا نريد سلاما دائما مع أهل الشارع الأسود ؛ لذا فقد قررنا العودة من حيث جئنا ، و على كل سكان الشارع الالتزام باللاحياة حتى بدء آذان الفجر " .

الكل يقبع في أحشاء الشارع يهمس بالفرحة ، لم يحن وقت الإعلان عنها بعد ، الكل نيام على فراشهم يختفون خلف جلودهم كعادتهم كل يوم بعد آذان العشاء .

لكن الليلة تختلف ، هواءها يختلف ، دقات ساعاتها تختلف ، دفء الأغطية على الأسرة مختلف .

بدأ الناس يسمعون ضجيجا بالخارج يتحدث بلغة الرحيل ، فيتهامسون مع الجدران طالبين منها أن تشف للحظات ليروا مشهدا لم يشاهدوه من قبل ، طالما حلموا بتفاصيله .

لم يتردد أحد بين النوم و الانتظار ، الكل ينتظر ، لكن أحداً لم يجرؤ على تلصص النظر من النافذة أو حتى هجر فراشه ، فقط الكل يسمح بانسياب حلمه مع أحمره المتجدد في الشرايين .

و العقلاء في شارعنا باتوا ليلتهم يخافون شيئا لا يدركوه .

*   *   *

شارعنا ككل شوارع الدنيا الحزينة ، اعتاد على الحزن حتى أنه لم يستطع أن يستوعب ملامح الفرحة ، فاكتفى بعناق الأحلام .

*   *   *

الله أكبر ... الله أكبر .... الصلاة خير من النوم .... لا إله إلا الله

مع نهاية الآذان ... "لم يخرج أحد".

انتهى الضجيج و ساد الصمت ... " لم يخرج أحد " .

دقائق ، توقف فيها الأسود عن البكاء ، و توقفت الحرب بين الألوان .

دقائق و سمع صوت يحلق فوق مئذنة الجامع

" حي على الخلاص "

" حي على الخلاص "

شارعنا يعرف الصوت و يتذكر صاحبه ، صاح الهمس في الأعماق ..." لقد عاد "

النداء يتكرر و تعلو حدته

" لم يخرج أحد "

الضجيج يعود من جديد ، أصوات أحذية ثقيلة تغطي على صوت النداء حتى تلاشت موجاته و انتهت

" لم يخرج أحد "

اصطدمت أحلام الناس بواقع لا يعرفونه ، " فنام الجميع " .

*   *   *

شارعنا ككل شوارع الدنيا النائمة ، يجد في ساعات النوم حرية التعامل مع الكوابيس ، فيهادنها حتى يقوى على التعايش مع واقعه .

*   *   *

استيقظ الصبح ، و معه كل نوافذنا ، و اصطدمت الأعين في نظرتها للأنبوب ، أبواب الشارع تزينها حواجز تغيرت ألوانها من الأحمر إلى الأسود ، و ضابط النقطة و جنوده يرتدون السواد .. يحرسون الحواجز و بنادقهم .

و كهل غطى الأبيض كل وجهه و رأسه يرتدي زيا أحمر مشنوقُ على باب الجامع .

قال الكبار : أنه كان يعيش في أنبوب شارعنا منذ زمن ثم اختفى .

*   *   *

... لم يخرج أحد !!!

*   *   *

شارعنا ليس ككل شوارع الدنيا

*   *   *