فشيمة أهل البيت كلهم الرقص

رمتُ التنقل من شارع الى آخر ومن حارة الى أخرى بعد أن شربت غير كأس من الوسكي،وقفتُ بباب حانة يحرسها شخصان من الظاهر أنهما لم يغادرا تدريب عضلاتهم المفتولة منذ أمد غير قصير، حاولت الظهور بمظهر الوقار مع ان قلبي كان يتمزق، دخلت الحانة ونأيت بعيداً عن البار وجلستُ بجانب الشرفة المُشرعة على الجادة المجاورة.

طلبتُ كأساً من النبيذ المعتق عَلِّي أخرجُ البرد الذي أخذ ينخر في عظامي، فالبرد قارص وأنا لا ألبس سوى "تي

شيرت" و"جاكيت خفيف" و"بنطال من الكتان الخفيف".

أشعلتُ سيجارة وطفقتُ أنظر حولي الى المشهد عينه في أيّ مكان كهذا؛ أضواء خافتة متقلبة بين ألوان الطيف السبعة، وموسيقى صاخبة ترن في الآفاق، ونساء يرقصن ورجال يطوفون حولهن وعلامات السكر لا تفارقهم، من أتعبهم الرقص يأخذون استراحة ولكن هي استراحة محارب يقتات قوةً ليعود أقوى من ذي قبل، بعض من أتى برفقة صديقاتهم يحاول الاختفاء خلف أحد الأعمدة في الحانة ليحصل على قبلة ربما تجعله بمصاف أمير أو قائد جند أو صاحب دولة، وقد تقوده الى قضاء ليلة في فراشها يمارس الحب ليهرب من جحيم واقعه..

خطف انتباهي فتاة لا يبدو أنها تجاوزت ربيعها السابع عشر جديرة بمحظية أمبراطور روماني فرحت أراقبها في صمت مراقبة المشوق المستهام، لاحظتْ شدة اهتمامي وبدأت نظراتنا تتعانق وضحكاتنا تتبادل فبدأت الشهوة تحجب التفاصيل من حولي وهمت في عالم لازوردي، توقف الوقت وتوقف الأناس الآخرون في الحانة عن الحراك توقف كل صخب يحوم في المكان أصبح الدخان معلقا في سماء الحانة كأنه غيمة، أنطفأت الأنوار وبات زوج عينيها يشعان أكثر من ذي قبل...

أعادني جذب أحد الكراسي وقد أصدر أزيزاً  وقف له شعر بدني الى واقع الحانة المكتظة بأصناف شتى من الناس وقد جلست قبالتي تلك الفتاة تحمل كأساً بيد وبالأخرى سيجارة لونها بني، أنيقة الملبس ولكن لا يكاد يستر سوى النزر القليل من جسمها.. بدأت حبائل الحوار تتجه يمنة ويسرى..كان صوتها مشروخاً ونظراتها تحمل شيئا من الريبة  مر ّوقتٌ طويل ينيف الساعة  لم أدرك من ذاك غير اسمها بالأحرى اسم دلع يليق بفتاة مثلها "سوسو"، إذ بها تبكي وصوت نحيبها لفت انتباه من حولنا حاولت تدارك الأمر طلبتُ فاتورتي وفاتورتها دفعتهما وخرجت ويدي تسند ظهرها أوقفتُ سيارة اجرة وتوجهت صوب  سيارتي ركبنا وما تزال دموعها منهمرة وصوت حشرجتها كما طفل مدلل فقد أحب ألعابه، وهي تردد" لما فعلتَ  هذا يا أبي!؟" "دمرتني وطلقت أمي"  بالاضافة الى تمتمات ,ولعنات لم أفهمها...؟! وقفتُ أمام دكان قهوة أعتد شرب قهوته طلبتُ  قهوة  بلا سكّر، وبعد جهدٍ غسلتْ وجهها وبدأت تستعيد شيئاً من وعيها.. أخذنا القهوة ووقفتُ في منطقة مشرفة على مدينتنا التي تغط في سبات عميق نزلنا من السيارة وجلسنا على مقدمتها، شربنا القهوة وبدأت الأجواء تأخذ طابعاً شبه رسمياً وبدأ حوارٌ جاد عن اسمها وأهلها وما تفعل في مكان كهذاوهي ما تزال في هذا السن فأجابت بنبرة متغطرسة والغيض يملأ عينيها " إذا كان ربُّ البيت بالدف مولعاً..."

 

Please publish modules in offcanvas position.