ركضت هنا وهناك ، دون اكتراث ، تلبي رغبات  الزبناء، مفعمة بالحيوية ،محبوبة لدى الجميع ، ينادونها ( الزين ) دون اعتبار لعواقب " جبر الضرر" .انتزعت شهادتها الجامعية في علم الاجتماع بمشقة الأنفس ، آمال تعمل نادلة ، بمبلغ زهيد ، ضعفه لم يبلغ حتى ما يسمى ب: " سميك " للشهر ، " وبدون  أوراق ... يا حصرة " ، اليوم  ، آمال مسرورة جدا ، بعد موافقة صاحب المقهى  منحها عطلة يوم واحد،غدا

الأحد .

     ... لم تستيقظ اليوم  باكرا كعادتها ، لا تبالي  بالأمس والغد أيضا ، ينتظرها الكثير. الحمام ، نظافة البيت ، ترتيب شعرها ، مطبخها في راحة بيولوجية ، أما ملابسها فهي على وشك أن ترفع ضدها دعوى عدم نظافتها لمدة لا تقل عن الشهر ....أصدقاؤها وصديقاتها مشتاقون لفكاهتها ، تعرف كيف تدفن شقاءها في لحظات سعيدة ، ويحلو لها أن تردد عبارة : " العفو يا مولانا ..."

... غادرت البيت بعد قضائها بعض الأغراض الضرورية ، في طريقها صادفت طفلتين خجولتين ، تلعبان على الرصيف ، سالت إحداهما  مبتسمة : ما اسمك ؟

أجابت  البنت : أنا اسمي رثاء ، وهده ، اسمها محجوبة ... 

تفكر  من اختيار الاسمين دون أن تبدي أي تأثر ...

قالت آمال : ممكن أن نلعب معا ؟

أجابت الفتاتان وبلسان واحد :  هيا .( وهما في بهجة واشتياق).

أضافت محجوبة  : عمتي ، هل جائز أن يلعب الصغار مع الكبار؟ أم حرام ؟  (وهي تتذكر ما تسمعه في البيت ، قبل انتقالها  إلى المدينة رفقة العائلة ...)

اجابت آمال : نعم جائز ، ولم لا ؟ هيا نلعب ، قش قش ، الحبل ، السيس ، كاش كاش ، عرائس ، اقو شان  .... ماذا تحبين؟ والاهم أن نستمتع للحظات ، ولا يهم ما يقال .

... بعد ساعة من اللعب، تابعت آمال سيرها ،إذا بها وجدت نفسها  في مقهى على الطريق الرئيسية ، حسنا فعلت  لتلملم خوالجها كعادتها ، المارة  تسترق الأنظار ...

 وقف النادل بجانبها قائلا: عفوا أختي ، أتشربين شيئا ؟

أجابت آمال  وهي تبتسم : من فضلك أخي ، أريد عصير الفواكه .

رد النادل وهو يبتسم :  " مكاينش اختي ، شوفي حاجة اخرى ، البورصة طايحة هاذ الأيام " وهو يبتسم ...

ردت آمال : مالك او مال البورصة ؟

نظر إلى الخلف فاجاب وبصوت خافت :"  الم تلاحظ ما يجري حاليا في العالم ؟ وحتى فمريكان؟  الأزمة ، الأزمة ،... وأنا الآن في انتظار أجرتي لمدة  شهرين ، ولدي مولود جديد  ".

أجابت آمال :  مبروك أولا ، لكن ، اسمح لي أخي ، أنا  الآن لا اريد ان ارى سوى نفسي وهمي .... " عافاك جيب لي شي قهيوة معصورة مزيان في فنجان " . 

رد النادل : حسنا سيدتي ... وبسرعة .

       بعد لحظات ، توجهت  صوب النادل ، وجدته منغمسا في الأحاديث مع الزبناء  داخل المقهى ، المكان مكتظ  ، شباب هنا وهناك ، كهول وحتى القاصرين ... كلهم  منزوون  ومكبلون  بخراطيم " ركيلات" ، الأدخنة  " المعطرة " تتطاير، الفضاء شبه مظلم ، تساءلت في نفسها : رباه ، العلبة ؟ السينما أم المقهى ؟ القاصرون ؟...

      أدت ما بذمتها وغادرت ، متجهة إلى متجر للملابس المستعملة ،  لتشتري فستانا مناسبا  ،  بدات تختار ، بجانبها شابتين متنكرتين في جلباب ، بمساحيق جذابة  وبنظارات سوداء . سمعت إحداهما تقول لمرافقتها : انظري هذا المعطف ، ألا يناسبني هو الآخر  ؟

أجابت صديقتها :  شيئا ما ... لكن  يبدو عليه انه مستعمل ، لكن يجب  أن نغادر حالا، حتى لا تصادفنا هنا إحدى" الصديقات المعلومات  ... "

تساءلت آمال  في نفسها وبحدة : التبعية حتى في الذوق ؟ فغادرت على التو بعد أن اختارت ما ناسبها .

                                                                                                       

                                                                                      محمد امزيل