(كو....كو...كو...كو)تصايحت الديكة لتعلن ولادة يوم جديد و لتبدد صمت الليل الذي أطبق على هذه القرية الوادعة المطمئنة .وهنا في أحد الأزقة الخاوية المقفرة يسعى حمار تعتليه بردعة مليئة بالرمل قد اتشحت بكوكبة من الرقع،و سار في أثره شيخ يحثه على السير...و فجأة صاح الحمار متبرما – يا سعد انك تؤذي كاهلي و ترهقه بتلك البردعة البغيضة التي تكاد لا تفارقني-
قال الشيخ و هو يرنو إلى الطريق الموغلة في الطول – لقد ضجرت من خمولك هذا ،ألم تتناول للتو حفنات من الشعير الطازج و تفرغ في جوفك دلوا من الماء المنعش ،وختمت تلك الوجبة الرائعة  بحزمة من الحشيش

الفاخر -
قاطعه الحيوان ساخطا و مستطردا – عشر سنين و أنا أتفانى في خدمتك . و لكنك تجهد أعظمي الرقيقة  و تنهك سيقاني الدقيقة بما أطيق و بما لا أطيق من الأحمال ،إني سأشكوك يوما إلى منظمة الرفق بالحيوان التي تزدريها و تستخف بها-
أجاب الشيخ مغضبا -  اسمع أيها الكسول ،منظمتك تلك لا تعلم أنك تتقلب في نعيم و تتمرغ في بذخ يحسدك عليه جميع حمير الدنيا –
و هنا انفجر الحمار ضاحكا و هو يقول في خبث– أية نعمة أجدها مع  تلك الأحمال المضنية لجسدي النحيل . و النافعة لكم معشر الآدميين؟-
قاطعه الحمال متوعدا – أحسبني  سأضطر لبيعك أو ذبحك .و من ثم سأشتري بغلا قويا و مطواعا .يشتغل دون توقف ،و لا يتلف سمعي بمثل حديثك الأرعن ذاك –
أجاب الحمار في زهو و خيلاء – و من ذلك البغل الأحمق الذي سيحتملك يوما واحدا؟ -
و صمت برهة ثم أردف – اعلم يا صاحبي أن لدي من الجهد طاقة بغلين معا –
و قهقه الحمال هذه المرة و قال –يا لغرورك الأسطوري يا حماري العزيز ،حقا إنني أجهل إن كانت للأحمرة نفس القدر من غرورك أم لا-
و أردف يقول – خلال حياتي الطويلة اصطحبت في مهنتي عددا لا يحصى من الحمير و الحق إنني لم أصادف حمارا مختالا  مثلك قط - 
أجاب الحمار في لهجة من يدافع عن كرامته – ثق يا شيخ أنك لن تجد مثلي في احتمال نزقك و عنجهيتك و غلوائك – ابتسم الحمال لرضوخ الحمار  أخيرا و إذعانه .
و الواقع ألا أحد منهما يطيق صبرا عن فراق رفيقه...فقد تربى الحمار في دار سعد  منذ أن كان جحشا لا حول له و لا قوة ،فأحاطه الرجل بالعناية و الغذاء و السقاية إلى أن اشتد عوده و استوى  .ثم اتخذه مركبا و حاملا للبضائع و المتاع لسكان القرية لقاء مال كثير حينا و زهيد أحيانا.
(ارر...ارر...ارر...يا اكسل  حمار ) ،في هذا اليوم الجديد انطلق الحمال في عمل جديد...فالشيخ سيجلب الرمل من سفح الوادي إلى دار قد بدئ في تشييدها هناك وسط القرية.
الشمس قد توسطت كبد السماء ،ساطعة و ملتهبة.(اوف..اوف...اوف) يعلن الشيخ أخيرا، متبرما من هذا القيظ المفاجئ وهو في غدوه  و رواحه ذاك بين الوادي و القرية قد شعر بعطش أوشك أن يذهب بعقله.
و دون تردد مال الشيح الظمآن إلى أحدى البيوت يقرع بابها و يلتمس ماءا يخفف به وطأة العطش تلك...و ما أسرع ما خرج إليه شاب قوي البنية (خذ يا عماه وارتوي جيدا فأن هذا اليوم قائظ و شاق) و قدم للشيخ قدحا من الماء المنعش ارتوت له عروقه و انطلق مجددا إلى عمله موفور النشاط قوي العزيمة.
و مر يوم و يوم  و الحمال قد ألف أن يعرج عن تلك الدار كلما استبد به الظمأ ،فيشرب ما شاء الله له أن يشرب ،و تستريح دابته من وعثاء   ذلك الشغل المضني ثم يستأنفان عملهما و كلهما نشاط و حيوية ...لكن ذلك الشاب القوي يسأم يوما من تردد هذا الشيخ على بيته ( تبا لذلك الشيخ الممل..سيرى كيف سأنسيه عنوان هذا البيت) .فيعمد يوما إلى سحق كمية كبيرة من الأقراص المنومة و يخلطها في قدح قد ملئ للتو بالماء . و قعد الشاب متربصا لقدوم الحمال و قد كظم غيظه. و أبطأ الحمال كثيرا وسط سخط الفتى و تبرمه.
و أقبل سعد أخيرا و هو يسوق دابته و قد حملها بالرمل .واستوقفه الشاب من بعيد قائلا – كيف تجدك اليوم يا عماه ،أما شعرت بالظمأ بعد ؟-
و أجاب الشيخ ممتنا و مبتسما – أنا ممتن لك يا ولدي و الحق إنني لم أظمأ بعد فهذا اليوم معتدل الطقس لا حر فيه .و لكن إكراما لك و لمروءتك سأشرب من مياهك العذبة –
و ناول الشاب قدحا مترعة إلى الحمال و انصرف...لكن الحمار يهمس في أذن صاحبه و يلح في الهمس – سعد إنني لا أطمئن إلى هذا الفتى و لا إلى ماءه –
و قاطعه الحمال ممتعضا – سأشرب رغم أنفك يا ناكر الجميل –
و أفرغ الكأس كاملة في جوفه ...و أمسك بزمام دابته يحثها على المسير ليصل باكرا إلى تلك الدار أين سيفرغ هذه الرمال ليعاود الكرة من جديد.
وانسلخت ساعة ...ووسط ذهول المارة و تعاليقهم الساخرة .(طك...طك...طك...طك...) أقبلت الدابة تمشي الهوينى و الشيخ مستلقي فوق ظهرها و قد راح يغط في نوم عميق كأنما هو في فراشه و بين ذويه.
قهقه الشاب الماكر لذلك المشهد طويلا. ..و غاب الحمال بعدها عن شغله أربعة أيام كاملة.