التينة

احترنا في الأمر ، فبيت الحاجة أم أحمد و ساحة دارها مال غائب (1) .
و جذور التينة امتدت عميقا في الأرض و بدأت بدك أساس الحائط الذي يفصل حديقتنا عن ساحة بيتها..
تذكرناها بالأمس و نحن ننظر إلى شجرة التين الوارفة ، و كلما درنا تحت أغصانها تراءت لنا بثوبها الأبيض المطرز و ضحكتها الوادعة و هي تفتح ذراعيها لتضمنا إلى حضنها الواهن.

هل نقطع الشجرة أم نبقيها ؟

************
منذ زمن بعيد و أم أحمد تخبئ الدمع في راحتيها و تصره كحبات المسبحة تحت عبها الأيسر، و حين يجن الشتاء علينا بأمسياته الرتيبة، تنزوي بعيدا عنا حاملة صندوق الحياكة . تشعل القنديل و تسكب خبيئتها في لجة العتمة ، فيتقطر الدمع من كفيها كما يذوب الشمع على فتيل يحترق.

كانت ساعات الحزن تلك ، تهمي فوق صفحة و جهها في مواسم عصر الزيتون ، و أهازيج الأعراس ، و حين تجلس وحيدة عند عش الهدهد ، تستظل بأوراق التينة و تتنفس شهقة الفجر الأولى . و أحيانا ، تقبض الوحشة على عودها الناحل و هي تفرش حجارة الفرن و تفرد فوقها عجينها اللدن ، فيختلط الطحين بحشاشة روحها.
إلا أنها و بعد كل بكاء خافت ، تردم سيولها ، فلا يبقى من أثرها سوى كحل عربي يطوق جفنيها كطين لزج، و أصابع واجفة تخفق كيبيس الكلأ كلما مر به هواء البيدر.

حاولنا مرارا أن نلم خيوط هذا الألم الغامض حين يتشكل عنوة عند زاوية فمها و هي تقرع بإبرتها قماش الثوب كفارس مهزوم ينقب برمحه عن جثث جنده . كان أول الخيط يشتبك بآخره فتلقي بالبكرة بعيدا عنها كمن يلقي حصبا في عين ماء راكد ، ولا يبقى لنا من صمتها سوى قرقعة الحجر.
نسألها عن سبب هذا الزعل، فتجيبنا : حساسية من وبر الزهر، و تقول مرة أخرى ؛ من وجع (المية الزرقا) ، و مرة من برد العظام ، و مرة من قطيعة زوجة أخيها في العيد ، و حين نلح عليها و لا تملك لنا جوابا ، تنهرنا الجدة و تنشرنا بعيدا بصوت حازم : ولكم ، خلص!

نراقبها كل يوم من فوق قبة العقد (2 )، تدخل بيتها الصغير، و تجمع فتات الخبز و العظم كي تطعم قططها. تربت بيدها على صغارالقطة و تغني:
طيري يا حمامة
هدي على العلامي (3)
طلي عأحمد
و رجعيه بالسلامة

تتقلب القطة السوداء بين ذراعيها بدلال فتضمها إلى صدرها و تطلق ضحكة عالية ، ثم تنام على حصيرتها قريرة العين.
تأخذنا التأويلات بعيدا ، و نختلف مع بعضنا فمنا من يراها تخاطب الجن ، و منا من يراها عجوزا بائسة ، و منا من يرمي الحجارة فوق رأس القطط لطرد الشياطين من شعرها الكث ، و منا من يطلق وابلا من البصاق على قطتها الأم ، فتخرج لنا أم أحمد شاهرة مكنسة القش الهزيلة كحربة صدئة .

تقرع بابنا كل صباح ، و حين يلمحها أحدنا بعد فعلته ، يطلق ساقيه للريح فتلحق به و تحصره في ركن ضيق ، ثم تحشو في يده قطعتين من حلوى اللوز و تقول له ،" تحكيش لحدا ".
تحب الجدة و تستأنس معها بحديث عابر و ذكريات مضت ، يطل عليهما شيخ القرية المعمر من سطح الدار المقابل و يصيح : " تتزوجيني يا أم أحمد ". فتطلق كركرة صغيرة ، و تجيبه ، " لما ينور الملح يا حاج (4) "

ترملت في سنة النكسة حين فر أهل البلدة إلى مغر الجبال و احتموا بأحراش الزيتون . يومها ، أصر أبو أحمد على العودة إلى منزله فقد كان يسمع أنين النعجة و هي تشكو إلى الله تفتق ضرعها. وحين غاب طويلا فتش عنه رجال القرية فوجدوا جثته مشوهة عند خربة الزاوية.

لملمت أم أحمد جراحها و أسلمت همها إلى الحي الذي لا يموت. قامت بتطيين بيوت الحارة و خدمة نسائها لإعالة نفسها و ابنها حتى أنهى تعليمه و ابتعثته الحكومة إلى الجامعة.

اعتدنا على هسيسها ، كانت تسر إلى الجدة في لحظات الضعف دوما و هي تطلق نشيجا يائسا ، " إن كان واقفا على قدميه أو إن كان ممددا على ظهره ،أ ريد أن أراه ."
فقد بقي أحمد في الضفة الشرقية . انقطعت عنها أخباره و تناثرت سيرته في مروج البلدة . قال بعضهم إنه لحق بمعسكرات المنظمة في سوريا و بقي فيها ، و قال البعض الآخر إنه خرج مع الفدائيين بعد أيلول الأسود إلى بيروت.
من يومها و هي تتنشق عبق رائحته من بعيد ، و توزع خبز محبته على أطفال الحي.
تنتظر خبره عند باب الدار في النهار ، و ترسل دمعها عليه تحت ذوائب الشجرة في حلكة الليالي الطويلة و هي تردد،
"وينك يا حبيبي"

ثم كبرنا ..
و لم نعد نسأل عمن يدق المسامير في معصميها ، و لم نعرف كيف احتملت عظامها الهشة كل هذا النخر .
برغم الأسى كانت تبتسم لنا ، و کأن حقولا من الحنون والقرنفل تمتد خلف ذلك الحزن الشائك ، و تمرج صغار الخراف و أفراخ العصافير في رحاب صدرها الضيق المعوج .
نحييها ، فتجيب ، " كيفكم يما "
يختبئ شباب الحارة في مخزن بيتها العتيق عندما يدهم الجنود منازل الحي، فتحرسهم تحت ظل الشجرة ، و تقول ، " تخافوش يما ، الحافظ الله ."

مع الوقت ، انطفأت ذبالتها و شح بصرها ، ما عادت تذكر اسم أحمد أو تبكيه.
و في يوم غائم ، اجتمعت عجائز القرية في منزلنا ، و كانت بينهن ، كنا نوزع الحلويات بعد أن خرج خالنا من الأسر و قد انقضت أعوام كثيرة .
أخذت الأهازيج تعلو ، و الزغاريد تلف منازل البلدة منذ ولوج موكب السيارات إلى الشوارع ، و قرع الطبلة يهز جدران المنزل .
و حين دخل الخال إلى الساحة ، قامت أم أحمد و ركضت نحوه و بدت كأنها تنظر بعينها إلى زمن آخر، عانقته بشدة و غنت كما لم تفعل ، انطلق صوتها نقيا حنونا قويا حتى طال جوانب القرية ، فهاجت ساحة الدار و اضطرمت.
و قبل أن تكمل غناءها و تقول ،
" الحمد لله يا..... اللي رجعت بالسلامة " ، تحشرج صوتها و تغيرت تقاسيمها و كأن أنفاسها انسحقت ، اتكأت على حبل الغسيل و شدت منشفة الوضوء إلى وجهها ثم انخرطت في بكاء مرير ارتفع رغما عنها إلى سماء البلدة حتى جاوز مآذنها .

قد قيل لنا فيما بعد إن التينة تصدعت من بكائها و سقط جزء كبير من أغصانها...

*********
تذكرناها .
قررنا بعد لأي أن نقوم بقطع الشجرة .
و حين هوى الفأس على طرف الجذع الماكن ، دفق حليب التينة كشريان هائج ، و و سط ذهولنا ، جاءنا صوتها من الأفق البعيد و هي تقول ، " ما تخافوش يما " !

------------------------------------------------------------------------------------------
(1) مال الغائب : له ملكية لكن أصحابه فقدوا حقهم في المواطنة بعد الاحتلال. (2) العقد؛ بناء قديم له قبة يستخدم كغرفة رئيسية (3) العلامي : الأعلام (4) ينور الملح : كناية عن رابع المستحيلات


Please publish modules in offcanvas position.