النادل في المقهى الشعبي بالمدينة، أعمدة مصطفة على رصيف الشارع العام، أشخاص آخرون يمرون ، على طاولة صغيرة بداخل المقهى تطوف حولها أسرة متلاشية تحدث رائحة احدهم ، كان نائما بالغرفة المجاورة لذلك المكان ، التفت إليه أحدهم في يده أوراق ينتظر بدوره لعبة مع أشخاص نسوا كليا أن لهم أسرة صغيرة تنتظر.
رد صاحب الأوراق :
ـ "بوتيرو" أنت هنا؟
ـ أهلا بك.
ـ كيف حال أهل مدينة "مديين"؟.
ـ كل شيء بخير.
في الغد ينتظر بوتيرو عملا شاقا، أحد الوزراء يطلب منه لوحة مركبة، حركات انسيابية، مرنة، تحمل أجسادا بشرية، لكنه في نفس الغد، وعد الفتاة "زولا" بهدية عيد الميلاد.
من الأول إذا؟.
فنجان القهوة على طاولته أصبح باردا برودة النسيان، بخار السجائر يتطاير، تذكر، أولع سيجارته ، وبعد تلك السيجارة، سيجارة تتلوها سيجارة، الوقت يقصر ، لم يكن يعلم أن عقارب الساعة ملتفة على الرقم الثاني ، عيناه غائرتان غائصتان في القهوة الباردة، خرج من نفسه كليا، وجد في غرفة أخرى ، إطارات عديدة ، الوزير هناك في الغرفة الحاملة لضوء باهت .
ـ أي إطار تختار سيدي؟
ـ أريدك أن ترسم كل هذه الإطارات، وسأرى.
ـ لكن سيدي...
ـ لا، لكن...كل شيء سيمر بخير.
مع نفسه:
ـ أي خير ، أنجز مائة إطار فقط ليرى.
ـ هل تعرف أني وزير؟
مع نفسه:
ـ ولو
صمت وتحديق في صفوف تلك الإطارات.
أحضر الصبائغ وصاح:
ـ سأرسم شخوصا خضراء، صفراء، عفوا شخوصا حمراء.
دخل الوزير
ـ لماذا هذا الأحمر؟
ـ لا أدري لماذا أرسم بالأحمر.
خرج الوزير، أفرغ "بوتيرو" الصبائغ على الأرض، سقط على التراب، أصبح شخصا أحمر، أحدهم يشهر مصباحا في وجهه ، صرخ:
ـ من أنت؟
ـ لا يهم.
خرج صاحب المصباح، الليل مازال قائما، مفعما باللون الأحمر.
دخلت الفتاة "زولا"لم يجد هديتها الموعودة، وصرخ :
ـ أهدي إليك قبلتي التي ستبقى مرسومة باللون الأحمر على جبينك، كانت "زولا" ترتدي فستانا أبيض، أصبح أحمر، سقطت منها دمعة واحدة، الوزير في مكان ما يقهقه، يطلب من أحدهم شيئا آخر.
السيجارة انتهت من يد "بوتيرو"، رائحة أخرى تعم المكان، ويعود مسترخيا على أسرته الأولى وقال:
ـ لن أرسم باللون الأحمر، ولو أمرني الوزير...