حوار الفصل بين العلم والجهل يقولون في المثل الفرنسي : لا اثنين دون ثالثة(1) ، أما نحن فنقول : هو قدر الله وقضاؤه . كان من تقدير المولى الأعز أن أطلع منذ يومين على مناظرة بين العلم والجهل في شكل مقامة من تأليف العالم الجليل محمد بن عبد الرحمن الديسي(ت 1921م)، وكذا اطلعت على محاورة أخرى بين العلم والجهل من تحرير العلامة اللغوي العروضي موسى الأحمدي نويوات(ت 1999م) . وقد حدثتني نفسي أن أكتب حوارا ثالثا في نفس الموضوع فأجبتها محبا غير كاره ، وأنا في هذا معترف لهما بفضل السبق والتقدم والفضل للمتقدم . - فقلت ، أو قال العلم :صباح النور ياجهل ، وإن كنت بالنور تنحل ، قد أخبرت أنك تتناولني بالقدح والذم ، وأيمُ الله لولا تبيان الحق لما باليت بالنم(النميمة) ، اسمع اسمع متى جاز لمثلك الحديث عن مثلي ، وأنا المفضل على كل فعل ، أماتدري من أنا ؟ ، أما تدري ما منزلتي ؟ ، أم أن التواضع يا هذا أغراك بمذمتي ؟ ، أما الآن وقد تركت الإسرار إلى الإعلان ، وطلبتها حرب التفان فسوف تهان . - الجهل : مالي أراك ترعد وتبرق ، وتكشر وتزمجر ، أتراك تخيفني ، وتجعلني منك أوجل وأذعر ، لا لا فما أنا بالجبان ولابالضعيف المُهان ، ولكن اسمع أنت أولا ، وسأدك عظامك مفصلا فمفصلا . - أنا الجهل أنصاري كثر شيب وغمر ، قرائني محبوبة ؛ الأموال و الشهوات المطلوبة ، أما أنت ياعلم فما ثمار أتباعك إلا العدم . أنصارك قلة شعث غبر أذلة ، إذا تكلموا فكلامهم محطم لأن التقدم لمن له الدرهم ، وأنصت أنصت لقول الشاعر : إن الدراهم في المواطن كلها تكسو الرجال مهابة وجلالا فهي اللسان لمن أراد فصاحة وهي السلاح لمن أراد قتالا(2) - العلم : بئس الفخر فخرك ياجهلُ أتتباهى بكثرة الأنصار من الجهال ، وهم لعمري غثاء كغثاء السيل ، ثم إن العبرة ليست بالكثرة ولا بالعدة و الثروة ، ولكن ... بل اسمع اسمع قول من قال : تعيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل وماضرنا أنا قليل وجارُنا عزيز وجار الأكثرين ذليل(3) وقال العزيز الأكرم :«وَقليلٌ مَّا هُمْ » الآية(4) . أما افتخارك بوفرة المال والنشب ، فقد أبان عُواره أبو الطيب : يجني الغنى للئام لو عقلوا ما ليس يجني عليهم العدم . أما ما تفوهت به من أن السطوة لأصحاب الدراهم فما هو- بإذن الله- بدائم ، وكما قيل : الدنيا دول وسيعرف الأعز من الأذل . - الجهل : دعْ دعْ عنك - ياعلمُ- الأمل ، فما أرى إلا أنْ قد وافاك الأجل ، ثم هبني قد صدقت ما سقت من كلام ، فهل تظنني أقتنع بأنه يصدق على هذا الأنام ، لا ياهذا ولن يكون حتى يتمنى الفردوسَ الخؤون . ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس تعظما .(5) - العلم : بل فضل الله مدد ، ولن تُحرم الأمة نور أحمد ، وإن كان في أبنائي من استهويته بعرض من الدنيا زائل فسينبيه نوري بأن قد بدل المفضول بالفاضل ، وما هذه الصحوةُ المباركةُ إلا دليل على أني كسبت المعركة . فهذه المساجد و المدارس و الجامعات عامرة ، وعدد المتعلمين صغارا وكبارا كابرا . حتى لقد رأينا الشيخ الفاني منكبا على دروسه بتفان ، فكيف تدّعي ما تدّعي يامعقل كل غبي وغوي . والدعاوي ما لم تقيموا عليها بينات ، أبناؤها أدعياءُ(6) وهل صح قول من الحاكي فنقبله أم كل ذاك أباطيل وأسمار أما العقول فقالت أنه كذب والعقل غرس له بالصدق إثمار(7) ثم ما لنا ياجهل نرى كل سوي يكرهك ، وكل جاهل وإن كان منك وفيك يخجل منك ، حتى قيل : كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسنه ، ويفرح إذا نُسبَ إليه ، وكفى بالجهل ذمّا أن يتبرأ منه من هو فيه .(8) وبينا هم على ذلك ، والصوت يعلو وينخفض ، والحجج تسّاقط وتنتفض ، والناس من حولهم حيارى كأنهم من هول المنظرسُكارى ، إذ بدا الثلاثة الكرامُ ، وهم بلا ريب الحكامُ ، فاشرأبت الأعناق إذ ذاك ، وصاح الجمع بصوت رجل واحد : هو ذاك ، هو ذاك ، هو ذاك ، فأقبل العقل السليم ،عن يمينه القلب الرصين ، وعن شماله اللسان المبين ، وكلهم قد أُشرب معاني الكتاب والحكمة ، فحق لهم بذاك ختام الكلمة . - العلم : أترضى ياجهل بما رضي الجمع حكاما؟ . - الجهل : نعم ، رضيت بما رضي الجمع حكاما . وحينها تكلم الحكام ؛ العقل والقلب واللسان : أترضون أن نُحكِّم خير محكم ؛ كلامَ ربنا ، وحديثَ نبينا الأكرم ؟ . - الجمع : نعم رضينا . - العلم : قبلنا . - الجهل : وما علينا . - الثلاثة الكرام ، يقول من سبّحت بحمده الأرضُ والسماءُ :« إنَّمَا يخشى اللهَ من عبادِه العُلماءُ» الآية(9) ، ويقول مُبلغُ الحق المبين :« مَنْ يُرِدِ اللهُ بهِ خيرًا يُفقهُ في الدِّينِ»(10) . - واحد من الجمع : والله إن هذا ليكفي . - آخَرُ من آخِر الجمع : بل نزده لعله ينفي . - واحد من عُرض الجمع : الرأي أن نسمعه شاهدا يقوم مقام ألف . - الثلاثة الكرام ، قال من أمره كن فيكون :« قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون»(11) . - العلم : لا . - الجمع : لا وألف لا . - الجهل : وقد انفجر بالبُكا ، وكاد من شدته أن يهلكا . لا لا وحق قولكا يامن علم آدم ما خفي عن الملائكة . - الجهل( بصوت أجشَ لا يكاد يَبين) : الآن فاشهدوا قد تبتُ ، وإلى طريق العلم والنورقدعدتُ . - الجهل( مضيفا ، مخاطبا العلم ) : أتقبلني عندك ياعلمُ طويلبا عساني أأْمن المنقلبا . - العلم : على الرحب والسعة ، ورحمة الله كما قد أخبر واسعة . - الجمع ( وقد بدا متؤثرا) ، فهذا يمسح دمعه ، وذاك يحمد ربه ، وثالث ، ورابع ، وخامسُ .... « وَيَأبَى اللهُ إلاّ أن يُتمَّ نُورَه » الآية(12) . تمت . محمد خير الدين كرموش . 1-يقول المثل الفرنسي: j'amais deux sans trois . 2-لم أقف على قائلهما . 3-البيتان للسموأل بن عادياء . 4-جزء من الآية 24 من سورة ص . 5-البيت للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني . 6-لم أقف على قائله . 7-البيتان لأبي العلاء المعري . 8-من أقوال الإمام علي رضي الله عنه . 9- جزء من الآية 28 من سورة فاطر . 10-الحديث من صحيح البخاري . 11- جزء من الآية 9 من سورة الزمر . 12-جزء من الآية32 من سورة التوبة .