خسّرناهم على أرضهم!
ارتفعت أجرة ركوب الحافلة إلى الحمراء، وقد أخبر سائقو الحافلات بعضهم بعضاً أنٍ ارجعوا سريعاً باتجاه الحمراء فالزبائن بالعشرات، أما الحارة المحيطة بالحدث فقد خلت من السيارت، وفضّل معظم صاحبي المحال إغلاق محالهم وقت الحدث!
يقصد اليوم أهل البلد حارة الحمراء من كل حدبٍ وصوب، وقد بدأ الاجتماع من الساعة الثامنة رغم أن الحدث المنتظر في الواحدة
إنها أيام امتحانات، لكن الحدث لا يتكرر وإذا فاتك حضوره فقد فاتك خيرٌ عظيم، وهي أيضاً أيام نهاية السنة والجرد، لكن الحدث لا يُفوَّت!
هؤلاء الطلاب والتجار، أما العاطلون عن العمل وما أكثرهم، فقد استيقظوا في السابعة صباحاً وما فعلوها منذ الحدث الماضي قبل شهرين، أملاً في حجزمكانٍ مناسب لحضور الحدث
هاهي وفود الشباب تلبي الدعوة ، قلوبها وعقولها في أمل الوصول إلى ( الحمراء)، وقد احمرّت خدودهم وأنوفهم من البرد ، فليحمرّ الجسد كله ما دام تلبيةً للحدث!
هاهو أبوسبيع ، في الخامسة والأربعين من عمره يمشي من دوار الفاخورة، إذ لا حافلة، ولا يكفيه ماله لأخذ تكسي، حتى وصل إلى مكان الحدث، في يديه ورقة فيها جدول كبير، فيه أوقاتٌ وأسماء ، وهو يقرؤه مع صديقه أبي راكان، ويتناقشون فيه من بداية انطلاقهم قبل ساعتين من دوار الفاخورة، وقد علت أصواتهم وانتفخت أوداجهم ، وللأسف فقبل وصولهم إلى مكان الحدث بخمس دقائق تحولت علاقتهم الودية إلى عداوة كبيرة بسبب اختلافهم في ذلك الجدول، وقد سبَ أحدهم أبا الآخر وأمه!
أما سمير ذي العشر سنين، فهاهو يمشي باتجاه الحدث لأول مرة، لم لا؟ وقد علم أن أباه وأمه ، ومدرس التربية الإسلامية في مدرسته كلهم متوجهون إلى مكان الحدث، وهم نخبة الناس في نظره!
الأعلام في كل مكان، والأصوات بدأت تتعالى حول الحدث، وللأطرش أن يعلم ذلك ، وقد أغلق جيران الحدث نوافذهم من البارحة خشية الضجيج!
إنه الحدث !
الحدث المنتظر منذ شهرين، أو علمتم ما الحدث؟
إنّ من لا يعرف ( الحمراء) سيقول: إن الحدث هو قدوم خالد مشعل ليلقي محاضرة في جمهورٍ غاضبٍ لأمته، يذوق مرارة الثكالى والشهداء والأسرى، أو أن ( الحدث) هو ندوة علمية يلقيها بيل غيتس حول النجاح في الحياة، وقد رافقه مترجم للغة العربية، عندها يستطيع أبو راكان وصديقه ( العدو) أبو سبيع فهم ما يقول، أو أن الحدث هو أن أغنى رجل في العالم سيلقي في الجمهور الفقير طريق الاستثمار الاقتصادي الناجع، إذ الفقر أكلهم أكلاً، أو لعل ( الحدث) هو أن سياسياً كبيراً سيلقي محاضرةً عن الأوضاع السياسية المتأزمة، وما واجبنا في هذه المرحلة
ولكن الحدث مختلف تماماً!
إن الحدث ببساطة هو اجتماع مجموعة لا تتعدى الثلاثين من الشباب، يلبسون الشورت القصير، وعلى ظهورهم أرقام، يركضون في ساحة الحدث، أملاً في الحصول على قطعة من القماش القوي، في داخلها هواء، لعله يدخلها برجله بين عامودين منصوبين بين طرفي الحدث!
هذا هو الحدث!
أتظنون أن حدثاً كهذا يجذب آلافاً من أمةٍ (متحضّرة)؟
ثم أتظنون أن من في قلبه حرصٌ على الخير، يجلس فيتفرّج ويصرف من وقته ساعتين أو أكثر ليطير بعينيه وقلبه وعقله مع قطعة قماش بداخلها هواء، على يمينه ويساره من يسب أبا اللاعب أو الحكم وأمَّه!
ثم يخرج الجميع بعد وقتٍ غيرِ مبارك فيتحدثون فيقول أبو سبيع لأبي راكان: (خسَّرناكم على أرضكم) !!، أما علمَ ذلك المسكين بأنه ما مسَّ الكرة، ولا تدرَّبَ ساعة، وأنَّ مَن صرفَ لهم من وقته ومحبته وعقله- والأولى أن يصرفهم لرب العالمين- ،هم لا يعلمون ولا يأبهون به، فمثله كثير!
المسألة في نظري لا تحتاج إلى كثير تأمّل ، ولكنها تحتاج إلى النظر في قول نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم : ( احرص على ما ينفعك)
الحمراء: حارة الملعب ( الحدث)
دوار الفاخورة: منطقة تبعد حوالي 7 كم عن مكان الحدث