دائرة صغيرة موغلة في الصغر. تتوارى خجلا وسط مساحة رحيبة ممعنة في الاتساع تفصل بين عالمين مختلفين الاختلاف كله ...عالم داخلي ضيق و مكتظ يثير النفور. تستحوذ عليه قتامه بغيضة و صمت مثل صمت القبور.. وعالم خارجي فسيح و صاخب تلذ له الأنفس.
كان جفن حنان لا يزال متشبثا بالثقب كما يتشبث المريض بأنبوبة الأكسوجين ،حين زمجر الزوج بصوت ملأ
المكان رعبا و ضجرا:
- حنان أين أنت؟ أريد ماء الوضوء فورا.-
- أنا هنا .سيكون الماء بين يديك حالا – أجابت الزوجة و هي تقتلع بصرها اقتلاعا من ذلك الثقب السحري و المحبب إلى قلبها ...هي في هذا البيت الذي يوشك أن يكون كما الجزيرة وسط محيط رحيب. الباب مغلق أبدا ،والنافذة الوحيدة لا تفتح إلا لماما .
إنها زوجة فاتنة تترقرق الأنوثة في ملامحها مثل الماء الزلال...أما الزوج فهو شخص معقد و حاد الطباع و متحجر الفكر...شديد الريبة. يخشى أن تطال عين متطفلة زوجته الجميلة أو أن تسترق أذن متلصصة صوتها الرخيم.
و المرأة البائسة تحيى في هذا المسكن الزنزانة وحيدة ..يمضي الزوج إلى عمله بعد أن يحكم إغلاق الباب ..و تبقى المرأة سابحة لوحدها وسط وحشة قاتلة و في انقطاع تام عن الدنيا و زخرفها و مباهجها.
(زرابي...أفرشة...ورود)...إن حنان تعرف صاحب الصوت انه البائع المتجول...شيخ وديع اعتاد أن يبسط بضاعته قريبا من بيتها. هرولت إلى حيث ذلك الثقب المتواري في جدار البيت . الزوج لا يعلم قصة هذا الثقب...أزاحت حنان قطعة القطن من الثقب و أرسلت عبره بصرها المتعطش لذلك النور و لتلك الألوان و الأشياء التي تفتقدها داخل هذه الجدران القاتمة..أفرشة و سجاد و بعيدا الأشجار المورقة و السيارات و أشكال من البشر...كل تلك الصور المتلاحقة كان يتيحها هذا الثقب السخي مثل نافورة ماء سلسبيل في صحراء مجدبة..كان الثقب هو الملاذ الوحيد و المتنفس اللذيذ لهذه الزوجة.
دق..دق.. ينتفض الباب معلنا وصول الزوج قبل الموعد...دخل متجهم القسمات و كانت تلك سيرته. تهرع المرأة إلى غلق الثقب .
- يومك سعيد – تحيي زوجها باقتضاب.
سألها بكلمات بغيضة و مكررة:
- من قرع الباب أثناء غيابي –
- صاحب اللبن جاء يطلب ما عليك من دين- أجابت في جفاء.
قال يتصنع الغضب:
- ويحك أن يكون ذلك النذل قد سمع صوتك –
أجابت في شرود :
- لقد أجبته على ورقة دفعتها إليه تحت الباب-
انتبهت حنان هذا الصباح على جلبة غير معهودة...زوجها غائب لبعض شأنه. إنها فرصة كي ينهل بصرها الظامئ من أنوار ذلك الثقب الأسطوري..مثل العادة أزاحت قطعة القطن عن الثقب...آآآآآآآآآآآه...آهة عميقة أرسلتها الزوجة الشابة في ألم... ياللصدمة ؟ غير معقول ؟و تتحدر الدموع تباعا على خذها الأسيل...لقد ارتفع بناء جديد بجوار مسكنها و أغلق الثقب إلى الأبد.



